فهرس الكتاب

الصفحة 2133 من 3028

وليس سوى ذلك إلا الذل والهوان، وتسليم أمرنا للصليبيين: يقتلون من شاؤوا، ويستعبدون من شاؤوا، ويشردون من شاؤوا، ولن يقبل الصليبيون من المسلمين أقلّ من ذلك، وتاريخهم معنا معروف في القديم وفي الحديث؛ فرغم عقيرتهم التي ترتفع صباح مساء مطالبة الدول العربية بالإصلاح، فإنهم لا يقبلون الإصلاح الحقيقي؛ لأن الإصلاح الحقيقي إنما ينحصر في اتباع شرع الله ـ تعالى ـ وعدم الخروج عليه كما قال نبي الله شعيب ـ عليه السلام ـ: {إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: 88] فسوف يمانع الصليبيون في أية خطة حقيقية للإصلاح، وسوف يسعون في تخريبها؛ لأنها تهدد مصالحهم، وتقضي على أطماعهم، وهم يسعون لإقرار خطط الفساد تحت اسم خطط الإصلاح تزويرًا وكذبًا؛ لأن الإصلاح الذي يسعون إليه هو الإصلاح من وجهة نظرهم، وهو الذي يحقق مصالحهم، حتى وإن أضر بمصالح البلاد والعباد. إن النظر إلى المشروعات الصليبية على أنها خطط للإفساد ليس نابعًا فقط من الرؤية الدينية، بل هي إفساد حتى من المنظور القومي أو الوطني؛ فالقومي أو الوطني الحقيقي الذي يحرص على مصالح قومه ووطنه ويسعى في سبيلها حتى ولو لم يكن إسلاميًا، سوف يرى بكل وضوح أن الإصلاح الأمريكي ضد القوم والوطن؛ لأنه في النهاية إذابة للقوم والوطن في مسلاخ الأمركة؛ فالجري أمام الصليبيين وقبول ما يأتون به، والاستسلام لهم ليس طريقًا لأمن شرهم، بل هو طريق الهلاك والدمار؛ وإنْ وعد الشيطان ومنّى بغير ذلك؛ فلا ينبغي أن نفعل معهم كما فعل بعض المسلمين من قبلُ مع التتار؛ حيث كان التتري يخرج على جماعة من المسلمين، وليس معه ما يقتلهم به، فيقول لهم: مكانكم حتى آتي بالسيف فأقتلكم! فما يستطيع أحد أن يغادر مكانه، ويظلون واقفين في مكانهم لا يبرحونه إلى أن يأتي التتري بالسيف فيذبحهم به ذبح الشياه؛ وهذا ما لا يرضاه مسلم لنفسه، ولا لأمته التي شرفها الله ـ تعالى ـ وجعلها خير أمة أخرجت للناس، تلك الأمة الحاملة للرسالة الخاتمة، والتي كانت تحرص على الموت في سبيل الله، كما يحرص أعداؤنا على الحياة، بل علينا أن نقف وقفة الأسد عندما يُهاجَم عرينه، ولسان حالنا قول الشاعر:

ولست بمبتاع الحياة بسبة ولا مرتق من خشية الموت سلما

تأخرت استبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما

فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما

فلا مناص لنا أن نوقن بحتمية المواجهة وبقرب ساعة النزال، فنستعد لذلك ونتجهز ونأخذ الأهبة ونعد العدة المستطاعة، امتثالًا لقوله ـ تعالى ـ: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] وإني والله لموقن من نصر الله للمسلمين ومن هزيمة الكافرين، رغم ما عندهم من القوة وفراغ أيدينا من كثير من أدواتها ووسائلها؛ فإن القوم علاوة على كفرهم قد طغوا وبغوا وأكثروا في الأرض الفساد، وأتوا بكل أسباب الخذلان لهم من الله، فاستحقوا بذلك أن يكتب الله عليهم الهزيمة والخزي.

ولم يبق لتحقيق ذلك في عالم الواقع إلا أن يحقق المسلمون شروط النصر، حتى يحقق الله لهم ما وعدهم به؛ فإن الله لا يخلف وعده، وإن سنته لا تتبدل.

-شروط النصر:

ومن شروط النصر: أن ننصر الله. قال الله ـ تعالى ـ: {إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] ونصر الله هو نصر دينه وكتابه وسنة نبيه، فأعظم مخزون استراتيجي عند الأمة هو دينها الذي أعزها الله به، وهو أعظم سلاح تمسكت به، وبتحقيقها له وتمسكها بأحكامه حققت النصر في المعارك الصعبة، وإننا لو فتشنا حياة العرب كلها على مدى تاريخهم القديم والحديث، لم نكد نجد لهم من نقطة مضيئة إلا يوم أن آمنوا بالله ورسوله، وعضّوا على ذلك بالنواجذ، ولولا الإسلام لما راح العرب ولا جاؤوا، ولذلك لا يمكننا الحديث عن النصر الكامل، أو النصر المستقر ـ لا مجرد نصر زائف أو نصر خاطف مؤقت ـ إلا مع الالتزام بالإسلام، والتمسك به، والرجوع إليه.

ونحن بحاجة إلى جهود مخلصة مع عزمات الرجال الأشداء لنحقق نصر الله، حتى ينصرنا الله ـ تعالى ـ كما وعد من ينصره بنصرٍ من عنده، ولا مجال هنا للتفاصيل، ويكفي كل دولة من دول المسلمين أن تستعين بمجموعة من العلماء البارزين المخلصين ـ وهم كُثر بحمد الله ـ تعالى ـ وهم قادرون بإذن الله ـ تعالى ـ على وضع الخطط الجيدة، والسريعة، والقابلة للتنفيذ في عالم الواقع، للعودة بالأمة إلى دينها في جميع المجالات: السياسية، والاقتصادية، والقضائية، والتربوية، والجهادية، والإعلامية. وينبغي على الدولة المسلمة أن تعتمد هذا الاتجاه؛ فتذلل أمام العلماء الصعوبات التي تعترضهم، وتمدهم بما يحتاجون إليه من رجال أو مال أو دعم؛ أي يكون هذا المشروع مشروع دولة لا مشروع فئة من الناس صغرت أو كبرت؛ فإن الخطر الداهم هو خطر بحجم الأمة كلها. وينبغي أن يكون التحدي المقابل بالحجم نفسه.

ومن شروط النصر: الاتحاد؛ فالاختلاف والتنازع سبب للهزيمة والجبن والضعف، وإفساد الخطط وضياع الأهداف. والوقت الآن ليس وقت حروب داخلية، أو نزاعات بين أقلية وأكثرية، أو بين حكومة ومعارضة، أو بين عدة اتجاهات سياسية، والوقت يمر بأسرع مما نتصور، والإعداد الجيد يتطلب وقتًا مكافئًا، وخاصة في مثل الأوضاع التي نعيشها في ظل البعد عن الفهم والالتزام الحقيقي بالدين؛ فالحرب القادمة تستهدف الجميع، ولا تعتد بهذه التفاريق والاختلافات التي بين المسلمين، أو بين الحكام والمحكومين؛ فالجميع أعداء بالنسبة للصليبيين، وما يظهرونه من اعتداد ببعض الفرق، أو الجماعات، أو الحكومات فإنما على اعتبار أنها مرحلة تكتيكية تخدم مخططهم الكبير؛ فهي إذا ناصرت بعضًا وأظهرت لهم المعاونة والتأييد فإنما ذلك لتحقيق أهداف خاصة بهم، كأن تناصر فريقًا وتمده بالعون ليقضي على الفريق الآخر، وفي ذلك إضعاف للجميع، أو تناصر المجاهدين للقضاء على عدو مشترك كما حدث في الحرب الأفغانية الأولى؛ فقد ناصرهم الصليبيون (وإن كان ذلك حدث بطريق غير مباشر عبر الأبواب الخلفية) من أجل القضاء على الشيوعيين؛ فلما تم لهم ذلك قلبوا للمجاهدين ظهر المجن، والدروس في التاريخ كثيرة، والواقع ماثل مشاهد للعيان، ومن لا يعتبر فإنه يجني ثمار ذلك علقمًا وحنظلًا، يجنيه على نفسه وعلى قبيله، فلا مسوغ للاختلاف بين المخلصين الذين يرجون رحمة الله، ويحرصون على مصالح دار الإسلام؛ فالعدو يستهدف الجميع، ونصر دين الله هو عمل الجميع، وقد قال ـ تعالى ـ محذرًا من التنازع والاختلاف: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] ويعظم التنازع، ويكثر الاختلاف عندما يكون الأعداء على مشارف البلاد، وهذا أمر لا بد أن يدركه الجميع، وليس المطلوب أن يدركه فريق بينما بقية الفرقاء يغطون في نوم عميق: لا يهمهم ولا يعنيهم غير تحقيق مصلحة حزبهم أو جماعتهم، بمنظارهم الضيق، تلك المصلحة الحزبية أو الفئوية التي لا يمكن أن تستوعب مصلحة الأمة كلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت