فهرس الكتاب

الصفحة 2239 من 3028

الحرب العراقية الإيرانية: كلنا نذكر تلك الحرب الضروس ، والتي أحرقت الأخضر واليابس ، واستمرت عقدًا من الزمان ، ويتناولها الإعلام غالبًا بأهوائه السياسية ، فتجدهم إذا كان صدام عدوا لهم قالوا: إنه لم يشبع من إشعال الحروب بين المسلمين ، فقد قام بالتعدي على دولة الجوار إيران المسلمة في وقت كانت هي تمد غصن الزيتون إليه راغبة في الجوار الحسن ، وعندما يغضب الإعلام على إيران تنكشف الحقائق المخفية ، ويبدأ بذكر حقائق الخلاف ، وكيف كانت أطماع إيران فيما يسمى بـ ' خليج فارس ' ، وكيف أنها اقتحمت ابتداء الحدود العراقية مما جعل العراق يقوم بردة الفعل اللازمة لوقف هذا الغزو الشيعي لما يسمى لديهم بـ ' الأراضي الشيعية المقدسة ' حيث يوجد فيها النجف وكربلاء ، وتربة الأخيرة لدى الشيعة أعظم قدسية من تربة الكعبة .'

' من الحقائق التي لا ينبغي أن يغفل عنها من يريد أن يتصدى لقضية الأمة الكبرى ، هو استبانة سبيل المجرمين ، ورصد كيدهم ، وأخذ الحذر منهم ، والاعتبار بما صنعوا بغيره من قبل ، وجعل ذلك جزءًا من الإيمان ، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ...

وهنا نتساءل هل كان صدام عدوًا لليهود حقيقة ؟

والجواب: إن قول البعض أن صدامًا عميل لليهود ليدل على مدى المكر اليهودي الذي جعل هذا القائل الحاذق ضحية من ضحايا اليهود، وهو يرى بعينه ويسمع بأذنيه ما صنع اليهود بصدام ... ثم يبقى يقول: كذبت عيني وأخطأت أذني وصدق اليهود، ولكن سينقطع نفس من يعتقد هذا الأمر من كثرة ما سيحتاج إلى تأويل مواقف هذا الرجل ويحملها على أسوأ المحامل من كثرة مواقفه المعادية لليهود، بل من منهجيته في عداء اليهود حتى يخال لك أنه ليس لهذا الرجل من هم في الدنيا إلا الإعداد لليهود، ومعاداة اليهود، والثبات على ذلك حتى آخر نفس في حياته ولو كلفه ذلك ملكه، وحياته، وقد كان منه ذلك وقد كان من اليهود ما رأينا ...! انتهى

ألهذا الحد ؟ حتى الشك في صدقه وهو على بعد خطوات من المشنقة ..؟

هذا التشكيك لم يكن وليد اللحظة ، بل وراثة ممارسة التأويل الأسوأ لكل مشروع عمله الرجل لإصلاح بلده ونفع بني قومه .

فكم غيّر الرجل وغيّر ، وكم أصلح وأصلح ... لكنهم لم يتوقفوا لحظة عاجزين عن التأويل الأسوأ ..

قلت لصاحبي اليوم 3 / 7 / 2004 . ما رأيك بالمحاكمة: قال هذه سنة الله في إذلال الطواغيت .

قلت له: هل تقر بأن الرجل قد تغير بنفسه ، وغير الكثير الكثير في العراق نحو الإسلام ؟

قال: نعم .

قلت: هل كان مع كل هذا يهاجم من قبل اليهود والنصارى والباطنيين وما زالوا ؟

قال: نعم .

قلت: هل كنتم تسيرون بنفس الاتهامات اليهودية الصليبية الباطنية له ؟

قال: نعم .

فقلت: هل مازالوا على نفس الطريق وما زلتم ؟

قال: نعم .

قلت: هل أفحمهم في جلسة التحقيق أم أفحموه ؟

قال: بل أفحمهم .

قلت: لم لا تقول إذن أن هذه المحاكمة من دفاع الله تعالى عن الذين آمنوا .

قال: هذا وارد ... ولأنه تغير حقيقة ، ثم إنه أحسن من يدافع عن نفسه .

قلت: صدقني يا شيخي الكريم ، قد كنت أفكر كثيرًا من سيدافع عن رجل قام العالم أجمعه القريب والغريب ، العدو والصديق على خط واحد في تشويه صورته ، وتشويه حياته وحياة أسرته ، وكل من اقترب منه ... حتى أصبح من لاقاه يومًا من الأيام يخشى المعرة والمساءلة عن ذلك اللقاء .؟

لكنني والله الذي لا إله إلا هو كنت على يقين بأنه ما دام مصلحًا وصادقًا ، وهذا ما كنت أعرفه فيه ، أن الله لا بد أن يدافع عنه ، وأن هذا الإعلام كله سيذهب هباءً منثورًا.

لكنني لم أكن لأتخيل أن ذلك الجهد التشويهي طوال عقود منصرمة ستذهب كلها هباء ً منثورًا في نحو خمس دقائق .

ثم تصفوا عليه قلوب العامة التي حاول الإعلام أن يرسم فيها صورته المشوهة .

ووالله إني يا فضيلة الشيخ لأحسب ما حدث هو من قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [38] } [سورة الحج] .. ومن قول الله تعالى:ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ... [43] } [سورة فاطر] ..

من السهولة أن يقول قائل مثل هذه الكلمة ' سنة الله في إذلال الطواغيت '.

ومن السهولة أن تطير كلمتك في الناس؛ لأنها تسير مع التيار ..

ولا يفعل هذا في مثل هذه الوقت أهل الشهامة والشجاعة ، فالجبان لا يجترئ على الشجاع إلا إذا أمن سَوْرَتَه . وأنت بحمد الله من أهل الشجاعة ..

ولكن أهي كلمة حق ؟ أم أنك اطلعت على مراد الله حتى نسبتها لله ؟ أم أنك اطلعت على باطن الرجل حتى لم تقر بإصلاحاته على أرض الواقع ، لكنك تنزع من قلبه الإخلاص ..؟!

أهو الوهم يعشش في أذهان البعض حتى يريد دليلًا جديًا على العدوانية المتبادلة ما بينه وبين اليهود ؟ أم أنه السم اليهودي الساري ، أو الباطني الهاري في قلوب وأفكار البعض حتى لا يستطيع تغيير ما نشأ عليه ؟ أم أنه يستكبر من الرجوع إلى الحق الصريح ..؟

أم أنها تحالفات يخشى عند التصريح بها خسران أتباع، أو حلفاء قدماء ..؟!

أم أن التريث والانتظار ، بعد الانتظار ، بعد الانتظار هو حكمة الجبناء ومنهاج الذين لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء ؟ !!

إننا لا نعلق مصير الإسلام على محاكمة صدام ، ولا على حياته أو قتله .. لا والله .

إنما هي المرحلة التاريخية التي اختارنا الله لها واختارها لنا ، وهو سائلنا عنها كما سائل أصحاب كل وقت عن وقتهم ، ولا بد لنا من اختيار ، فإن أبينا الاختيار ولو بالموقف العقدي وما يتبعه من إمكانية مضبوطة بالحكمة ، فإن اليهود والصهاينة قد اصطفوا جميعًا في الصف الآخر المواجه لهذا الأسير الكسير بمفكري أمته .

فليبق مفكرونا في مقاعد الانتظار ، وليأخذ اليهود والباطنيون مواقع النصرة والانتصار .!

ومكروا ... ومكر الله ..

ومع كل هذا الذي ذُكر إلا أن هذه المحكمة في قاعتها الصغيرة ، وإنجازاتها الكبيرة تبقى شاهدا جديدا على مكر الله باليهود والصليبين والمنافقين ...

فالإنجازات التي تحققت في تلك الدقائق القليلة لم تتحقق في سنين طويلة ، وصدق الله إذ قال::ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ... [43] } [سورة فاطر] .

الإنجاز الأول: بشارة الثبات:

لقد اضطربت أنفاس كل من أحب الرجل حين استمع إلى موعد محاكمة صدام ، وتصاعدت أنفاسه حتى حبست عند ابتداء المحاكمة .

وكأن السؤال المتردد في الصدور وقتها هو: كيف سيخرج علينا صدام بعد هذه الرحلة الطويلة المريرة ..؟!

فكل من عاش هذه الفترة ظن إن هذه العواصف والأمواج وعوامل التعرية التي ضربت الرجل لا بد أن تكون أخذت منه مأخذًا ..

فهل ذهاب الحكم هين ؟ أم ذهاب البلد هين ؟ أم ذهاب الولد هين ؟ أم شتات الأسرة هين ؟

أم ظهور الرئيس بمظهر الأسير في يد العدو هين ؟ أم ما واجهه الرجل في معتقله من أساليب أخبث دولة على ظهر الأرض أمور هينة ؟

وهل كان من الهين على نفسية صدام أن يؤتى به فينزل من سيارة السجن مكبلًا في يديه ومقيدًا في رجليه إلى باحة قصره فيقف على رجليه ... يقلب ناظريه ، في الساحات والباحات ، في البساتين واللوحات .. مستعيدًا في لحظة واحدة أجمل الذكريات: صحبة الأولاد والبنات ، أو استقبال الشخصيات والهيئات ...!

إنه الانتقال المفاجئ للنفس من الحرارة إلى البرودة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، هكذا هو العقل إذا عصف ، وهكذا البصر إذا خطف ..! ولايتحمل هذه إلا ماندر من النادر ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت