لكن ما ظهر عليه صدام حسين من مظهر بلحيته كان يمثل قرينة جديدة على ذلك ، فقد كان يستطيع صدام أن يترك لحيته مطلقة ، وكان يستطيع أن يحلقها كاملة ، وقد عرض عليه سجانوه ذلك كما صرحوا هم بذلك ، إلا أنه رفض إلا تركها بهذه الهيئة التي ظهر عليها . فكانت هذه رسالته الصامتة الظاهرة إلى أهل الإسلام ودعاته ... بعد إصلاحاته الكبرى الذي لا تذكر هذه القرينة بجوارها ، و حين أقول تأكيد الصفة الطيبة فإنني أعني كلمة ' تأكيد ' أي أن اللحية لم تكن هي دليلنا المستقل على توجهاته الخيّرة .. لا والله ، بل كانت اللحية تأكيدًا للتوجه الحسن الذي اصطبغت بها تصرفاته ، وخطاباته ، واجتماعاته ، وأعماله ، وقراراته في العقد الأخير من حياته ..
الإنجاز الرابع: زيادة المقاومة
لقد ضخت هذه المحاكمة في عدد من المقاومين روحًا جديدة وأقصد بهؤلاء المقاومين سواء البعثيين أو عوام أهل السنة من الذين يحاربون لتحرير البلد من قوات الاحتلال... ذلك أنها أظهرت هذه الحكومة التي كاد البعض لزهوها أن يلقي سلاحه ويمسك بسلاح اليأس والاستسلام أظهرتها على حقيقتها مهزومة منافقة مهينة خائفة ترتعد من رجل في قفص .
وقد أرسلت المقاومة العلامة الأولى على تلك الروح الجديدة بضرب فندق فلسطين الذي لم يتمكن المجاهدون من ضربه منذ زمن بعيد ، وسيرى الناس أثر ذلك في الأيام القادمة .. ذلك حكومة علاوي وأمريكا من ورائها حاولوا بكل طريق أن يقرروا عند الناس قناعة بأن صدامًا قد انتهى ، وعليهم أن يفكروا في المستقبل .
وأغلب الناس بين واحد من اثنين: إما خائف من عودته أو محب لعودته .. فجاءت محاكمته رسالة بليغة للاثنين جميعًا .
ولابد من الإشارة إلى أن المقاومة الإسلامية غير متأثرة كثيرًا بهذه المحاكمة في عملها الجهادي حيث إنها غالب المقاومة في العراق الآن وهي المسيطرة على أغلب الساحة العراقية ...
الإنجاز الخامس: لقد رأيت ولأول مرة خطاب المنبر السني وهيئة علماء المسلمين على لسان الدكتور محمد عياش الكبيسي في لقاء مع الجزيرة ... نعم لأول مرة ، يقولون خطابًا بهذا التريث في أمر صدام ، فجزاهم الله خيرًا على هذا الإنصاف .
ولا أدري لعل سبب ذلك هو ما يستحضرونه هم كل يوم من مقارنة ما بين ما كان عليه العراق كعراق من قبل وما أصبح عليه اليوم ، أو أنهم رأوا ظلمة المستقبل ونفقه المعتم الذي يزداد كل يوم تشبعًا وعمقًا ، أو أنها التغيرات الكثيرة الكبيرة على مستوى الجامعات الإسلامية ، والكليات والحملة الإيمانية وحلقات المساجد ، وبناء المساجد وحمايتها التي شهدوها في عهده .
أو هو ما وصل إليه الحال من هدر دمائهم ودماء العلماء والعباقرة العراقيين ، أم أنه ما رأوه من تغلغل اليهودية الفاعل في القرار العراقي والشارع العراقي وما كان عليه اليهود في عهد صدام . أم أنهم رأوا فرق التكفير واستباحة دماء المسلمين تنتشر في البلاد وتشيع في الأرض الفساد ، وتتكاثر كتلها ، كل كتلة تعتبر نفسها خلافة ... مقيمة بذلك الأحكام الكبرى مما كان يجمع له عمر أهل الحل والعقد متبعين في ذلك أهواءهم أو أهواء من هو أحق بإهدار الدم لقول النبي r: [اقتلوهم حيث وجدتموهم] .
أم أنهم رأوا الأسرة العراقية وكيف كانت مكفولة المواد الأساسية لا ينقصها شيء إلا إذا أصيبت بالطوارئ ... يرونها اليوم تصارع الحياة حتى الموت أحيانًا ، والانحراف أحيانًا، والتسول أحيانًا أخرى .
أم أن تلك الأسباب كلها مجتمعة مضافًا لها محاكمة هذا الرئيس الذي لا يختلف عراقيان على شجاعته التي لا يجاريه فيها عراقي فضلًا عن غيرهم ، ومحبته لبلده وبني جلدته ، ثم تكون محاكمته على يد باطنية الحوزة العلمية واليهود . والعلماء أعرف الناس بذلك .
فشعروا أن الواجب عليهم أكبر من الواجب الذي قام به المهاجرون إلى الحبشة حين نصروا النجاشي حين كانوا غرباء في بلده وقاتلوا معه ، حين قام بالثورة عليه حبشي آخر من بني بلده ، هذا والنجاشي لم يدخل الإسلام بعد !
فالمعادلة معكوسة من كل جهة ، ومع هذا يسكت العلماء ويقاتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أحق بالغدر ؟
أم أنهم حين رأوا الرغبة الحقيقية لدى المغضوب عليهم والضالين في الخلاص منه أيقنوا أن الصراط المستقين خلاف طريق هؤلاء .
إنني حين أتحدث عن العلماء فإنما أسجل هذا الموقف لهم مذكرًا بإنصافهم شاكرًا لهم على ذلك أملًا منهم المزيد .
مستعيذًا بالله من شر الفرق التي استغلت رسالتي السابقة الموجهة مني طالب العلم العراقي إلى هيئة علماء المسلمين ، مستغلين إياها في التقليل من شأن العلماء، أو التجريء عليهم .
تلك الفرق التي تدور ما بين تكفير المسلم من جهة واستباحة دمه من جهة أخرى .
إن خطأ العلماء مهما كان لا يساوي خطأ هؤلاء ، وإن العلماء إن أخطئوا فهم أهل الاجتهاد ، أو أنهم أقرب إليه ، أما هؤلاء فإنهم أبعد الناس عن العلم وأقرب الناس من الهوى .
وماذا يرجى فيمن اجتمع عنده الجهل والهوى ، واجتمع له كلمة الكفر وقطرة الدم ، واجتمع له تقديم قتل أهل الإسلام على الأوثان ، واجتمع عليه الجرأة على الفتوى ومعاداة أهل العلم .
وإني لآمل أن أكتب في حقيقة هؤلاء كتابًا يقتلع جذورهم من جذر قلوب الرجال من أرض العراق بإذن الله تعالى .
الإنجاز السادس: عودة القوة للمحامين
فبعد أن استسلم المحامون للأمر الواقع أول مرة ، وخضعوا للتهديدات فقعدوا ، عادت روح التحدي لديهم واشرأبت أعناقهم وأعلنوا أنهم عازمون على الذهاب للدفاع عنه ، مهما كان الثمن .
فتفاعلت القضية ثانية على المستوى العالمي على أوسع نطاق ، ودخلت مجلس الأمن ، وتحدثت بها مؤسسة حقوق الإنسان ، وأصبحت القضية الأولى على الصحافة العالمية ، وبذلك وقعت أمريكا في إحراج لم تحسب لها حسابًا ، وأصبحت تواجه العالم ومحامي العالم ومنظمات حقوق الإنسان بعد أن كانت تواجه ذاك الأسير المغيب في أسره .
لا شك أن مهمة المحامين كبيرة وخطيرة جدًا .. ولكن ينبغي أن يعرفوا أن قلوب الأمة معلقة بعد الله بهم ، وأن حياتهم ليست بأحق بالبقاء من حياته ، وأنه ربما إن مات محام فقد مات في مواجهة أخطر هجمة يهودية في تاريخ الأمة المعاصر ... وأنعم بها من موته ، وأنعم به من رباط ، والأعمال بالنيات ، وأن لهم في العراق مأوى ، فليأتوا هنا في الأنبار ، وإلا فليحولوا المحاكمة إلى خارج العراق ، فهم يدافعون عنه والله يدافع عنهم وعنه .
الإنجاز الثامن: تفاعل الرؤوس
لا شك أن لكلمات صدام خلف القضبان وقعًا خاصًا قد سرى إلى نفوس الرؤساء والحكام ، فمنهم من أخجله ، ومنهم من فضحه ، ومنهم من قال: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ..
ولا شك أن منهم من أخذته الغيرة وأقعده العجز ، وهذا والله مكسب حين يصل ذروة التفاعل إلى ذروة الأمة .
ولا ينبغي لأحد أن ينكر هذا الحال بما يشاهده من مظاهر مهينة ، فالخير بذرة ، والنور نقطة ، والحياء قطرة ، والهداية لحظة ، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل .
وكما أن إقامة الحجة أمر مطلوب ، فإن الهداية أمر مأمول ، ولعل من قارن بين تعليقات الحكام بعد القبض عليه والشماتة العلنية به ، ثم رأى سكوت الجميع بعد المحاكمة عرف السبب الفارق بين الموقفين .
الواجب عليهم عظيم وعظيم ، والواحد يستطيع أن يعمل الكثير ..