ومن شروط النصر: إعداد المستطاع من القوة، وقد تعددت وسائل القوة، واختلفت صورتها من جيل إلى جيل، والمطلوب أن يعد المسلمون ما استطاعوا من القوة المناسبة لعصرهم، كما جاء الأمر بذلك في كتاب الله ـ عز وجل ـ فقال ـ عز من قائل ـ: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] . إن من فوائد إعداد العدة أنها تقوم بوسيلة الدفاع من حيث لا يدري المسلمون؛ فاستعداد المسلمين وتحصنهم بالآلات والوسائل القتالية المناسبة لعصرهم، تلقي في قلوب الأعداء الذين لا نعلمهم أو لا نعلم بعداوتهم الرعب والخوف، فلا يجرؤون على العدوان علينا، ولذلك جاء قوله ـ تعالى ـ بعد الحديث عن إعداد القوة فقال: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60] فأَمْر الله ـ تعالى ـ بإعداد ما يستطاع من القوة، يعني أن المسلمين مكلفون بذلك، وأن التهاون أو التفريط فيه يعرضهم لعقاب الله تعالى، بل عليهم أن يبذلوا جهدهم ما استطاعوا وأن يستفرغوا وسعهم، ثم بعد ذلك يقال: «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها» أي لا يكلفها ما تعجز عنه، أو ما لا يمكنها فعله إلا بمشقة شديدة، تخرج عن حد الوسع والطاقة، وغير ذلك فإنما هو التهاون والتخاذل.
وفي واقعنا المعاصر يمكننا أن نحدد أربع مجالات من مجالات إعداد القوة:
أولًا: المجال التربوي: فإن المجتمعات تقاس قوتها اليوم بما لديها من نظم تربوية وتعليمية قادرة على إعداد الأجيال وتهيئتها، وفق عقيدة المجتمع وثقافته. وعلينا نحن في هذا المجال أن نعتني بالتربية في الجانب الشرعي التي تحفظ علينا ديننا، كما نعتني بالتعليم في الجانب التقني الذي يمكننا من مواكبة العصر وعدم التخلف عنه، من غير أن ينفي أحدهما الآخر؛ إذ لا تعارض بين الأمرين؛ فإن تعلم المعارف الدنيوية التي تحتاج إليها المجتمعات من فروض الكفايات، كما بيّن ذلك أهل العلم، ونصوا عليه في مصنفاتهم، والإنسان ينبغي له أن يتخصص في جانب بعد أن يكون قد حصل الأمور الأساس في بقية الجوانب، كما أن ما عرف بـ «سياسة تجفيف المنابع» أي منابع التدين في المجتمعات الإسلامية والتي اعتمدتها بعض المؤسسات الحاكمة، لا تكون إلا معولًا من معاول الهدم في يد الأعداء، كي يهدموا بنياننا، ويقوِّضوا صروحنا، ويستولوا على ديارنا وثرواتنا. إنّ فهم الدين الفهم الصحيح، والعمل به، والدعوة إليه على بصيرة، وإزالة كل ما يعارضه ويخالفه: هو صِمَام الأمان للمجتمعات في داخلها وخارجها. إن الدين هو الذي يُنشئ مجاهدين أقوياء شجعانًا ومقاومين، لهم بأس شديد أمام عدو الإسلام والمسلمين، وإن العناية بالتعليم في الجانب التقني تجعل أبناءنا يحوزون خبرات ومعارف العصر، حتى يمكن لنا أن نقيم مصانعنا بأيدينا، وننتج ما نحتاج إليه، فلا نكون عالة على غيرنا، حتى نستورد منهم أتفه الأشياء في بعض الأحيان، بحجة رخص ثمنها وجودة صناعتها، ومتى يمكن لنا أن نتقدم في هذا المجال إذا ظللنا نعتمد سياسة الاستيراد، إنّ من أهم ما ينبغي أن نحرص عليه في مجال التقنية أن تكون بلادنا قادرة على إنتاج سلاحها الذي تحمي به نفسها ورعاياها، فتحمي بذلك البلاد والعباد من بأس الكافرين وظلمهم، وليس من المعقول أو المقبول أن تنتج كثير من الدول على اختلاف مللها النصرانية، واليهودية، والبوذية، وعباد البقر والوثن، كثيرًا من أسلحتها التي تحتاج إليها لتحقيق أهدافها ولحماية أراضيها، بينما يقف المسلمون وحدهم يتسولون السلاح.
ثانيًا: المجال التثقيفي: وهذا دور وسائل الإعلام الملتزمة بعقيدة بلدها وثقافة أمتها؛ حيث تقوم بتثقيف العباد وتبصيرهم؛ ببيان الحقائق، وكشف مخططات الأعداء وأساليبهم، ومن يجاريهم ويسير في دربهم وعلى مناهجهم، حتى تتكون لدى عامة المسلمين ثقافة المناعة والامتناع أمام الغزو الفكري، لا أن تكون تلك الوسائل هي رأس الحربة، والجسر الذي تعبر عليه كل الفلسفات الباطلة، والأخلاق الهادمة؛ فالإعلام لا بد أن يعد نفسه هو رأس الحربة والجسر الذي يعبر عليه المسلمون لفهم واقعهم على الوجه الصحيح، وفهم أعدائهم وخططهم وطرقهم، وأن يحصنهم ضد كثير من أفكارهم التي تتناثر عبر الفضائيات وشبكات الإنترنت تناثر الهوام؛ لأن تنويم الشعوب، وإشعارها بالطمأنينة الكاذبة، وعدم إطلاعها على حقيقة تربص الأعداء بها، لا يصب إلا في مصلحة العدو، بل يعد ذلك نوعًا من مشاركة العدو في استهدافهم لبلادنا. ولو أردنا أن نحدد للإعلام أهدافًا يجول من خلالها، وهو يقوم بدوره الإعلامي لقلنا: إن على الإعلام أن يعمل على بيان الحقائق وتوضيحها، وخاصة المتعلقة بعلاقة الغرب بالإسلام والمسلمين، وتوحيد قوى الأمة كافة، وإزالة ما بينها من فرقة واختلاف، أو شحناء، وإشاعة التراحم بين الناس، وحثهم على التعاون والتكامل، وشحذ الهمم نحو البذل والعطاء، والجهاد في سبيل الله؛ فمن خلال العمل على تحقيق هذه الأهداف يقوم الإعلام برسالته الإعلامية.