ثم قال: [إن التربية المسيحية أو تربية الراهبات لبنات المسلمين توجِد للإسلام داخل حصنه المنيع عدوة لداء لا يمكن للرجل قهرها؛ لأن المسلمة التي تربيها يد مسيحية تعرف كيف تتغلب على الرجل، ومتى تغلبت هكذا سهل عليها أن تؤثر على إحساس زوجها وعقيدته وتبعده عن الإسلام، وتُربي أولادها على غير دين أبيهم، وفي هذه الحالة نكون قد وصلنا إلى غايتنا من أن تكون المرأة المسلمة نفسها هي هادمة الإسلام...] .
وهكذا فإن الغرب، ومن ورائه الصهيونية العالمية قد نزع في محاولته للقضاء على الإسلام إلى سلوك طريقين في آن واحد؛ طريق نحو العقيدة الإسلامية، وطريق نحو الأسرة المسلمة.. وقد وصل في كلا الطريقين إلى كثير من مبتغاه، ففيما يتصل بالعقيدة الإسلامية قد استطاع أن يغرس الإلحاد في رؤوس المحسوبين على الإسلام زورًا وبهتانًا، كما استطاع أن يُوجِد الفرق المتعددة لمناهضة الحقيقة الإسلامية، فأبرز ألوانًا من التيارات الخطيرة الهدَّامة، كالقاديانية، والبهائية، والماسونية، والعلمانية، والشيوعية وغيرها.
كما تسلل إلى الأدب، ونشر مذهب 'الفن للفن' والأخذ بالمذاهب الفكرية الغربية لإشاعة الإباحية والإلحاد مثل: الواقعية الاشتراكية، والوجودية، والفرويدية، وغيرها، والحداثة بكل ما حوته من إلحاد وإباحية وتمرد على الدين والتراث لنبذ كل ما هو تراثي لنزع الإنسان المسلم من جذوره لتتحقق تبعيته للآخر إلى جانب حملات التنصير، وهذا ـ في رأيي ـ مرحلة ثانية من مراحل إعدادنا لتقبل العولمة، وذوباننا في الآخر.
ولقد نجح الاستعمار إلى حد كبير في سلخ معظمنا من دينه وتاريخه ولغته وحضارته، وأصبحنا ندين للغرب بالتبعية رغم تحررنا من سيطرته العسكرية، لقد كان استقلالنا من الاستعمار استقلالًا اسميًا، وهذه التبعية ستوقعنا تحت سيطرة المستعمر الأمريكي, والسيطرة الصهيونية اليهودية ما لم نفق من غفوتنا، ونتنبه إلى خطورة ما آل إليه حالنا، وما يخطط ضدنا.
عوامل نهضتنا:
كما أرجعت الدكتورة سهيلة زين العابدين في مشاركتها التعاسة التي يعيشها المسلمون إلى [قصور التربية الأسرية والتعليمية والاجتماعية] ولا زلتُ أُحمِّل المرأة جزءًا كبيرًا مما وصلنا إليه؛ إذ انشغلت بطموحاتها الشخصية وجريها وراء ما سمي بمساواتها بالرجل، مما أدى إلى إهمالها في تربية أولادها أوصلنا إلى ما نحن عليه من تبعية واستسلام وخنوع، فقد ذكرت الصحفية الأمريكية جوستي شاينر رئيسة تحرير صحيفة الواشنطن تايمز في بحثها الذي قدمته لمؤتمر المرأة بين الأسرة وسوق العمل ـ المنعقد في الدوحة بقطر ـ في الفترة من 26 ـ 29 إبريل عام 1997م ـ إنَّ هناك 80% من النساء الأمريكيات العاملات يرغبن في العودة إلى بيوتهن للتفرغ لتربية أطفالهن؛ إذ ثبت انخفاض المستوى الأخلاقي لأطفالهن لفشل دور الحضانة في القيام بعملية التربية، ويعتقد 64% أن بقاء الأطفال مع أمهاتهم في بيوتهم أفضل من دور الحضانة.
فإن كان القلق يسود المجتمعات الغربية من آثار خروج المرأة إلى سوق العمل على تربية النشء وأخلاقه وسلوكياته، فكيف بمجتمعاتنا الإسلامية المتمسكة بدينها، والمؤمنة بخالقها جل شأنه، وقد ظهر بين شبابها بعض الانحرافات العقدية والسلوكية، ومع هذا نراها تدفع المرأة إلى سوق العمل، دونما أن تراعي أنها أم وزوجة.
فلتنهض أمتنا، ولتجتاز هذه المحنة، ولتكون ثقافتنا ثقافة إسلامية واعية صامدة أمام تحديات العولمة، فارضة ذاتها على الآخر لتكون النموذج الذي نقدمه للعالم في هذا العصر، وبدلًا من أن يفرض علينا الآخر ثقافته، وقد مرَّت علينا قرون، ونحن نتلقى من الآخر، فلقد آن الأوان أن نقدم ثقافتنا الإسلامية بكل رقيها وسموها وثراها وغناها وتجددها الدائم؛ لأنها من نبع لا ينضب، علينا أن نتبع الآتي:
الاهتمام بالتربية:
وعن عوامل النهضة دعت الدكتورة سهيلة للاهتمام بالتربية الأسرية ولاسيما التربية الروحية، فضعف الجانب الروحي في شبابنا ـ ذكورًا وإناثًا ـ هو العامل الرئيس في هذا الانحراف العقائدي، وتنمية هذا الجانب، وغرسه في روح الأبناء غرسًا سليمًا هو القاعدة الأساسية في الإصلاح، لما للتربية الإسلامية من أهمية بالغة في غرس حب الله والإيمان به في النفوس, ومراقبته والخوف منه، فللتربية الروحية أهمية بالغة في تحديد عقيدة النشء يجب الاهتمام بها، والتركيز عليها منذ الطفولة المبكرة ليستطيع الأبناء مواجهة تحديات العصر، وتيارات التشكيك الموجهة ضد ديننا وعقيدتنا بعقيدة ثابتة لا تتأثر بتلك المحاولات، تصبح له إرادة قوية يستطيع أن يصمد بها أمام المغريات، ويعالج نفسه من الانحرافات، بالاعتراف بالذنب، والتوبة النصوح والاستغفار، ويقاوم مصائب الدهر بالدعاء، وليس إلى ما يغيب عقله كالمخدرات والمسكرات، كما يكتب معظم كتاب القصص والروايات.
كما دعت الدكتورة سهيلة إلى ضرورة إعادة النظر في مناهج التعليم وطرائق تدريسها.
إذ لابد أن تكون مناهجنا قادرة على مواجهة تحديات العولمة، وبناء الإنسان المسلم بناءً إسلاميًا قويًا، ويكون ذلك بإيجاد العقلية الإسلامية المتفتحة التي ترتكز على أساس ثابت نستطيع أن ننطلق منه إلى آفاق الإبداع والابتكار دون أن نذوب فيها ونضيع في غياباتها، هذه العقلية الإسلامية الفذة التي كانت موجودة لدى علمائنا الأوائل الذين نبغوا في مختلف العلوم ونحن لو قرأنا سير هؤلاء العلماء نجد أنهم جمعوا في علومهم بين علوم الدين والدنيا، ومزجوا بينها، ولم يفصلوا بينها، بل كانت علومهم الدينية طريقًا ومفتاحًا للعلوم الأخرى، وكانت هي أول ما تلقوه، وأول علم تلقوه كان القرآن الكريم حفظوه وفهموه وتعمَّقوا في معانيه، كما حفظوا الأحاديث النبوية الشريفة، وعكفوا على دراستها، وتفقهوا في أمور دينهم، ثم انطلقوا ليغوصوا في بحور العلوم الأخرى، معهم هذه الذخيرة النفيسة من العلم التي ترشدهم وتلهمهم لطرق كل العلوم والنبوغ فيها، فأسهموا في إنشاء حضارة فريدة تميزت على كل الحضارات، وأصبح المسلمون سادة العالم، وأكبر قوة فيه؛ لذا كانت حملات أعداء الإسلام موجهة ضد الدين الإسلامي, ومحاربة القرآن الكريم بإبعاد أبناء الإسلام عنه حتى هجروه، فأصبحوا أمة مستضعفة مغلوبة على أمرها.
الفصل بين التربية والتعليم:
ودعت الدكتورة سهيلة إلى عدم فصل التربية عن التعليم، مؤكدة أن التربية منفصلة تمامًا عن العملية التعليمية، ولابد من مراعاة الالتزام بتطبيق أسس التربية الإسلامية في مناهج التعليم وطريقة تدريسها، واتباع المنهج العلمي الذي حثنا عليه القرآن الكريم في أكثر من موضع، من ذلك قوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] ، وقد طبَّق علماؤنا الأوائل هذا المنهج في بحوثهم وعلومهم، في مقدمتهم الحسن ابن الهيثم الذي أقر 'هيل جوزيف' في كتابه 'تاريخ الحضارة' باتباعه المنهج العلمي، وهذا دليل على أن المسلمين أسبق في اتباع المنهج العلمي من الغربيين الذين يزعمون أن فرنسيس بيكون أول من اتبع المنهج العلمي، فهم أخذوه منا ونسبوه لأنفسهم.
ولابد أن تلاحق المناهج الدراسية أحداث هذا العصر وإنجازاته حتى يستطيع الناشئ معايشة عصره والتعامل معه بثقة وثبات.