وفى وسط هذه الثورة العلمية الهائلة نفخ كثير من شياطين البشر في عقول وقلوب كثير من الناس دعوة التمرد على شريعة الله وعلى منهج الأنبياء والرسل بحجة أن في الانقياد لمنهج الأنبياء والرسل حَجْرًا وامتهانًا لهذا العقل البشرى الجبار الذى استطاع أن يصل إلى ما وصل إليه من هذا التقدم العلمى المذهل ! وبحجة أن البشرية والإنسانية قد بلغت مرحلة الرشد التى تؤهلها لأن تختار لنفسها من المناهج والقوانين والأوضاع ما تشاء !! وبحجة ثالثة ألا وهى أن مناهج الدين لم تعد تساير روح العصر المتحررة المتحضرة !!!
ونحن لا ننكر أن البشرية قد وصلت إلى مرحلة من التقدم العلمى لا ينكرها إلا مكابر وقد بلغت في هذا الجانب المادى شأنًا بعيدًا ولكننا لعلى يقين جازم أيضًا أن الحياة ليست كُلها مادة ولا يمكن لطائر جبار أن يُحلق في أجواء الفضاء بجناح واحد ! وحتى إن حاول ذلك ونجح لفترة - ولو طالت - فإنه حتمًا ساقط منكسر !!
ومن أراد أن يتعرف على حقيقة هذا العقل البشرى الجبار في الجانب الآخر في الجانب الدينى والروحى والإيمانى والأخلاقى والسلوكى والإنسانى من أراد أن يتعرف عليه بعيدًا عن منهج الأنبياء والرسل فليراجع في عُجالة إحصائيات الجريمة بكل أشكالها وصورها في هذا العالم - المتحضر المتقدم - كما زعموا ليرى الانحدار الخلقى السحيق إنهم في هذا الجانب أضل من البهائم كما قال الله عز وجل: )إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (( 42) انظر لترى:"أمة تعرف كل شئ إلا الله وتقرأ كل شئ إلا القرآن وتؤمن بكل شئ إلا الإسلام وتخاف من كل شئ إلا من الله"
أمة إعلامها مرئيًا ومسموعًا ومكتوبًا ينشر الرذيلة والعهر ليلًا ونهارًا أمام الذكر والأنثى والصغير والكبير بل يُدرس الجنس في مدارسها بلا حياء ولا عفة وصحفها تموج بالفساد والصور الماجنة والمجلات الساقطة والروايات والمسرحيات القذرة وتروج الأفكار السَّامَة والمذاهب الباطلة
أمَّة تبيع الشرَّ كله أمة تصنع السلاح ووسائل التدمير لا للدفاع بل للتدمير والاستعمار أمة فيها الصدق ولكن لما يجلب لها من منفعة فيها الابتسامة ولكن لمن ترجوه أو تخاف منه أمة كالحيوانات في الشهوة وكالسباع في القسوة وكالشياطين في محاربة القيم والكرامة أمة في الصناعة تعانق نجوم السماء وفى المبادئ والأخلاق تهوى إلى قاع البحار أمة اتخذت من المرأة مركبًا يطؤ الحياء والطهر والعفاف وأوصلت المرأة إلى آخر محطة للرذيلة فأصبحت المرأة دمية يتسلى بها الرجال في كل مكان وتُرَّوج بها السلع وتزين بها الكتب والصُحف وأحيانًا ساقية لرجل ضائع أو مسلية للتافهين في أماكن الرذيلة تعرض جسمها بلا حياء تُهدر كرامتها في شبابها وتُرمى في دور العجزة في آخر عمرها إنها أمة تنتهك كل حرمة ولا تفارق مائدة الشيطان في الليل والنهار إنها أمة ضلَّت وأضلت واتبعت الهوى وقادها شياطين الإنس والجن إلى فساد الأخلاق وخراب الديار وظلم العباد إنها أمة غاب عنها الحق فتمرغت في الباطل إنها أمة لم تعرف النور فوقعت في الظلمات!!" (43) "
هذا هو العقلُ البشرى الجبار في الجانب المادى يهوى إلى قاع الرذيلة ومستنقع الضياع إذا انفك عن منهج الله على أيدى أنبيائه ورسله هذا هو العقل البشرى إذا تحدى نور الوحى الإلهى نعم فهذا هو العقل الأمريكى الجبار يدافع عن العنصرية اللونية البغيضة وما أحداث لوس أنجلوس منا ببعيد !! في الوقت الذى يتغنى فيه بالحرية والديمقراطية !!
وهذا هو العقل الروسى"العفن"ينكر وجود الله تعالى وشعاره: نؤمن بثلاثة: ماركس ولينين وستالين ونكفر بثلاثة: الله والدين والملكية الخاصة (44)
وهذا هو العقل الصينى الجبار"الكونفوشى"يقدم القرابين للشمس والقمر والكواكب والسحاب والجبال والملائكة وأرواح الآباء والأجداد !! (45)
وهذا هو العقل اليونانى يدافع عن الدعارة !
وهذا هو العقل الرومانى يدافع عن مصارعة الثيران !
وهذا هو العقل الهندى يدافع عن إحراق الزوجة بعد موت زوجها !
وهذا هو العقل الهندى يدافع بحماس عن عبادة البقرة ! بل ويقول زعيمهم الكبير"غاندى":"عندما أرى البقرة لا أجدنى أرى حيوانًا لأنى أعبد البقرة وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع"!!!
ومضى عابد البقر يقول:"إن ملايين الهنود يتجهون للبقرة بالعبادة والإجلال وأنا أعدُّ نفسى واحدًا من هؤلاء الملايين" (46)
وفى مكان آخر في الهند أيضًا تقام المعابد الفخمة الضخمة التى تقدم لها القرابين وترسل لها البذور ولكن ! أتعلم يا ترى ما هى الآلهة التى تعبد في هذه المعابد ؟! إنها الفئران نعم إنها الفئران !!! (47)
وهذا هو العقل العَرَّبى في الجاهلية الأولى يدافع عن وأد البنات وعبادة الأصنام وها هو يدافع إلى يومنا هذا عن عبادة الصليب !!"من قِبَل النصارى"
بل وهذا هو العقل القومى والبعثى يدافع عن الشرك والكفر باسم القومية العربية !!
فيقول قائلهم:
آمنت بالبعث ربَّا لا شريك له وبالعروبة دينًا ما له ثانى !!
ويقول آخر:
هبونى عيدًا يجعل العُرب أمةً وسيروا بجسمانى على دين برهم
سلام على كفر يوحد بيننا وأهلًا وسهلًا بعده بجهنمِ !!
هذا هو العقل البشرى الذى فجر الذرة في الجانب المادى يفجر الكفر واللإلحاد والزندقة في الجانب الدينى !!
هذا هو العقل البشرى الذى عانق نجوم السماء في الناحية العلمية يهوى إلى قاع الرذيلة في الناحية الأخلاقية !!
هذا هو العقل البشرى حينما ينفك عن نور الوحى ، ويعرض عن منهج الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
نعم لأن العقل له دوره وله وظيفته وله قدره ، ونور الوحى لا يطمس أبدًا نور العقل كلا بل يباركه ويقويه ويزكيه بشرط أن يسلم العقل مع الكون كله لله رب العالمين ثم لينطلق بعد ذلك مبدعًا في مجاله عن هدى ويقين وهو يعلم أن ما اكتشفه ووصل إليه كان موجودًا مودعًا في هذا الكون منذ آلاف السنين ولكنه ما أكتشفه إلا يوم أن أذن له الله أن يكشف )سنريهم من آياتنا في الأفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق (( 48)
وبعد هذه المقدمة الطويلة نقرر أن الله جل وعلا وحده هو الذى خلق البشر وهو الذى يعلم ضعفهم وعجزهم وفقرهم ، ويعلم ما كان من أمرهم وما هو كائن بل وما سيكون إلى يوم القيامة لذا رحمة منه بعباده أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين يذكرونهم ، ويبصرونهم ، ويحاولون استنقاذ فطرتهم ، وتحرير عقولهم من ركام الشهوات والشبهات ، ويأخذون بأيديهم إلى الحق الذى من أجله قامت الأرض والسموات
ومن ثم"فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدى الرسل ، ولا سبيل إلا معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم ، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم ، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به ، فهم الميزان الراجح الذى على أقوالهم وأخلاقهم توزن الأخلاق والأعمال ، وبمتابعتهم يتميز أهل الضلال ، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه والعين إلى نورها والروح إلى حياتها فأى ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير" (49)