وهناك سيناريوهات كثيرة عند الأشرار لتحقيق ذلك، وقد بدأت دعوات كثيرة عند الأمريكيين تظهر بين كل فترة وأخرى تدعو إلى احتلال منابع النفط في السعودية، وإلى تقسيم مصر وتمكين النصارى فيها، وقد تناقلت كثير من المواقع الإخبارية مفاهيم وتصريحات أمريكية بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط تدور حول «أن العراق الهدف التكتيكي، والسعودية الهدف الاستراتيجي، ومصر الجائزة الكبرى» . إن الأمر جد لا هزل فيه، وإن من أكبر الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها الركون والانخداع ببعض الكلام الذي قد يردده الأعداء أو العملاء، بأنه لا خوف من الحرب؛ لأن أمريكا لا تشن الحرب على أصدقائها، أو أنها لا تشن الحرب إلا بمسوغات مقبولة، أو أنها لا تخالف الشرعية الدولية التي تمنع الاعتداء على الآخرين، ونحو ذلك الكلام الأجوف الذي لا مصداقية له؛ فإن مما هو معروف إلى درجة تبلغ اليقين أن هذه الدولة، أو تلك التي تملك من القوة ما تتمكن به من تحقيق ما تريد، إذا لم يكن لها دين صحيح يقودها؛ فإنها تتصرف بمقتضى الهوى، ولا يوقفها عن ذلك إلا القوة المضادة التي تجبرها إجبارًا على مراعاة الآخرين. أما ما يدعى من حقوق الإنسان، والسلام العالمي، ونشر الحرية فذلك مجرد كلام لا رصيد له من الواقع، والشرعية الدولية التي يزعمونها ليست إلا وسيلة لإمضاء إرادة الدول القوية على الدول الضعيفة، في شكل يحفظ ماء وجه الحكام الضعاف عند شعوبهم، وهذه جملة لا يحتاج المرء فيها إلى إقامة الدليل؛ إذ يكفي النظر إلى أحوال العالم اليوم ليظهر الدليل على ذلك بلا خفاء.
لقد تبين للعالم أجمع أن كل المسوغات التي زعموها لشن الحرب على العراق كانت كذبًا في كذب، ولست أشك أن أمريكا كانت على يقين كامل، وهي تشن الحرب على العراق، وتستنفر دول العالم في حملتها الظالمة بأن العراق لا يمتلك شيئًا من هذه الأسلحة المدعاة، ولو كانت أمريكا تشك مجرد شك أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل صالحة للعمل، لم تقدم على دخول الحرب بهذه الصورة التي لم يظهر فيها على الجنود أو المعدات أي أثر للاحتياطات التي ينبغي اتخاذها في مثل تلك الحالات، تحسبًا لاستخدام تلك الأسلحة؛ فلما حدث الغزو، وانتهى كل شيء، وبدا لهم أنهم حققوا أو قاربوا ما أرادوا، لم يهمهم أن يعلنوا على العالم أنهم لم يعثروا على أسلحة الدمار الشامل التي كانت مسوغًا للغزو، وأنهم قد لا يعثرون عليها مستقبلًا، حتى اعترف المسؤولون فيهم بعد ذلك بكل برود أن ملف أسلحة الدمار الشامل في العراق قد جرى التلاعب فيه من قِبَل المخابرات عن قصد وعمد، ولنا أن نتساءل: هل جرى التلاعب فعلًا من المخابرات، أم أنه قد طلب ذلك منهم؟ والشيء الغريب أنهم بعد فضيحتهم في ذلك يقولون: لكننا وإن لم نجد الأسلحة، فإن العراق كان في نيته أن ينتج هذه الأسلحة، وهو منطق معوج وهو نفس منطق الذئب مع الحمل المعروف في التراث الشعبي. وبغض النظر عن الحديث بأنه لا حق لهم في منع أحد من امتلاك أسلحة هم أنفسهم يملكونها، بل هم أول من استخدمها فقتلوا بها مئات الآلاف من المدنيين اليابانيين من الرجال والنساء والأطفال غير أضعاف ذلك العدد من المصابين، مع تخريب الأرض والتربة في تلك الأماكن لأكثر من خمسين سنة؛ حيث جرى ضرب مدينتي نجازاكي وهيروشيما اليابانيتين في الحرب العالمية الثانية، وذلك في لحظات من دون أية دواعٍ عسكرية تدعو لذلك؛ حيث إن هاتين المدينتين لم تكونا من المدن العسكرية، وإنما فُعل ذلك فقط من أجل إلقاء الرعب والفزع في قلوب الشعب، والقيادة، وفرض شروط الاستسلام؛ فلأجل تحقيق ذلك جرى ضرب اليابان بكل قسوة، دون التحلي بأي قدر من المسؤولية الأخلاقية في ذلك؛ فمن يستطيع الآن بعد التيقن من كذب هذه المسوغات، واعترافهم أنفسهم بذلك أن يعوض الشعب العراقي عما حدث له نتيجة كذب المخابرات أو خطئها؟ وأين الشرعية الدولية التي يزعمونها؟ وماذا قدمت لشعب العراق المسكين سوى إسباغ الشرعية على الاحتلال؟ لكني لا أنظر إلى ما تم في ذلك على أنه خطأ مخابراتي؛ فإن النظر إليه على هذا النحو هو نوع من البلاهة، بل هو أمر مقصود رُتب له بعناية على مدى سنوات متطاولة.
2 ـ إن من أكبر الأخطاء الفادحة أن نروِّج في وسائل إعلامنا، أو أن نقبل أن يروج أحد بيننا أن أمريكا بلد الحرية والعدل والمحافظة على حقوق الإنسان وكرامته؛ فإن هذا مما يسهل عليها غزونا فكريًا واحتلالنا عسكريًا. ألم يقتل في الحرب الأمريكية على العراق أكثر من مائة ألف نفس؟ فأي شيء يسوّغ لأمريكا قتل هذه النفوس، أو التسبب في قتلها؟ إن العراقيين لم يهاجموا أمريكا ولم يبدؤوها بقتال، بل الأمريكان وحلفاؤهم هم الذين جاؤوا من وراء البحار، ومن على بعد آلاف الكيلو مترات، فنزلوا أرضهم، وقتلوا رجالهم ونساءهم وأطفالهم، وسجنوا شبابهم، وعذبوهم بطرق وأساليب يندى لها الجبين خزيًا وعارًا وشنارًا، وتدل على همجية قلَّ أن يعرف التاريخ لها نظيرًا. وهل كانت أمريكا تعرف معاني الحرية والعدل وحقوق الإنسان وكرامته، وهي تقدم الدعم غير المحدود لعصابات اليهود التي قامت بالاستيلاء على فلسطين بعد أن مكنتهم بريطانيا من ذلك؟ هل عرف التاريخ مثل هذه المأساة؟ قوم يأتون من بلاد بعيدة متفرقة فينزلون أرضًا فيقتلون أهلها ويشردون من بقي منهم، ويستولون على أراضيهم وممتلكاتهم، ثم يجدون من يدافع عنهم ويؤيدهم ويناصرهم، بل يعدون أهل الأرض وأصحابها الذين يدافعون عن أرضهم، وأموالهم من الساعين في الأرض بالفساد، الذين يجب سحقهم والقضاء عليهم؟ لكننا ما لنا نذهب بعيدًا، أليست أمريكا نفسها قامت على المبدأ نفسه؟ ألم يستولِ أجداد الأمريكان على الأرض من أهلها الأصليين الهنود الحمر؟ ألم يقوموا بعملية إبادة منظمة لهم؟ أليس من الكذب والتضليل الذي يقوم به بعض من هم من بني جلدتنا أن يقال: إن أمريكا تعرف معاني الحرية والعدل وحقوق الإنسان، وأنها في تصرفاتها تعمل على تحقيق ما تعرف من تلك المعاني؟
3 ـ خذوا حذركم! لقد أمرنا الله ـ تعالى ـ بذلك، وإن أوْلى ما يستدعى فيه الأخذ بالحذر هي الأوضاع التي نحن فيها؛ ففي ظل تفرد دولة بالقوة الباطشة وأحلامها غير المحدودة في التوسع والتمدد، وبسط سلطانها، ونفوذها، وفرض ثقافتها ودينها على العالم، ومحاربة ما يخالف ذلك من ثقافات وعقائد، ما يجعلنا موقنين أن المعركة بين جند الرحمن وبين عبيد الشيطان قادمة لا مفر منها؛ إذ هما نقيضان لا يلتقيان، ونحن نخوضها في هذا الظرف بصفتها معركة مفروضة علينا، ولسنا نحن الذين فرضناها، ونحن ندخلها حين ندخلها في هذا الوقت كارهين مرغمين، ومثلنا في ذلك مثل القائل:
إذا لم تكن غير الأسنة مركبًا فما حيلة المضطر إلا ركوبها