? تهميش الدين في الحياة الاجتماعية للناس؛ وذلك عبر إغراق الشعوب العربية والإسلامية بأنماط مختلفة من الحياة العصرية الغربية وحيازة التكنولوجيا الحديثة (التكنولوجيا ذات الطابع الترفيهي) .
? التقريب بين الديانات الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلام عن طريق تكوين لجنة عليا من المحمديين (أي المسلمين) والمسيحيين واليهود؛ لتبصير كل شعوب العالم بالتقارب بين الأديان الثلاثة - كما تتحدث الخطة ـ وتقترح ضمن ما تقترحه بشأن هذه اللجنة أن تعمم هذه اللجنة توصيات ملزمةً لكل الدعاة في العالم العربي والإسلامي بحيث لا يخرجون عن هذه التوصيات.
? تحويل المسجد إلى مؤسسة اجتماعية تتضمن حدائق للأطفال والسيدات (فقدان المسجد لهيبته وخصوصيته) ، وأن تتولى الإشراف عليه شخصية غير دينية ناجحة.
? خضوع خطبة الجمعة والخطباء تحت رقابة أجهزة الأمن في الدولة، وأن يتم البعد عن تسييس الخطبة، أو تعرضها للجانب الحياتي أو المجتمعي بمعنى (علمنة الخطبة) ، أي منع الحديث عن الأمريكان أو اليهود، أو الحديث عن الجهاد وبني إسرائيل.
وتهدف الخطط الأمريكية إلى أن تصبح خطبة الجمعة حلقةً نقاشيةً للجميع لا ينفرد بها الخطيب وحده؛ حيث ستكون الخطبة بذلك أكثر ديمقراطيةً ـ في نظرهم ـ، كما تهدف أن تشارك المرأة في خطبة الجمعة، حيث رأوا أنه لا توجد نصوص دينية تمنع المرأة من ذلك.
? وأن يكفل للمرأة سبل الاختلاط مع الرجال والمشاركة في التدريب على الانتخابات لتعليم المرأة الديمقراطية.
? إلغاء مادة التربية الدينية الإسلامية، مع تخصيص يوم كامل للقيم الأخلاقية والمبادئ بدلًا منها، والعمل على اكتساب الطلاب مهارات التسامح، والتحرر من اعتقاد المسلمين أنهم خير أمة أخرجت للناس!، وأن يعلم الجميع أن العقائد والأديان هي نتاج التنشئة الاجتماعية والأفكار المسبقة، وأن الانتماء للإنسانية هو الجامع لهم، أما المعتقدات فهم أحرار فيها.
? ماذا وراء الجعجعة:
الحديث عن ضرورة أن يراجع المسلمون قيمهم وتصوراتهم ويعدلونها بما يوافق التغيرات العالمية ليس جديدًا، فقد ظهر بعد انتهاء الحرب الغربية الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، ثم نشط بشدة بعد أحداث سبتمبر 2001م، ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن ما نشرته الصحيفة جاء عقب مبادرة باول المسماه (مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط) وما تلاها من أنشطة وإجراءات على المستويات المحلية مست مناهج التعليم و (الخطاب الديني) .
مبادرة باول أعلنت يوم 12/12/2002م أمام مؤسسة التراث بواشنطن (مؤسسة يمينية أمريكية) ، وتركز ـ كما أوضح باول نفسه ونائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والمسؤولة الرئيسية في الوزارة عن المبادرة ـ على أربعة ميادين مختلفة: الإصلاحات الاقتصادية، الإصلاحات السياسية، الإصلاحات التعليمية، وتمكين المرأة.. وهذه الوصفة ليست إلا جزءًا من استراتيجية شاملة يراد تطبيقها في المنطقة، وكما يقول مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وليام بيرنز في مؤتمر (مركز دراسة الإسلام والديمقراطية) الذي انعقد في واشنطن يوم 16/5/2003م: «إن التحول إلى الديمقراطية يعني تغيرًا تدرجيًا وإن كان حقيقيًا شاملًا، وإن هذا التغير يتضمن أكثر من مجرد إجراء انتخابات، إنه يشمل عملية بناء المؤسسات السليمة وحكم القانون والمجتمعات المدنية النابضة بالحياة والنشاط برمتها، وهي عملية مؤلمة صعبة متدرجة متطورة، وأحيانًا محفوفة بالمخاطر"، ثم يتابع: «.. ولا يمكننا أن ننظر إلى هذا وكأنه قائمة طعام في مطعم يمكننا اختيار بعض الأطباق فقط منها، فنسعى إلى تحقيق هدف ما ونهمل الأهداف الأخرى، فكما أوضح الرئيس بوش في خطابه المهم في جامعة ساوث كارولينا في التاسع من مايو: إن الولايات المتحدة مصممة على أن تقود بنشاط جهود السعي إلى تحقيق جميع هذه الأهداف، بمشاركة قيادات وزعامات المنطقة» ."
? شنشنة قديمة نعرفها:
والآن لننظر نظرة متأنية إلى دوافع وأهداف هذه الحملة الجديدة على ثقافتنا وقيمنا، لنجد أن هناك دوافع مباشرة تجلت في الرغبة في: الحفاظ على الأمن الأمريكي القومي الذي تهدد بقوة بأحداث سبتمبر وتداعياتها، وتحقيق المطامع الأمريكية في منطقتنا، وهذا ما سنوضحه أكثر فيما بعد.
وهناك أيضًا أهداف قديمة (استراتيجية وثابتة) لا يفتأ الغرب (النصراني) عن محاولة تحقيقها والوصول إلى أكبر قدر ممكن من المكاسب فيها على أرض المسلمين؛ ومن أبرز المحطات وأكثرها أثرًا في هذه المحاولات ما قام به الاحتلال الإنجليزي في مصر والهند من جهود لمسخ الإسلام في عقول المسلمين ونفوسهم، وتذويبهم في (حضارة عالمية) ؛ فقد لاحظ المعتمد الإنجليزي في مصر كرومر «وجود هذا الخلاف بين المسلمين وبين المستعمر الغربي في العقائد وفي القيم، وفي التقاليد والعادات، وفي اللغة، وفي الفن، وفي الموسيقى» .
لاحظ كرومر في هذا الفصل أن هذه الخلافات هي السبب في انعدام ثقة المسلم بالمستعمر الأوروبي وسوء ظنه به، وهي السبب في وجود هُوَّة واسعة تفصل بينهما، وتجعل مهمة المستعمر محفوفة بالمتاعب، ودعا من أجل ذلك إلى العمل بمختلف الوسائل على بناء قنطرة فوق هذه الهوة.
وقد اتخذت هذه الوسائل: طريقين: أحدهما هو تربية جيل من المصريين العصريين، الذين ينشَّؤون تنشئة خاصة تقربهم من الأوروبيين ـ ومن الإنجليز على وجه الخصوص ـ في طرائق السلوك والتفكير؛ ومن أجل ذلك أنشأ كرومر (كلية فكتوريا) ، التي قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي، ليكونوا من بَعْدُ هُم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شؤون المسلمين، وليكونوا في الوقت نفسه مع مضي الوقت أدواته في التقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوروبي، وفي نشر غثاء الحضارة الغربية.
أما الوسيلة الأخرى التي اتخذها الاستعمار لإيجاد هذا التفاهم المفقود، وعمل على تنفيذها، فهي أبطأ ثمارًا من الوسيلة الأولى، ولكنها أبقى آثارًا… وهي تتلخص في تطوير الإسلام نفسه وإعادة تفسيره، بحيث يبدو متفقًا مع الحضارة الغربية، أو قريبًا منها وغير متعارض معها على الأقل، بدل أن يبدو عدوًا لها معارضًا لقيمها وأساليبها …» (1) .
وهذا ما أكد عليه مؤتمر (الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة) المنعقد في برنستون عام 1953م حيث جاء في كتاب أبحاثه: أن «.. هذه المشاكلة لا تقوم إلا بتقارب القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهذه القيم لا تتقارب ما دامت الشعوب الإسلامية تعيش على قيم ثابتة تخالف قيم الغرب، وهي قيم الإسلام. فلا بد إذن من أحد حلين:
-إما أن يمحى هذا الإسلام بتشكيك الناس فيه، وفي قيمه، وفي الأسس التي يستند إليها، ويحاصر بحيث لا يتجاوز نفوذه المسجد، وبحيث يفقد سيطرته على مسلك الأفراد وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وذلك عن طريق إقناع الناس بأن الدين شيء ومشاكل الحياة شيء آخر.
-وإما أن يخضع هذا الإسلام للتطوير بحيث يصبح أداة لتسويغ القيم الغربية، ولتقريب ما بين الشعوب الإسلامية وبين الغرب.