إذن فليأت هؤلاء المفكرون المتكئون على أرائكهم ، المنظرون لمسارات القمر ! وليتعرضوا لشيء واحد مما تعرض له الرجل ، بل ليهددوا بأمر واحد ، ولننظر ماذا سيصنعون ..؟!
لا يجب أن ننظر إلى هذه المحاكمة من خلال قعودنا وراء الشاشة ، ولا من خلال نفسياتنا وتفاعلاتنا ، ولا حتى من داخل نفسية صدام في تلك الظروف العصيبة ، ولكن من خلال نفسياتنا لو كنا في تلك الظروف .
رجل يشارف على السبعين يؤتى به إلى محكمة خفية ، وقد ظهر عليه مرض من أمراض البرد ، يقف في محكمة كل حضورها أعداؤه ، الحكم عليه فيها بيد عدوه ، وعدوه يقتله ويقتل الآلاف ولا يعجزه الكذب ، وتصوير المحاكمة بيد عدوه ... فالخير سيخفيه، والضعف سيبديه .. ربما تكون هذه المحكمة الأولى والأخيرة ، ولا أحد يقدر على المطالبة بدمه ، فماذا لو هادن لحظة ليتمكن بعد فترة .. ماذا ، وماذا ، وماذا ..؟!
وما أوسع باب التأويل والضعف إذا حضر الموت ... إنه الموت ..!
هذه هي الحقيقة النفسية الرهيبة ..
هذا مجرد تصوير بسيط للحقيقة ... أما حقيقتها فشيء لا يوصف ..
ومع هذا يظهر صدام في المحكمة أشد مراسًاَ ، وأشمخ رأسًا ، وأعظم بأسًا ، حتى أغنت إشاراته وتعبيراته عن عباراته وكلماته قبل أن تسمع ، فلما ظهرت الكلمات ، سال الماء البارد على القلوب الخائفة الملتهبة عليه ، وعلموا أن هذا هو صاحبهم الأول ، ولكنه اليوم أكبر بكل معاني الكلمة ..
أما الأعداء من الحكومة الانتقالية فلم يخرج واحد منهم ليلة بث محاكمته ، ولا في اليوم الذي بعده ليصرح بأي تصريح ، فقد ذهل هؤلاء حين تحول مجلس القضاء إلى مجلس دفاع عاجز ، وتحول المتهم إلى مهاجم من الطراز الفريد ، فكان هذا هو أول مكر الله بهم ..
وبعدها لم يبق أمام راعية المحاكمة إلا أحد هذه الاحتمالات ..
الاحتمال الأول: هو قتله ، ' وقد صرح المحامي الفرنسي جاك فيرجيس عن قلقه الكبير من احتمال قتل الرئيس العراقي السابق صدام حسين قبل أن يحاكم.
وإذا كان تسليم صدام يخدم في الوقت الراهن الإدارة الأمريكية لكنه سيلهي العراقيين والعالم العربي والدول الغربية و ثمة سيناريوهات عديدة, وفق ما نقلت وكالة الأنباء القطرية [قنا] عن مصادرها الصحفية, قد تكون رسمت بدقة لمنع استمرار المحاكمة وفى هذا السياق يقول المحامي فيرجيس: إن سلطات الاحتلال قد تقتل صدام في السجن عن طريق الخطأ , تمامًا كما كان يحصل مثلًا مع قادة و مناضلي الثورة الجزائرية , حيث كانوا يعدمون في السجون قبل محاكمتهم وهناك سيناريوهات أخرى يجري الحديث عنها في سياق هذه المحاكمة ومنها تعرض القاضي الشاب الذي ترأس المحاكمة الأولى والتي رفض فيها صدام التوقيع على لائحة الاتهام إلى محاولة اغتيال وتتعطل المحاكمة استنكارًا كما يمكن أن تتعرض المحكمة أو المكان الذي يعتقل فيه صدام إلى عملية تفجير كبيرة تؤدى إلى قتل صدام وعدد كبير من الحراس والمدنيين سيناريو آخر تقرر فيه المحكمة العراقية تحويل المحاكمة سريعًا إلى جلسات سرية , يصدر خلالها الحكم بالإعدام على صدام وتنفيذه قبل أن تتوسع دائرة المدافعة عنه كما يمكن أن تدعي الحكومة العراقية إقدام أحد المسؤولين عن حراسة صدام على قتله انتقامًا لمقتل أهله ويمكن كذلك ادعاء مقتل صدام خلال مهاجمة موكب الحراسة المكلف بنقله من المحكمة إلى المكان الذي يوجد فيه , أو بسبب مرض مفاجئ، ويقول مسئول أوروبي كان عمل سابقًا في العراق: إن السؤال ليس متعلقًا بما إذا كان سيقتل صدام وإنما بكيفية هذا القتل .
فالأمريكيون لم يقبضوا على صدام ليطلقوا سراحه أو يكرموه ..
إن أمريكا حين رفعت عنه صفة أسير الحرب إنما أرادت بذلك أن تطلق يد المنافقين في حياته فيقرروا قتله تحديدًا ... لكنهم أوقعوا أنفسهم في حرج لم يحسبوا له حسبانًا أمام العالم حينما ظهرت قوته في المحاكمة ، وقد أصبح قتله خارج المحاكمة صعبًا لأنهم حين أعلنوا أنه ليس أسير حرب وجعلوه تحت الحماية الأمريكية ، فأصبح تحت حراستهم ورعايتهم رغمًا عنهم .
ولكن لا يستبعد أبدًا على هؤلاء المرتزقة قتله ، فهؤلاء من الدناءة بحيث لا يبالون بالمجاهرة بالعهر والمخازي لو اقتضى الأمر ، ولولا خشية الهبوط بمستوى المقال لذكرت أحداثًا فاضحة لأعراض هؤلاء وبالأسماء مما يخجل منه من لا يستحي ! لكن ليعذرني القارئ عن إخفائها ..
الاحتمال الثاني: تدويل المحاكمة بناءً على الضغوطات العالمية ومطالبات المحامين .
الاحتمال الثالث: تغيير القاضي .
وعلى كل احتمال من الاحتمالات يبقى مكر الله بهؤلاء هو الذي سيمضي بهم إلى درك أكثر صعوبة لهم كما هي العادة معهم ، فإن تغيير القاضي يعد نصرًا له ، وإن قتله يعد حياة حقيقية له ، وحياة لكلماته وشهادة طالما دعا الله علانية بها في خطاباته بها .
أما تدويل محاكمته فهذه كارثة عليهم لأنه وبجلسة التحقيق هذا ورغم أن ما أخرجوه بطريقة انتقائية لا يعد شيئًا نسبة لما أخفوه ، إلا أنها أظهرت حقيقتين خطيرتين:
الحقيقة الأولى: قول الكويتيين أننا سنبيع عرض الماجدة بعشرة دنانير .
الحقيقة الثانية: محاكمته على قراراته كرئيس مع رفع الضمانات كلها عنه كرئيس .
وعلى كل حال فإن أمريكا لن تتركه ، لن يتركوا ذلك اللقاء يمر بشرف ..
الإنجاز الثاني: لقد زعزع ظهوره في أسره قلوب المرجفين في البلد ، فأحس علماء الحوزة الشيعية بأن الخطر ما زال ، وأن الرجل هو الرجل ، استحضروا كل ما قاموا به من خيانات فبلغت قلوبهم الحناجر ، ودارت أبصارهم في كل اتجاه ، وخصوصًا حين سمعوا زئيره من وراء القضبان ، فاستذكروا سؤالًا يقول: هذا وهو في أسره فكيف به لو عاد ..؟!
وهنا ارتجت منابرهم يوم الجمعة بالمطالبة بإعدامه فورًا دون محاكمة ، وقالوا للقضاة كما قال اليهود للملك الروماني حين حاكم المسيح: اقتله ودمه في أعناقنا .
ليقطعوا أي أمل بعودته ، ويناموا ليلة دون قلق ، وإن نام هو قريرًا في أغلاله .. وطالبوا الجموع بالخروج يوم السبت بمظاهرة مليونية للمطالبة بإعدامه .. وهددوا المحامين بالقتل إذا دخلوا العراق !
وهنا لا بد من التنويه إلى كلمة حق وهو أن من الشيعة العراقيين العرب المحبين لبلدهم من لا يزال وفيًا لرئيسه ، مستذكرًا ما كان فيه من أمن وأمان ورزق وعلم وعز ونحو ذلك .
وإن كان لي على بحث ' العقد الأخير ' من ملاحظة فهي لا بد من التذكير بأمانة وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف ومروءته فقد كان ثابتًا في لقاءاته في قناة أبو ظبي رغم الظروف العصيبة التي مرت به ، فلم يرض أي نقيصة في صاحبه .
الإنجاز الثالث: تأكيد الصفة الإسلامية
عندنا من الأدلة السابقة واللاحقة ما يصعب حصره الآن ، كلها تقطع بالتغيير الإسلامي والإصلاحي الذي سرى إلى صدام حسين في العقد الأخير من حياته ، ولا داعي هنا لأن أنقل من كتاب العقد الأخير فلدينا من الشواهد مثله وزيادة .