فهرس الكتاب

الصفحة 2095 من 3028

يسمونه في الغرب التفكيك ، فلا غرابة عندي من افتقاد هؤلاء لأي رؤية هادفة .

البيان: كيف يمكن أن نقرأ الواقع الحداثي في ظل التناقضات الحاصلة ؟

-د . إبراهيم الخولي: تناقضات المشهد الحداثي ومفارقاته لا تنتهي ، وكل

منها يعد فضيحة جديرة بأن تسقط دعاة هذا الفكر في بلادنا ، وكثير منها يحتاج إلى

تأمل ، وتستثير السخرية . فبينما هي تبشر الإنسان العربي بالحرية ؛ إذ جاءت

سحقًا للإنسان وافتئاتًا على الأمة المسلمة في امتلاك قرارها ، وحيث يكون الكفر

والشذوذ مطلبًا ومأربًا تكون الحرية هي الشعار ، وحين تصرخ الأمة بالأخذ على

أيدي المفسدين وتطالب بالحرية المزعومة يرفعون شعار: « لا حرية لأعداء

الحرية » ، وهكذا نلحظ مفارقة ثانية هي خطيئة لدى الحداثيين حين تتحيز الحرية

في مفهومها إلى حرية معينة يؤمن بها الحداثيون ويسعون إليها دون غيرها ، ومن

المعلوم أن النسبية التي يؤمنون بها تقتضي غير ذلك .

وحين ترفع الحداثة شعار التسامح نجد أن الحداثيين من أشد الناس عصبية

وشراسة وعدوانية مع مخالفيهم وخصومهم ، وهذا متسق مع المسلك الغربي الذي

يدينون له تمامًا ، ولا نفهم كيف يكون التسامح في ظل نسبية الأخلاق أو قل

انعدامها ، ومن يعايش الواقع الحداثي أو يتابعه سيرى تورم الذات والعدوانية

والشللية والإرهاب الفكري واستبعاد الآخر وإقصاءه ، ليس مع المخالفين من غير

الحداثيين فحسب بل حتى مع أبناء ملتهم من الحداثيين .

وإذا كان الحداثيون يرفضون التراث بزعم امتلائه بالأساطير والخرافات ؛

فلماذا تشحن أعمالهم بالأسطورية سواء في الفن أو الأدب والشعر ، ويرون في

أساطير اليونان و الرومان و الهند و الصين روائع يشاد بها وتضمن أعمالهم

مفرداتها ، بينما حقائق القرآن في نظرهم ميتافيزيقا وخرافات .

وبينما هم منفتحون تمام الانفتاح على الآخر ؛ تجدهم منغلقين عن ذاتهم

الحضارية الأصلية المتمثلة في الإسلام وأهله ، فتعاملوا كما لو كان الآخر هو ذاتهم ،

وذاتهم الأصلية هي الآخر ، ومارسوا أقسى ألوان التشويه وجلد الذات معها بحق

وبغير حق .

ثم كيف يدعي هؤلاء التنوير وهم لا يملكون مشروعًا حقيقيًا للنهضة وأعمالهم

مبنية على الغموض والتفاهة ؟ ويدّعون الجماهيرية وهم محبوسون في أبراج

النخبوية العاجية ؟ يرمون علماء الأمة بالكهنوتية وحراسة الأفكار واحتكار تأويل

النص وهم برآء من ذلك ؛ ثم نجدهم يمارسون الكهنوتية ويحرسون حداثتهم بالحد

والحديد ، فيسفهون عقول المخالف لهم بحجة أنهم وحدهم الذين بلغوا الشأو في فهم

الحداثة ، ويحتكرون الإبداع ، ولا يطيقون أن يقترب أحد بالنقد لأعمالهم مهما بلغت

من الانحطاط ؟!

ينفِّرون من الهوية الإسلامية بحجة طرح الرجعية جانبًا من أجل التقدم ، ولا

يأنفون من الانتساب إلى حضارات بائدة حصرت الإنسان في المادة ، وأشقته بالكفر

وأرهقته بالظلم .

يسخرون ويستهزئون بأحكام الإسلام بينما يحتفلون بالهندوكية ويدينون

بالإعجاب للبوذية !

ثم لماذا يتبنون الفكر الغنوصي وينشرون أدب جلال الدين الرومي وهرطقات

ابن عربي ، وتهويمات ابن الفارض ، وكفريات الحلاج وأمثالهم من فلاسفة الحلول

والاتحاد ، ويجعلونها قرآنًا ويقدمونها في ثوب التحرر ، ويستخرجون من التاريخ

صفحات الحركات السرية الهدامة التي شهدها التاريخ الإسلامي على يد القرامطة و

الزنج و الحشاشين ، ويقدمونها على أنها النموذج ويطمسون الصفحات المضيئة من

تاريخ الأمة ؟

البيان: الإبهام مفارقة من مفارقات الحداثة التي تدعي التنوير والتحضر ،

وهي سمة غالبة في شعر الحداثة ما سببها ؟

-د . إبراهيم الخولي: ظاهرة الغموض والإبهام في أدب الحداثة يتصور في

حصوله عدة أسباب: أولها: جهل أغلب الحداثيين باللغة ودلالات ألفاظها ، وسبب

ثان: ميل الحداثيين إلى نشر أفكارهم دون اصطدام بالأمة خاصة في حالات اليقظة

وفي وضح الأمر ، فهم يميلون نحو الغموض على طريقة الباطنية من أجل ترويج

ما يريدون دون أن يلحقهم أذى . ومن الأسباب أيضًا العشوائية والعبثية والهذيان

الفكري وعدم وضوح الهدف ؛ حيث تشعر أن الواحد منهم لا يدري ذاته ماذا يريد ،

فهل يملك أحد من الحداثيين أن يجيبنا: كيف يكون الإبهام المطبق تنويرًا ؟ ومن

هنا اضطر الحداثيون لفتح باب التأويلية والبنيوية والتفكيكية ، وهو ما أدى إلى

الفوضى وما بات يعرف بالتشظي .

-د . مصطفى حلمي: الحداثيون يجعلون من الإبداع قيمة مطلقة تفوق كل

القيم ، حتى ينفتح لهم الباب للنيل من عقائد الأمة وأخلاقها وتدنيسها ، ومن يكشف

جرمهم يرمونه بقائمة من الاتهامات المسبقة ؛ كممارسة التكفير وشهوة تصنيف

الناس والجهل بالإبداع والرجعية والتخلف والظلامية ، ولو ساغ القول لقلنا إن

الحداثيين يمارسون التكفير لكن وفقًا لمفاهيمهم هم ، حين يتهمون غيرهم بالرجعية ،

أو الظلامية ، وهم يتقنون كيل التهم والرمي بها جزافًا ، وهم يرمون من وراء هذا

إلى إسقاط المرجعية الإسلامية من المجتمعات واستبدالها بمرجعية هلامية يعلون فيها

من الكفر والفسوق والعصيان باسم الإبداع ، فيضيقون على العلماء والدعاة

ويسلبونهم حق البيان الذي استرعاهم الله إياه .

-د . علاء عبد العزيز: حين يُسقط الحداثيون المرجعية الإسلامية يلجؤون

إلى مرجعية مستوردة بديلة ؛ هذه المرجعية تتبطن أعمالهم سواء على مستوى الفن

التشكيلي ، أو على مستوى الأدب ، أو على مستوى الشعر ، أو على مستوى الفنون ،

هذه الأعمال تشيع أفكار ومفاهيم وآراء ووجهات نظر تشكل رؤية الإنسان للكون ،

وإذا كانت الثقافة هي نتاج للدين والأخلاق ، فإن إسقاط الدين جانبًا وإزاحة الأخلاق ،

فإن النظرة الكلية للكون والحياة تتبدل ، ومن هنا يصدق القول بأن الحداثة

ليست مجرد مذهبًا في الأدب أو نظرية في الفن ، وإنما هي نظرة شاملة للوجود .

-د . مصطفى حلمي: أود أن ألفت النظر إلى المقابلة المصطلحية التي ذيل

بها علي عزت بيجوفيتش كتابه « الإسلام بين الشرق والغرب » ، تكشف لنا كيف

نعيش الصراع المصطلحي في حياتنا بين مصطلحات مادية وأخرى نصرانية -

يروج لهما الحداثيون - وثالثة إسلامية ، حيث نظرة الإسلام الشمولية للإنسان

ككيان يجمع بين الروح والجسد ، بينما تتعامل المادية مع الإنسان كجسد ،

النصرانية مع الإنسان كروح:

فالضرائب ومصادرة الملكيات في المادية / يقابلها الإحسان والصدقة في

النصرانية / ويقابلهما في الإسلام الزكاة .

ويقابل الإنتاج / الصلاة التأملية في النصرانية / والصلاة في الإسلام .

ويقابل المدرسة والمعمل في المادية / المدرسة والدير والمتحف الفني في

النصرانية / ويقابلهما في الإسلام المسجد والمدرسة .

والقوة / المعنويات / الشريعة .

الصراع الطبقي والعنف في استخدام المصلحة / الحب واللاعنف / العدالة

والجهاد .

الفارس المناضل السياسي البطل / القديس والراهب / الشهيد .

اخلق رغبات جديدة في المادية / اقهر الرغبات في النصرانية .

فكل منظومة مصطلحية من هذه .. تعبِّر عن رؤية كلية للوجود ، هذه

المصطلحات نجد أنه عبر الفن والإعلام والتعليم ؛ يتم إزاحة المنظومة الإسلامية

لصالح المنظومتين الأخريين .

البيان: موقف الحداثيين من اللغة العربية موقف استعلاء واستبدال كلي

ضمن المنظومة الحداثية القائمة على القطيعة ؟

-د . علاء عبد العزيز: اللغة العربية هي الوحيدة التي تستطيع أن تتواصل

خلالها مع تراث أجدادك حتى الشعر الجاهلي منذ 14 قرنًا ، فلو وقعت القطيعة التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت