ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -"الرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شئ والرسالة روح العالم ونوره وحياته فأى صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور ؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ، ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الأموات ، قال الله تعالى: )أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها (( 50) فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشى به في الناس ، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات" (51)
"إن الذى يضع خطة الرحلة للطريق كله هو الذى يدرك الطريق كله والإنسان محجوب عن رؤية هذا الطريق ، بل هو محجوب عن رؤية بعض هذا الطريق بل هو محجوب عن اللحظة التالية ودونه ودونها ستر مسبل لا يباح لبشر أن يطلع وراءه، فأنى للإنسان أن يضع الخطة لقطع الطريق المجهول ؟! إنه إما الخبط والضلال والشرود وإما العودة إلى المنهج المستمد من خالق الوجود منهج الرسالات ومنهج الرسل ومنهج الفطرة الموصولة بالوجود وخالق الوجود ولقد مضت الرسالات واحدة إثر واحدة ، تأخذ بيد البشرية وتمضى بها صعدًا في الطريق على هدى وعلى نور والبشرية تشرد من هنا وتشرد من هناك ، وتحيد عن النهج ، وتغفل عن حداء الرائد ، وتنحرف فترة ريثما يبعث إليها رائد جديد وفى كل مرة تكشف لها الحقيقة في صور مترقية تتناسب وتجاربها المتجددة حتى إذا كانت الرسالة الأخيرة كان عهد الرشد العقلى قد أشرق فجاءت الرسالة الأخيرة تخاطب العقل البشرى بكليات الحقيقة ، لتتابع البشرية خطواتها في ظل تلك الخطوة النهائية وكانت خطوط الحقيقة الكبرى من الوضوح بحيث لا تحتاج بعد إلى رسالة جديدة فإما أن تسير البشرية داخل هذا النطاق الشامل الذى يسعها دائمًا ويسع لنشاطها المتجدد المترقى ، ويصلها بالحقيقة المطلقة التى لا تصل إليها عن أى طريق آخر وإما أن تشرد وتضل وتذهب بددًا في التيه ! بعيدًا عن معالم الطريق !" (52)
"فالرسل هم موكب واحد يتراءى على طريق التاريخ البشرى الموصول ، ورسالة واحدة بهدى واحد للإنذار والتبشير ، موكب واحد يضم هذه الصفوة المختارة من البشر: نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وداود وموسى وغيرهم ممن قصهم الله على نبيه e في القرآن وممن لم يقصصهم عليه موكب من شتى الأقوام والأجناس وشتى البقاع والأراضى ، في شتى الآونة والأزمان ، لا يفرقهم نسب ولا جنس ولا أرض ولا وطن ولا زمن ولا بيئة: )إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلًا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلًا لم نقصصهم عليكم وكلم الله موسى تكليما رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا (( 53) كلهم آت من ذلك المصدر الكريم ، وكلهم يحمل ذلك النور الهادى ، وكلهم يؤدى الإنذار والتبشير ، وكلهم يحاول أن يأخذ بزمام القافلة البشرية إلى ذلك النور سواء منهم من جاء لعشيرة ومن جاء لقوم ومن جاء لمدينة ومن جاء لقطر ثم من جاء للناس أجمعين محمد رسول الله e خاتم النبيين" (54)
ومن ثم فإن من كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعًا
نعم فما كذب قوم نوح إلا نوحًا عليه السلام وبالرغم من ذلك قال الله عز وجل: )كذبت قوم نوح المرسلين (( 55)
وما كذب قوم لوط إلا لوطًا عليه السلام وبالرغم من ذلك قال الله عز وجل: )كذبت قوم لوط المرسلين (( 56)
وما كذب قوم عاد إلا هود عليه السلام وبالرغم من ذلك قال الله عز وجل: )كذبت عاد المرسلين (( 57)
وما كذب قوم ثمود إلا صالحًا عليه السلام وبالرغم من ذلك قال الله عز وجل: )كذبت ثمود المرسلين (( 58)
وبين الله جل وعلا هذا الحكم الحاسم صراحة في آية واضحة فقال سبحانه: )إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا أولئك هم الكافرون حقًا واعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا (( 59)
ومما يؤكد هذه الحقيقة بجلاء ووضوح أن دينهم جميعًا واحد هم"الإسلام"
نعم فليس هناك دين عند الله تعالى يسمى اليهودية أو النصرانية أو الموسوية أو الإبراهيمية ! ولكنه دين واحد لم يتغير ولم يتبدل"إنه الإسلام"كما قال الله عز وجل: )إن الدين عند الله الإسلام(
ولم يرسل نبى ولا رسول - صلى الله وسلامه عليهم أجمعين - إلا بالإسلام من لدن نوح عليه السلام إلى محمد صلى الله عليهما وسلم
فلقد جاء نوح - عليه السلام - بالإسلام
كما قال الله عز وجل: )واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلىَّ ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (( 60)
وجاء إبراهيم - عليه السلام - بالإسلام
قال تعالى: )وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آيتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ، ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (( 61)
وجاء يعقوب - عليه السلام - بالإسلام
قال تعالى: )أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم واسماعيل وإسحاق إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون (( 62)
وجاء يوسف - عليه السلام - بالإسلام
قال الله عز وجل: )رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولى في الدنيا والآخرة توفنى مسلمًا وألحقنى بالصالحين (( 63)
وجاء موسى - عليه السلام - بالإسلام
قال تعالى: )وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (( 64)
وما دخل السحرة - بعد أن شرح الله صدورهم للحق - إلا في الإسلام قال الله عز وجل: )وألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكن وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين قالوا إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين (( 65)
وجاء سليمان - عليه السلام - بالإسلام
قال الله تعالى: )قالت يا أيها الملؤ إنى ألقى إلى كتاب كريم إنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا على وأتونى مسلمين (( 66)
ودخلت - بلقيس - بعد أن أمنت في الإسلام
قال الله تعالى: )قالت رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (( 67)
وجاء عيسى - عليه السلام - بالإسلام