إن القوم لفرط ثقتهم في قوتهم وآلتهم العسكرية في مقابل الضعف الشديد للطرف المقابل، جعلهم يتحدثون عن خطط الحرب التي يعتزمون شنها قبل ذلك بكثير، ويقومون بعمل التجهيزات والتحضيرات الميدانية في وضح النهار، ولم يعد ذلك سرًا تحرص تلك الدول على إخفائه وعدم إفشائه؛ وذلك أنها ترى أنه لا مفر لهذه الدول من بطشها، وأنه مهما أخذت من استعدادات واحتياطات فلن تكون بقادرة على التصدي لقواتها التي يمكنها أن تطلق نيرانها على أهدافها من مسافات تبعد مئات الكيلو مترات، وهي بعد لم تدخل أرض العدو، أو تقع في مرمى نيرانه، ومهما حاولت أن أصف أو أصور قوة العدو فقد تكون قوتهم أكثر بكثير مما أقول، وليس في هذا الكلام أي قدر من المبالغة أو التهويل (1) ، ولن تكون الدول الإسلامية ـ في نظر الصليبيين ـ بمأمن من بطش الكفار وانتقامهم، إلا بالاستسلام التام والخضوع الكامل لسيطرة التحالف الصليبي، وهذا الإعلان المسبق عن الحرب وخطتها لا يترتب عليه ضرر يلحق بأمن تلك القوة الطاغية، من أي رد فعل قد يقوم به المستهدفون بتلك الحرب، لكن يكون له عندهم في الوقت نفسه نتائج إيجابية كثيرة يحرصون عليها؛ فمن ذلك: إلقاء الرعب والفزع في قلوب الناس جميعًا حكامًا ومحكومين، وقد بدأ يُتَداوَل في وسائل الإعلام الحديث عمّا يسمى بـ (ضربة الصدمة والفزع) ، ومن ذلك: حمل الدول على الاستسلام بمجرد هذا التهديد، والتخويف من غير احتياج إلى خوض معركة حقيقية قد تكلفهم الكثير، وعندنا مثال واقعي من ذلك وهو استسلام نظام عربي، والقيام بتحطيم أسلحته بيده وتسليم أسرارها للعدو الذي كان يظهر العداوة له عدة عقود، وإن كنت أرجح أنه لو وجدت دولة تظهر الاستسلام، فإن هذا لن يمنع من دخولها في مظاهرة مسلحة إمعانًا في الإذلال والقهر ولو بعد حين، ومن ذلك: حمل كثير من ضعاف النفوس على المسارعة فيهم ليضمنوا لأنفسهم الأمان، فيكونوا لهم أعوانًا وجواسيس، حتى إذا ما رفضت قيادة الدولة الاستسلام، أو أظهرت بعض الإباء والامتناع، كانت هذه الصفوف تعمل على سقوط الدولة، وانهيارها وعدم قدرتها على الصمود، وهناك من المحللين من يفسر الانهيار السريع غير المتوقع، وسقوط بغداد في غزو التحالف الصليبي للعراق بذلك.
لقد أعلن أعداؤنا بوضوح شديد لا لبس فيه، وبصفاقة شديدة لا أثر للمجاملة فيها، أنهم عازمون على تغيير ديننا، أو تغيير مفهومنا للدين، وأنهم سوف يسلكون لتحقيق ذلك كل سبيل بما في ذلك الإكراه بالقوة المسلحة، ولم يعد يهمهم اليوم أن يقدموا مسوغات حقيقية لعدوانهم غير رفع شعار محاربة الإرهاب، أو الحرب الاستباقية التي بمقتضاها يضربون من شاؤوا وقتما شاؤوا، وبدؤوا يطالبوننا بتغيير مناهجنا الدراسية، وحذف كل ما لا يتوافق مع تصوراتهم، أو يكون حجر عثرة في سبيل طموحاتهم في السيطرة على العالم التي لم يعودوا يخفونها عن أحد، كما بدؤوا يطالبوننا بإغلاق مدارسنا ومعاهدنا الشرعية بدعوى أن تلك المعاهد والمدارس تخرج إرهابيين، لأنها تدرس الدين الإسلامي الذي يعد دينًا إرهابيًا في نظر الصليبيين، وصارت مؤسساتنا الخيرية غير مرغوب فيها، وليس لها من ذنب عندهم سوى أنها تقف في وجه التنصير في بلاد المسلمين، وتعين الناس على شدة الحياة وقسوتها، وقد بدأت بعض الأنظمة في الاستجابة لذلك، وقامت بإغلاق الآلاف من تلك المعاهد، وإني لأظن لو أن الدول العربية، أو بعضها طالبت أمريكا بتوقيع معاهدة عدم اعتداء بين الجانبين فلن تستجيب لذلك؛ لأن مثل هذه المعاهدة تعيق المخطط التوسعي الذي يسعى إلى تكوين إمبراطورية عالمية، وهم قد بدؤوا جولتهم بأفغانستان، ثم العراق، ثم...، ثم...
فما نحن فاعلون؟ من حقي ومن حق كل مسلم أن يفكر لمصلحة أمته، وفيما يدفع عنها البلاء والشدة، ويسعى في ذلك بجهده ما استطاع، بل هذا مما يجب على كل امرئ حسب مكانته وإمكاناته، وهذه نفثات صدر مكلوم، وهو يرى ما يدبر لأمته، والكثيرون لاهون عابثون؛ فهو كالرائد الذي يحذر قومه مما قد يفجؤهم و «الرائد ـ كما قالوا ـ لا يكذب أهله» ، والمشوار العظيم إنما يبدأ بخطوات يسيرة، وأول ما نبدأ به مشوارنا:
1 ـ أن نوقن يقينًا تامًا، وأن نجزم جزمًا أكيدًا، أن أعداءنا عازمون على غزو بلادنا لاحتلالها، أو لجعلها في حكم المحتلة؛ حيث يولُّون علينا بعد غزونا مَنْ تكون قلوبهم معهم ممن يتكلم بألسنتنا، وإنما ينفذ من ذلك ما تسمح الأحوال بتنفيذه وفق الخطط المعدة، وكل شيء عندهم له وقته المناسب، وإنما يبدؤون بما يكون من البلاد أسهل عليهم وأنسب: إما لعزلته عن العام العربي بمشاكله مع جيرانه وتخويفه لهم، فيفرط العرب فيه كما حصل مع العراق، وإما لضعفه خاصة من الناحية العسكرية، وإما للاستفادة والاستعانة بثرواته على تمويل الحرب، وإما لأن سقوطه يضعف غيره ويسهل استسلامه؛ فإذا تساقطت الدول دولة بعد دولة، أمكن أن يتساقط الباقي بدون قتال، ومن هذا التصور فإني أرى أن آخر دولتين يمكن غزوهما في هذا المسلسل الذي يرسمه الشيطان، هما السعودية لمكانتها الدينية في نفوس المسلمين جميعًا، لاشتمالها على مكة (التي فيها بيت الله الحرام) والمدينة (التي فيها قبر الرسول -صلى الله عليه وسلم - ) أقدس البقاع عند المسلمين، وأن المسلمين لا يمكنهم التهاون، أو التفريط في تلك البقاع؛ لأن ذلك يقرب من التفريط في الإسلام نفسه، وأنه لذلك لا يمكن أن يفكر التحالف الصليبي في غزوها إلا بعد الإضعاف والإنهاك الشديد للأمة الإسلامية، أو أن الخطة قد تعتمد على تقسيمها إلى جزأين: جزء يشمل مكة والمدينة وهذا يترك للمسلمين يحكمونه حتى لا يثيروا حفيظتهم، وجزء يشتمل على الأماكن الغنية بالنفط، وهذا يتم احتلاله المباشر من قِبَلهم، أو احتلاله بالواسطة أي بواسطة أوليائهم، وأتباعهم الذين ينتشرون في كل بلادنا العربية والإسلامية {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] ، والثانية مصر لكثافتها العددية، ولتدرب أكثر شبابها على استخدام الأسلحة المتنوعة، لقضائهم فترة إلزامية من عمرهم في الجيش، ولذلك يُعمل الآن على تحديد النسل كإجراء مؤقت، كما يتم السماح للمحترفين العسكريين بالتقاعد المبكر نظير مكافآت مالية كبيرة، وليس ببعيد عن هذه الخطة ما يجري من تطويق مصر من ناحية إضعاف السودان، وافتعال المشاكل بين مصر وبين دول حوض النيل حول تقاسم مياه النيل، لكنهما مدرجتان على الخطة إذا لم يسقطا من تلقاء نفسيهما، بعد الإنهاك الشديد الذي تتعرض له الأمة العربية والإسلامية، وخاصة بعد تدخل الأمم المتحدة في خصوصيات الدول العربية، وفيما يعد من قبيل السيادة القومية، وفرضها عليهم لأمور لم تستطع أن تفرضها، أو تفرض جزءًا منها على من يحتلون بلاد العرب والمسلمين.