فهرس الكتاب

الصفحة 2094 من 3028

أقول لا يمكن أن نقبل دعوى ماركسي أنه ماركسي ومسلم ، إن كان ماركسيًا فليس

بمسلم ، وإن كان مسلمًا فلا يمكن أن يكون ماركسيًا ؛ لأن جذر الماركسية الإلحاد .

-د . مصطفى حلمي: معاداة الحداثيين العرب للإسلام جاءت بسبب نشأتهم

نشأة فلسفية على أساس أن الفلسفة في جانب والدين في جانب ، بينما جاءت

المذاهب الفلسفية المختلفة في الغرب متأثرة إلى حد بعيد بالعقيدة النصرانية ،

فـ ( روسو ) يدين إلى البروتستانتية والكاثوليكية ، كما دان ( كونت ) إلى تقواه ،

أما ( ديكارت ) صاحب مبدأ الشك الذي أسيء استخدامه ، فقد تلقى تعليمه من

جماعة ( الجزويت ) ، والتي يصفها ( برتراند راسل ) بأنها جماعة تتسم بالإخلاص

الكامل للقضية والمهارة في الدعاية ، وكان لاهوتهم هو اللاهوت المضاد

للاهوت البروتستانت .

( روسو ) صاحب ( العقد الاجتماعي ) كان له كتاب آخر حول « عبقرية

المسيح » ، ويصف ( برتراند راسل ) طريقة ( روسو ) في الدفاع عن الاعتقاد

الديني بالقوي ، وله عبارات كثيرة تدل على اقتناعه بعقيدة البروتستانت المحدثين ؛

منها قوله: « أنا لا أستنبط هذه القواعد ( قواعد السلوك ) من مبادئ فلسفية عالية ،

ولكن أجدها في أعماق قلبي ، كتبتها الطبيعة بحروف لا تنمحي » .

ويقول في رسالة إلى سيدة أرستقراطية لديها شك في الإله: « انظري إلى

شروق الشمس وهي تبدد الغيوم التي تغطي الأرض ، وتكشف عاريًا منظر الطبيعة

اللامع ، تبدد في عين اللحظة كل سحابة من نفسي ، أجد إيماني من جديد ، وإلهي

واعتقادي فيه .. أنا أعجب به أعشقه وأخر ساجدًا في حضرته » .

( روسو ) يصفه ( مل بترو ) بأنه راهب سافوي: « إني أعترف لكم أن

قداسة الإنجيل حجة تتحدث إلى قلبي ، ويؤسفني ألا أجد صددها ردًا حسنًا انظروا

إلى كتب الفلاسفة بكل ما تحمل من دلائل ؛ فما أصغرها إلى جانب هذا الكتاب ،

إنكم تعارضونني بـ ( سقراط ) وحكمته وعقله ، ولكن ما أبعد الشقة بينه وبين ابن

العذراء المسيح » .

-أ . محمد مبروك: لا يمكن أن ننفي حضور المسيحية في تراث الحضارة

الغربية ، ولكن لو تحدثنا عن الفكر الأساسي الذي يوجه النخبة ، فهذا الفكر إلى ما

قبل العصر الذي نعيشه الألفية الثالثة يتطور داخل السياق العلماني ، وإن يكن

بعض الفلاسفة البارزين لم ينفصلوا عن التأثر بالمسيحية ؛ خصوصًا المثاليين من

العلمانيين إشارة إلى ( ديكارت ، بركلي ) ، والإشارة إلى ( روسو ) لها قيمتها ؛

لأنه يمثل وضعية خاصة داخل إطار مدرسة الاستنارة ؛ لأنه كان الاستناري الوحيد

المتمرد على فلاسفة الاستنارة ، وكانت مشاكله مع ( فولتير ، و بورون ، و دلامير )

شديدة الخطورة ، هذا من ناحية .. وإن كنت أشكك في حقيقة ادعاء ( روسو )

ميله للمسيحية الغربية .

أما بالنسبة للواقع المعاصر فحين نتكلم عن مراحل الحداثة ، أعتقد أن هناك

علاقة بين الميل إلى المسيحية مرة أخرى وبين الآثار النهائية لفكر ما بعد الحداثة

التدميري ، ومحاولة الغرب التحول إلى سياق آخر من العلمانية ، وإن يكن ما زال

كل اهتمام الغرب بالدين هو اهتمام يدخل في طريقة التعامل البراجماتية النفعية مع

الدين كنوع من التأويل الذي يتناسب مع اللذة والمصلحة والمنفعة .

البيان: في التعامل مع النص الشرعي ؛ كيف تكون مسلك الحداثيين في ظل

القطيعة ؟

-د . إبراهيم الخولي: بداية إذا كان هدفنا من دراسة الكتاب والسنة الوقوف

على مراد الله من خطابه ، فهم ينفون القصد جملة ؛ إذن دخل عنصر جديد ، ومعنى

هذا أنه لا يعنيهم في تناول القرآن الكريم أو تفسيره أن يسألوا ما مراد الله من هذه

الآية ماذا تعني: [ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ] ( النور:

2 )؛ ماذا يعني:[ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ

اللَّه ] ( المائدة: 38 ) ؛ إذن ليس الهدف الآن معرفة مراد الله من هذا الخطاب ،

وبالتالي آيات الأحكام تسقط .. ليس هناك آيات تشريع .. تسقط ويصبح النص

القرآني كأي نص قابل للتأويل ، وهذا يدخلنا في التأويلية والتركيز على المتلقي ،

والمتلقي في النهاية سيقرأ قراءة فاسدة وجميع قراءات النص تكون بذلك قراءات

سيئة ، وهذا يفضي إلى فوضى القراءة ، ويصبح القارئ هو الذي يصنع النص ،

والنص يصنع بعدد قرائه .. أي فوضى هذه وماذا بقي ؟ وتذهب:[ فَاسْأَلُوا أَهْلَ

الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ] ( النحل: 43 ) هباءً ، ومنهج المسلمين الذي علمه

القرآن إياهم أن من القول محكمًا ومتشابهًا ، وعلمهم منهج التناول ، وكيف تحل

إشكالية المتشابه بحمله على المحكم فيذهب إشكاله:[ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ

مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغ ]

( كالحداثيين والتأويليين ) ،[ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ

وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ]( ليس إيمان تسليم

فقط ، لكن تسليم مع ) [ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ] ( آل عمران: 7 ) ، فنحمل المتشابه

على المحكم فيزول الإشكال .. [ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ] ( الفتح: 10 ) ، تحمل

على: [ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ] ( الشورى: 11 ) ، وتحسم

القضية .. هذه الأصول ينسفها الحداثيون نسفًا .

-د . علاء عبد العزيز: مسألة موت المؤلف تنتهي بنا إلى نزع القداسة عن

أي كتب سماوية ، إذا كانت المسيحية الغربية نزعت القداسة عن الكتاب ودخلت في

دائرة الهرمنيوطيقا كما عند ( شوماخر ) وندخل في الدائرة العريضة لأسباب

التأويل ، التأويل ارتبط أصلًا بالنص الديني قبل أن يرتبط بالنص الأدبي ، لكنه

انتقل إلى النص الأدبي ، ثم أتى الحداثيون العرب ليقلبوا المسألة ويأخذوه إلى تأويل

القرآن ، ويبدؤون في عياثة الفساد زاعمين أنه نص قابل للتأويل والدراسة كما لو

كان كتابًا أرضيًا .

الكارثة أننا نأخذ هذه المقولات أمرًا واقعًا ونسلم بها ، الأخطر من ذلك أنه

ليست هناك اجتهادات فردية ، ولكن هناك شبه نظام مؤسسي يؤيد هذه المقولة

ويدعمها ويرددها ويفتح لها الأبواق ؛ إذن المسألة ليست مجرد اجتهادات من

مجموعة من أفراد حداثيين ، وإنما تشعر كما لو كان هناك مؤسسة حداثية تتحرك

في السينما والمسرح والأدب والشعر والموسيقى .

البيان: وجّه أحد المثقفين اتهامًا للقائمين على الثقافة في بلاده بأنهم ليس

لديهم أي رؤية أو خطة أو تصور لتوجيه الثقافة خلال السنوات المقبلة ، وهذا ما

اعترف به وزير الثقافة ، ألا يعد هذا تناقضًا بين واقع الحداثيين وبين ما يدعونه

من تنوير وثقافة ؟

-د . إبراهيم الخولي: هذا من طبيعة الأمور ، فعدم امتلاك الرؤية يتماشى

مع العبثية التي يحياها الحداثيون قلبًا وقالبًا ، فهم لا يملكون سوى الشعارات

والإلهاء ، وهي حيلة المفلس ، لقد فشل الحداثيون في جميع المشاريع التي رفعوها ،

ولم تزد عن أن تكون شعارات للاستهلاك الزمني لتخدير الأمة للانصياع لهم ، ما

تلبث أن تنكشف فتسقط ثم يرفع غيرها إلى حين ، وإذا نظرنا إلى طبيعة الفكر

الحداثي وجدناه ثورة على النظم والقيم ، وإشاعة لروح التفسخ والانحلال ، أو ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت