إن التدريب على العمل المؤسسي ضرورة من ضرورات العمل الإسلامي في هذا العصر، وهو طريق النجاح والإحكام لهذا العمل، ومن المؤسف أنه إلى الآن لا توجد مؤسسات تدرب على العمل الإسلامي, ولا يزال يعتلي سدة التوجيه في الأعمال الإسلامية العامة من لم يدرب التدريب الكافي أو لم يدرب على الإطلاق، وهذا عجيب إذ إن هذا الأمر غير مقبول في الأعمال الإدارية والتجارية والسياسية والاجتماعية وغيرها، فلماذا يقبل في العمل الإسلامي؟ ولماذا نجد الخطباء غير المؤهلين ولا المدربين؟ ولماذا نجد من يتولى الأعمال الإسلامية العامة مثل العمل الخيري والإغاثي والتربوي وهو لم ينل قسطًا وافيًا من التدريب؟
معيشة ضنكًا:
وأرجع الدكتور محمد موسى الخلل في جسم الأمة إلى عدم تطبيق المجتمع لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حيث نعيش بعيدًا عن ديننا وإسلامنا وحضارتنا، وسبب لنا هذا ضعفًا وهوانًا، مصداقًا لقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124] وهذا بالضبط هو الضنك الذي نعيشه الآن، بالرغم من أننا نملك مقومات أمة: فعندنا شعب ذو عدد كبير، ويجمعنا دين واحد، وثقافة واحدة، واللغة العربية مفهومة عند جمهور عريق من المسلمين، وبلادنا متجاورة... لكننا بحاجة إلى الاستفادة من هذه المقومات وتحويلها إلى طاقة فاعلة تحت توجيه القرآن والسنة.
من معوقات النهضة:
يرى الدكتور محمد موسى الشريف أن من أهم معوقات النهضة عدم الاستفادة مما تحت أيدينا من توجيهات وإرشادات مبثوثة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
بالإضافة للفوضى الشاملة في الجوانب الإدارية والاجتماعية.
والنهب الداخلي للثروات ومقدرات الأمة.
وافتقارنا للإدارة السياسية القوية الجامعة للأمة والقادرة على النهوض.
كل ذلك أغرى الأعداء فتكالبوا علينا وحاكوا المؤامرات الضخمة للوقوف عقبة أمام نهضتنا.
دور الشباب:
ويؤكد الدكتور الشريف على دور الشباب وأهمية مشاركته بالنهضة فيقول: لابد للشباب أن يعودوا للإسلام ويفهموا ثقافته الصحيحة، وبدون ذلك لا مجال للاعتزاز بالقيم والتعاليم الإسلامية، ولهذا السبب رفض شيراك افتتاح مطعم ماكدونالدز في برج إيفل بباريس لأنه يؤثر على الثقافة الفرنسية الفرنكفونية، والأهم من اللباس والأثاث والطعام بناء العقول بناءً صحيحًا وغرس المفاهيم الإسلامية في نفوس الجيل الصاعد وغرس القدوات العظام في أذهان الشباب والشابات حتى ينشأوا على حبهم والاقتداء والتأسي بهم لأن الشاب خاصة يقتدي بأناس من الممثلين والممثلات واللاعبين واللاهين مما يدمر شخصياتهم تمامًا ويجعلهم إمعات لا قيمة لهم ولا هدف ولا غاية.
وينبغي أيضًا أن يُفهَّم الشباب أن الأمة بحاجة لهم ولجهودهم وأنها تنتظرهم لإنقاذها؛ ذلك أن الشباب يحب التحدي، وإثارة كوامن التحدي في قلوب وصدور الشباب من أهم المثيرات لهم حتى يتحركوا لنجدة الأمة ورفعتها.
أ/ محمد أحمد الحساني:
مما يؤخذ على الخطط والبرامج الإسلامية كونها لا تقوم في معظمها على استراتيجية شاملة تأخذ في الحسبان جميع العوامل التي تؤدي إلى نهضة الأمة وتمكينها من اللحاق بالأمم الأخرى، فهي برامج عاطفية تنتج عن انفعال مؤقت، وهذا بالتالي يؤدي إما إلى عدم بلوغ تلك البرامج لأهدافها المأمولة، أو عجزها عن ضمان حياة كريمة لمن طبقت لهم تلك البرامج، وعلى سبيل المثال فإن هناك مشاريع تكلف عشرات الملايين من الدولارات لبناء مساجد ومراكز إسلامية في مناطق مختلفة من العالم، وأخرى لإنشاء معاهد دينية ومدارس لتحفيظ القرآن الكريم، وكل ذلك حسن إن لم يكن مبالغ في الإنفاق عليه، ولكن خريجي تلك المؤسسات الإسلامية قد يتضورون جوعًا وهم يحملون شهاداتهم فلا يجدون عملًا يقتاتون منه لأن تعليمهم نظري ولا يستفيد منه مجتمعهم العام ولا تكون لهم فرصة إلا العودة كمعلمين في الجهات التي خرجتهم وهي جهات محدودة الطاقة والإمكانية، فلو كان هناك عمل استراتيجي كأن يقام بجوار كل مسجد ومركز إسلامي معهد مهني وآخر صحي وثالث لتدريس علوم الاتصالات ورابع للمحاسبة والتسويق والعمل القيادي المنظم وخامس للمهن البسيطة الأخرى، فإذا تخرج الشاب من المعاهد الدينية أو المراكز الإسلامية أو مدارس تحفيظ القرآن الكريم فإنه يكون في الوقت نفسه مهيأ لسوق العمل في مجتمعه مشاركًا في بنائه رافعًا رأسه محققًا صورة المسلم المعطاء المنتج الذي لا يعيش عالة على المجتمع، ولذلك فلابد من توجيه الجزء الأكبر من الأعمال الخيرية والتبرعات لتأهيل الشباب المسلم للعمل والإنتاج إضافة إلى تأهيلهم الديني وهذا يتطلب وعيًا خاصًا لدى من يمولون المشاريع الإسلامية ومن يقومون بتنفيذها.
سهيلة زين العابدين:
نهضة على أسس غربية:
الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد الداعية والمفكرة المعروفة كان لها مشاركة مميزة في ملف [معوقات وعوامل نهضة الأمة] وقد قالت عن معوقات نهضة الأمة:
الأسباب كثيرة، ويأتي في مقدمتها:
قيام نهضة الأمة في القرنين التاسع عشر والعشرين على أسس غربية غريبة عن الأمة، فحركة ما يسمى بـ'حركة التنوير' قامت على انبهار القائمين بها بالغرب، وتقليد الغربيين، وكان يسعى روَّاد هذه الحركة الأخذ بمناهج وطرائق الغرب في كل نواحي الحياة، وإبعاد الدين عنها، وقصره على أداء العبادات، ودعا بعضهم إلى فصل الدين عن الدولة، ولعل معظمنا قرأ ما كتبه الدكتور طه حسين في كتابه 'مستقبل الثقافة في مصر' الذي دعا فيه إلى الأخذ بالحضارة الأوروبية خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحمد منها وما يعاب، وأن نسير سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقهم. أيضًا الشيخ رفاعة الطهطاوي بعد عودته من باريس التي أقام بها خمس سنوات [1826 ـ 1831] ، كتب في كتاب [تلخيص الإبريز في تلخيص باريز] و'إنَّ السفور والاختلاط بين الجنسين ليس داعيًا إلى الفساد'، كما نجده يقول في جرأة: 'وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل منشأ ذلك التربية الجيدة والخسيسة'.
فنهضتنا الحديثة قامت ـ للأسف الشديد ـ على أسس غربية، ولم تقم على أسس إسلامية، بما فيها نهضة المرأة.
الغزو الفكري والثقافي:
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فلقد حرص الغرب على نشر المدارس الأجنبية في بلادنا؛ لإفقادنا هويتنا ومنذ أكثر من ثمانين عامًا، أي في أواخر القرن التاسع عشر ـ نشر الكاتب الفرنسي الشهير مسيو 'ايتين لامي' مقالًا خطيرًا في مجلة 'العالمين الفرنسية' دعا فيه إلى ما سمَّاه الخطة المثلى لهدم الإسلام فقال ما ترجمته:
[إنَّ مقاومة الإسلام بالقوة لا تزيده إلا انتشارًا، فالواسطة الفعَّالة لهدمه وتقويض بنيانه هي تربية بنيه في المدارس المسيحية، وإلقاء بذور الشك في نفوسهم منذ عهد النشأة، فتفسد عقائدهم الإسلامية من حيث لا يشعرون، وإن لم يتنصر منهم أحد فإنهم يصيرون لا مسلمين ولا مسيحيين، وأمثال هؤلاء يكونون بلا ارتياب أضرَّ على الإسلام مما إذا اعتنقوا المسيحية وتظاهروا بها] .
ثم قال: [إن طريقة تربية أبناء المسلمين وإن كان لها من التأثير ما بينَّاه، فإن تربية البنات في مدارس الراهبات أدعى لحصولنا على حقيقة القصد ووصولنا إلى نفس الغاية التي وراءها نسعى، بل أقول: إن تربية البنات بهذه الكيفية هي الطريقة الوحيدة للقضاء على الإسلام بيد أهله] .