إذا كان عمر بن عبد العزيز هو درة الخلافة الأموية فإن الخليفة المهتدي بالله هو درة الخلافة العباسية ونظيره في العباسيين, ولكن لم تساعده الأيام والظروف على تحقيق الحلم المنشود، وكان ورعًا متعبدًا عادلًا قويًا في أمر الله, بطلًا شجاعًا, ولكنه لم يجد ناصرًا ولا معينًا، تولى في فترة مضطربة كان الأتراك يسيطرون على مقاليد الأمور؛ يعزلون ويقتلون ويخلعون الخلفاء كما يحلو لهم وأهانوا الخلافة والخلفاء لأقصى حد ممكن, فتولى المهتدي بالله وفي نيته إصلاح الأمة والتخلص من الأتراك ـ سبب البلايا كلها التي أحاطت بالأمة والخلافة ـ فبدأ في التقليل من نفوذهم وإصلاح شأن الخلافة فبدأ بنفسه فكان من الزاهدين يلبس الصوف ويأكل الملح والزيت أيام رمضان, وطرح الملاهي وحرَّم الغناء, وقصر أصحاب السلطان عن الظلم وشدد إشرافه على أمر الدواوين يجلس بنفسه أمام الكتاب للحساب, وبنى دارًا سماها دار العدل للنظر في المظالم, ونفى المبتدعة والفاسقين من بغداد, وكان يحب أهل السنة والعلم حتى إنه في يوم قال لصاحبه: رحم الله أحمد بن حنبل والله لو جاز لي أن أتبرأ من أبي لتبرأت منه' وكان أبوه الخليفة الواثق من أشد الناس قولًا ببدعة خلق القرآن وقتل من أجلها أحمد بن نصر الخزاعي وفتن كثيرًا من الناس.
وبعد ذلك أراد المهتدي بالله أن يتخلص من الأتراك الذين أهانوا الخلفاء ولكنه لم يجد من يقف معه ويؤيده, فتكاتف الأتراك عليه حتى قتلوه شر قتلة بعصر خصيتيه ولم يكن قد أكمل عامًا واحدًا في الخلافة, وقد عدَّه كثير من أهل العلم ضمن الخلفاء الراشدين.
الخليفة العباسي المسترشد بالله:
إذا كان المهتدي بالله في عصر سيطر الأتراك فيه على الأمور ولم يجد ناصرًا ولا معينًا فإن المسترشد بالله كان في عصر لم يبق فيه للخلافة معنى ولا سلطان إلا على بغداد وما حولها فقط, وباقي جسد الأمة مقطع تحت إمرة المتسلطين والمتغلبين من الأمراء والملوك, وكان عهد المسترشد بالله هو عهد سيطرة السلاجقة على مقاليد الأمور, كان المسترشد ذا همة عالية وشهامة زائدة وإقدام ورأي وهيبة شديدة, ضبط أمور الخلافة ورتبها أحسن ترتيب, وشيد أركان الشريعة وأحيا سننها, وكان بطلًا شجاعًا يخوض الحروب بنفسه, ولم يكن الخلفاء قبل يفعلون ذلك, وكان في أول أمره تنسَّك ولبس الصوف وانفرد في بيت للعبادة ثم صار خليفة من أشجع الخلفاء خرج لقتال سلطان السلاجقة مسعود بنفسه, ولكن غدر به أكثر جنده فظفر به مسعود وأخذه أسيرًا فأرسل السلطان سنجر عم مسعود يأمره بالإفراج عنه فورًا ففعل ذلك.
ولكن كانت هناك مؤامرة تحاك في الخفاء ضد هذا الخليفة البطل الذي زادت شجاعته إلى الحد الذي أقض مضاجع أعداء الإسلام وعلى رأسهم فرقة الباطنية الملحدة الكافرة التي يهمها أن يبقى وضع المسلمين في اندحار واقتتال فيما بينهم فعملوا على التخلص من هذا الخليفة الذي بدا للعيان أنه سيعيد المجد المفقود للأمة فقامت مجموعة من الباطنية بالتخفي في زي الجند وعددهم سبعة عشر ودخلوا في جيش مسعود وانتهزوا غفلة الناس ودخلوا على المسترشد خيمته وقتلوه ومزقوا جسده إلى أشلاء مما يدل على مدى حقدهم وبغضهم للإسلام ولما وصل الخبر إلى الناس ببغداد علا البكاء والنحيب, وخرج العامة حفاة مخرَّقين الثياب, والجميع يبكي ويندب الخليفة البطل وكأنهم يبكون حكمهم الذي ضاع وأملهم الذي راح.
الوزير العظيم نظام الملك:
أعداء الإسلام لم يهتموا فقط باغتيال كبار الأمة من القادة والخلفاء ولكن امتدت أيديهم الغادرة لتغتال أي شخص يبدي نبوغًا ومهارة وديانة وقوة على استعادة الحق خاصة من الوزراء الذين كانوا بمثابة الذراع اليمنى للخلفاء والملوك والسلاطين.
وكبير هؤلاء الوزراء هو الوزير الكبير نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق وزير السلطان ألب أرسلان وولده ملكشاه, وكان نظام الملك من أهل العلم، حفظ القرآن وسمع الحديث ودرس الفقه وأنشأ المدارس ونشر العدل واستعمل الرجال الصلحاء والأقوياء في خدمة الدين, وقمع أهل البدعة بشدة, وطارد فرقة الباطنية المنحرفة حتى ثقل مكانه عليهم وعلى أعداء الإسلام فعملوا على اغتياله وتم لهم ذلك في 10 رمضان سنة 485هـ على يد غلام باطني تظاهر بزي مسكين يطلب صدقة فلما همَّ نظام الملك أن يعطيه صدقة طعنه الكلب طعنة قاتلة أودت بحياة هذا الوزير الكبير الذي أسدى للإسلام خدمات جليلة.
السلطان ألب أرسلان السلجوقي:
الملقب بسلطان العالم, ثاني سلاطين الدولة السلجوقية التي قضت على نفوذ الشيعة والروافض بالعراق وما حولها, وكان ألب أرسلان عادلًا قويًا رحيمًا شفوقًا على الرعية خاصة الفقراء وكان يتصدق بخمسة عشر ألف دينار في رمضان كل سنة, وكان شديد الحرص على حفظ أموال الرعايا ولقد استطاع هذا السلطان الكبير أن يقود جيشًا مؤلفًا من عشرين ألف مجاهد فقط للانتصار الباهر على الروم سنة 463هـ في الموقعة الأشهر 'ملاذكرد' وقد جاء قائد الروم بجحافل أمثال الجبال من مختلف الأجناس روم وفرنجة وترك كفار, وهو يريد استئصال الإسلام وأهله والاستيلاء على بلاد العراق كلها ثم الميل على بلاد الشام ثم مصر ليعيدوا كل البلاد للكفر مرة أخرى.
ولكن الله عز وجل أنزل نصره على المؤمنين وكان هذا النصر أقوى مسمار في نعش الدولة البيزنطية التي طالما حاربت المسلمين, وكان هذا الانتصار كفيلًا أن يثير أعداء الإسلام ويحرك أحقادهم ودسائسهم للتخلص من هذا الذي مرغ سمعة الروم في الوحل, فلم يمض كثيرًا على هذا الانتصار حتى قتل ألب أرسلان على يد أحد الثائرين عليه دون أن تذكر كتب التاريخ دوافع هذا الثائر ولما قام بفعلته الشريرة ولكنه مخطط عالمي ينتظم في سلكه أعداء الإسلام أينما كانوا وكيفما كانوا.
الأمير المجاهد مودود:
عندما استولت جحافل الصليبيين على بلاد الشام وخاصة درتها الثمينة بيت المقدس سنة 492هـ كان المسلمون وقتها في حالة من التناصر والاقتتال على السلطان بين أبناء السلطان ملكشاه السلجوقي مما أذهل الناس عن العدوان الصليبي، ولما استقرت الأمور قليلًا أرسل السلطان غياث الدين السلجوقي الأمير الكبير المجاهد مودود بن زنكي أمير الموصل لمحاربة الصليبيين, فجمع مودود الجموع من أقاليم الجزيرة وتوجه للشام واستطاع أن يوقع بالصليبيين هزائم منكرة واستعاد منهم حصونًا كثيرة, وبذر بذرة الجهاد من جديد، وتقاطر المتطوعون من كل مكان لاستعادة بيت المقدس مرة أخرى وتصاغر الصليبيون وطلبوا إمدادات من إخوانهم في أوروبا وكل ذلك في سنة واحدة ولكن ماذا حدث؟
لم تُعجب أفعال وفتوحات مودود فرقة الباطنية الكافرة الفاجرة والتي كان يهمها أن يبقى الصليبيون داخل الشام لتقوم بالدعوة لمذهبهم في حرية في ظل غياب الرقابة الإسلامية, في 22 ربيع أول سنة 507هـ وكان يوم جمعة, دخل مودود مسجد دمشق لأداء صلاة الجمعة فجاءه باطني مجرم بزي سائل يطلب منه شيئًا فأعطاه مودود بعض المال فلما اقترب منه ضربه بسكين فمات من ساعته رحمه الله, والعجيب المضحك المبكي في آن واحد أن ملك القدس الصليبي أرسل رسالة إلى ملك دمشق يقول فيها: 'إن أمة قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها'.
الأمير المجاهد عماد الدين زنكي: