فهرس الكتاب

الصفحة 2179 من 3028

وهذا الطريق الأخير يكشف عن قوة هائلة لا يغني غَناءَها شيءٌ، إذا أمكن استخدامها كأداة لتحقيق الأهداف الاستعمارية في إقامة علاقة ثابتة من الود والتفاهم، ذلك هو ما ينبه له جوستاف فون جرونباوم أستاذ اللغة العربية في جامعة شيكاغو، حيث يقول: (إن الدين الجديد - ويقصد به التأويلات الإسلامية العصرية ـ سيدخل أو يسمح بإدخال أسئلة جديدة تتطلب أجوبة مناسبة، وسيقترح أجوبة جديدة لأسئلة قديمة، أو يخلع صفة الشرعية على أجوبة كانت في النظام المعدول عنه تعتبر أسئلة هدامة أو غير مقبولة) ص 192» (2) .

والوسيلتان اللتان استخدمهما كرومر والحلان اللذان اقترحهما المؤتمر أحدثوا بالفعل ـ وما زالوا ـ أثرًا لا يستهان به في عقول المسلمين وسلوكياتهم. وهنا نستطيع وضع المخطط الذي ذُكر أول المقال في مكانه الطبيعي: حلقة غير منفصلة في جهود دؤوبة ومتواصلة أخبر عنها ربنا ـ عز وجل ـ: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109] ، {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217] .

الوزير باول ـ في معرض ذكره لمسوغات مبادرته للمنطقة ـ أعلن أنه «قد جسد ـ الرئيس بوش ـ تطلعات الشعوب في كل مكان، عندما قال في خطابه في وست بوينت: إنه عندما يتعلق الأمر بالحقوق والحاجات المشتركة للرجال والنساء، ليس هناك تصادم حضارات؛ فمتطلبات الحرية تنطبق كليًا على أفريقيا وأميركا اللاتينية وكامل العالم الإسلامي» ، وهذا ما بلورته صراحة إليزابيث تشيني (ابنة نائب الرئيس الأمريكي) ، نائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والمسؤولة الرئيسية في الوزارة عن المبادرة، حيث ذكرت أمام مؤتمر المنتدى الاقتصادي الأمريكي العربي، المنعقد نهاية شهر سبتمبر الماضي أن: الولايات المتحدة لا تريد أن تفرض قيمها على دول المنطقة عبر هذه المبادرة بقدر ما تريد أن تساعد في ترسيخ هذه القيم التي قالت إنها قيم عالمية، وليست أمريكية.. أي إن هذا هو الدين العالمي الجديد الذي ينبغي أن نذوب فيه؛ لأن على جميع الشعوب أن تدخل فيه أفواجًا، وهو الزعم الذي يذكرنا بطرح وثيقة المثقفين الأمريكيين التي سوغوا بها حرب أمريكا ضد ما أسمته الإرهاب (3) .

ولكن التجارب أثبتت أن شعوب هذه المنطقة ليست من النوع سريع الذوبان؛ فما العمل؟

? عندما تتكلم المصالح:

أما الدوافع المباشرة فقد ألمح إليها الوزير باول في خطابه أمام مؤسسة التراث، عندما قال: «... مزارعونا يزرعون القمح، وعمالنا يصنعون طائرات، وأجهزة كمبيوتر، ومنتجات أخرى عديدة نبيعها لدول المنطقة، بينما الأموال تتدفق من مستثمرين في الشرق الأوسط إلى بلدنا.

ومن المفجع أن آلافًا من رجالنا ونسائنا ماتوا في 11/9/2001م، على أيدي إرهابيين ولدوا وأصبحوا راديكاليين هناك.

واعترافًا منا بأهمية المنطقة، كرّسنا دمنا ومالنا لمساعدة (!!) شعوب وحكومات الشرق الأوسط على مدى نصف قرن من الزمن وأكثر».

«والحرب على الإرهاب لا تقتصر على الشرق الأوسط طبعًا، غير أن أصدقاءنا هناك لهم مصلحة مهمة بها بوجه خاص؛ فقد عانى كثيرون من بلاء الإرهاب مباشرة» .

«وقد كانت هذه التحديات ولا تزال في مقدمة سياسة الولايات المتحدة الشرق أوسطية، ولسبب وجيه؛ فكل منها يؤثر تأثيرًا عميقًًا على مصالحنا القومية، وعلى مصالح الشعوب التي تعتبر الشرق الأوسط وطنًا لها» .

وهو الأمر نفسه الذي يؤكده مساعده لشؤون الشرق الأوسط وليام بيرنز في المؤتمر المشار إليه سابقًا: «إنه من مصلحتنا جدًا في الأمد الطويل أن ندعم التغير الديمقراطي، وينبغي علينا أن نبقي أعيننا مفتوحة بالنسبة للمقايضات الحتمية، وأن نسعى إلى المساعدة في صياغة العملية بشكل يخفض على الأقل بعض المخاطر في الأمد القصير إلى أقصى حد ممكن» .

وهو ما أكدته أيضًا إليزابيث تشيني بقولها: «من الواضح أن الأمر يتعلق بمصلحة الأمن القومي الأمريكي والمساعدة في نشر فرص الحرية، وفي الوقت نفسه نحن نعتقد أن هذه المثل هي الفضلى» (حديث مع جريدة الحياة 2/8/ 2003) .

فالأمر بلا تعقيد أن لأمريكا مصالح في هذه المنطقة، وأن شعوبها ـ بوضعها الحالي ـ تعد معامل تفريخ لمن يهددون أمن أمريكا، وعلى وجه التحديد فإن «المدارس الدينية في العالم الإسلامي تجند المتشددين الشبان» بحسب تعبير وزير الحرب الأمريكي رامسفيلد في مذكرة منسوبة إليه (الحياة 25/10/2003) ، كما أن هذا الواقع يعرقل التعايش والتعاون بين هذه الشعوب وأصدقاء أمريكا وحلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم (إسرائيل) .

? فما السبيل إلى التغيير المنشود؟

تعالوا نرتب الأوراق بالمنطق الأمريكاني:

? الإسلام بقيمه ومبادئه يمثل خطرًا على أمريكا، وليس الأمر أمر (قوىً أصولية) يراد التخلص منها.

? وهذه القيم والمبادئ هي التي تفرخ بعض من نشؤوا في المنطقة وتدفعهم للقيام بأعمال خطرة على أمريكا ومصالحها وأصدقائها وحلفائها.

? وهؤلاء يتشربون هذه القيم والمبادئ الخطرة عبر منظومة معقدة من المفاهيم المبثوثة في مناهج التعليم والمواعظ الدينية، ويغذيها أحيانًا إعلام غير مسؤول، إضافة إلى عادات اجتماعية متوارثة ترسخ هذا النمط من القيم والمبادئ والسلوكيات.

? فهناك ثلاثة عوامل رئيسة تساهم في تشكيل العقلية العربية والإسلامية: الإعلام، والتعليم، و (الخطاب الديني) ، والأخير هو أخطرها لما يحمله من احترام و (تقديس) لدى فئات كثيرة، ولكونه يصل إلى جميع الطبقات ويخاطب جميع المستويات.

? و (الخطاب الديني) هو جزء من الهوية والتكوين الروحي والفكري والنفسي والاجتماعي لهذه الشعوب، فمن غير الممكن مصادمته وإسقاطه كلية بشكل فج ومباشر، خاصة إذا جاءت هذه المصادمة ممن هم خارج إطاره.

? ومن الملاحظ أن هذا التكوين تشكل عبر سنين طويلة؛ فمن غير المتوقع إعادة تشكيله عبر الميكروويف من غير احتراق، ولكن أيضًا فإن المصالح الحيوية لأمريكا والإدارة القاطرة التي تقودها لا يحتملان الانتظار أمام النار الهادئة.

ندخل بيانات هذه الأوراق في الكمبيوتر الأمريكاني لحل هذه الإشكالات، فنفاجأ أنه يطالبنا باسم المستخدم وكلمة المرور، وبعد استشارة قراصنة مراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة في شؤون العالم الإسلامي يكشفون لنا أن اسم المستخدم هو: اللورد كرومر، أما كلمة المرور فهي عبارة: (تجديد الخطاب الديني) ، وبعد إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور يخرج لنا الكمبيوتر الشيطاني برامج تنفيذية عديدة لحل المعضلة:

? بوصلة التحرك:

ولكن قبل أن نستعرض بعض جوانب من هذه البرامج يهمنا أولًا استكشاف مؤشرات عامة لها، منها:

? «سنشترك مع قادة المجتمع لسد فجوة الحرية بمشاريع لتقوية المجتمع المدني، وتوسيع المشاركة السياسية، ورفع أصوات النساء، وسنعمل مع المربين لسد فجوة المعرفة بمدارس أفضل ومزيد من الفرص للتعليم العالي» (من خطاب وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أمام مؤسسة التراث) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت