أقول لا يمكن أن نقبل دعوى ماركسي أنه ماركسي ومسلم ، إن كان ماركسيًا فليس
بمسلم ، وإن كان مسلمًا فلا يمكن أن يكون ماركسيًا ؛ لأن جذر الماركسية الإلحاد .
-د . مصطفى حلمي: معاداة الحداثيين العرب للإسلام جاءت بسبب نشأتهم
نشأة فلسفية على أساس أن الفلسفة في جانب والدين في جانب ، بينما جاءت
المذاهب الفلسفية المختلفة في الغرب متأثرة إلى حد بعيد بالعقيدة النصرانية ،
فـ ( روسو ) يدين إلى البروتستانتية والكاثوليكية ، كما دان ( كونت ) إلى تقواه ،
أما ( ديكارت ) صاحب مبدأ الشك الذي أسيء استخدامه ، فقد تلقى تعليمه من
جماعة ( الجزويت ) ، والتي يصفها ( برتراند راسل ) بأنها جماعة تتسم بالإخلاص
الكامل للقضية والمهارة في الدعاية ، وكان لاهوتهم هو اللاهوت المضاد
للاهوت البروتستانت .
( روسو ) صاحب ( العقد الاجتماعي ) كان له كتاب آخر حول « عبقرية
المسيح » ، ويصف ( برتراند راسل ) طريقة ( روسو ) في الدفاع عن الاعتقاد
الديني بالقوي ، وله عبارات كثيرة تدل على اقتناعه بعقيدة البروتستانت المحدثين ؛
منها قوله: « أنا لا أستنبط هذه القواعد ( قواعد السلوك ) من مبادئ فلسفية عالية ،
ولكن أجدها في أعماق قلبي ، كتبتها الطبيعة بحروف لا تنمحي » .
ويقول في رسالة إلى سيدة أرستقراطية لديها شك في الإله: « انظري إلى
شروق الشمس وهي تبدد الغيوم التي تغطي الأرض ، وتكشف عاريًا منظر الطبيعة
اللامع ، تبدد في عين اللحظة كل سحابة من نفسي ، أجد إيماني من جديد ، وإلهي
واعتقادي فيه .. أنا أعجب به أعشقه وأخر ساجدًا في حضرته » .
( روسو ) يصفه ( مل بترو ) بأنه راهب سافوي: « إني أعترف لكم أن
قداسة الإنجيل حجة تتحدث إلى قلبي ، ويؤسفني ألا أجد صددها ردًا حسنًا انظروا
إلى كتب الفلاسفة بكل ما تحمل من دلائل ؛ فما أصغرها إلى جانب هذا الكتاب ،
إنكم تعارضونني بـ ( سقراط ) وحكمته وعقله ، ولكن ما أبعد الشقة بينه وبين ابن
العذراء المسيح » .
-أ . محمد مبروك: لا يمكن أن ننفي حضور المسيحية في تراث الحضارة
الغربية ، ولكن لو تحدثنا عن الفكر الأساسي الذي يوجه النخبة ، فهذا الفكر إلى ما
قبل العصر الذي نعيشه الألفية الثالثة يتطور داخل السياق العلماني ، وإن يكن
بعض الفلاسفة البارزين لم ينفصلوا عن التأثر بالمسيحية ؛ خصوصًا المثاليين من
العلمانيين إشارة إلى ( ديكارت ، بركلي ) ، والإشارة إلى ( روسو ) لها قيمتها ؛
لأنه يمثل وضعية خاصة داخل إطار مدرسة الاستنارة ؛ لأنه كان الاستناري الوحيد
المتمرد على فلاسفة الاستنارة ، وكانت مشاكله مع ( فولتير ، و بورون ، و دلامير )
شديدة الخطورة ، هذا من ناحية .. وإن كنت أشكك في حقيقة ادعاء ( روسو )
ميله للمسيحية الغربية .
أما بالنسبة للواقع المعاصر فحين نتكلم عن مراحل الحداثة ، أعتقد أن هناك
علاقة بين الميل إلى المسيحية مرة أخرى وبين الآثار النهائية لفكر ما بعد الحداثة
التدميري ، ومحاولة الغرب التحول إلى سياق آخر من العلمانية ، وإن يكن ما زال
كل اهتمام الغرب بالدين هو اهتمام يدخل في طريقة التعامل البراجماتية النفعية مع
الدين كنوع من التأويل الذي يتناسب مع اللذة والمصلحة والمنفعة .
البيان: في التعامل مع النص الشرعي ؛ كيف تكون مسلك الحداثيين في ظل
القطيعة ؟
-د . إبراهيم الخولي: بداية إذا كان هدفنا من دراسة الكتاب والسنة الوقوف
على مراد الله من خطابه ، فهم ينفون القصد جملة ؛ إذن دخل عنصر جديد ، ومعنى
هذا أنه لا يعنيهم في تناول القرآن الكريم أو تفسيره أن يسألوا ما مراد الله من هذه
الآية ماذا تعني: [ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ] ( النور:
2 )؛ ماذا يعني:[ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ
اللَّه ] ( المائدة: 38 ) ؛ إذن ليس الهدف الآن معرفة مراد الله من هذا الخطاب ،
وبالتالي آيات الأحكام تسقط .. ليس هناك آيات تشريع .. تسقط ويصبح النص
القرآني كأي نص قابل للتأويل ، وهذا يدخلنا في التأويلية والتركيز على المتلقي ،
والمتلقي في النهاية سيقرأ قراءة فاسدة وجميع قراءات النص تكون بذلك قراءات
سيئة ، وهذا يفضي إلى فوضى القراءة ، ويصبح القارئ هو الذي يصنع النص ،
والنص يصنع بعدد قرائه .. أي فوضى هذه وماذا بقي ؟ وتذهب:[ فَاسْأَلُوا أَهْلَ
الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ] ( النحل: 43 ) هباءً ، ومنهج المسلمين الذي علمه
القرآن إياهم أن من القول محكمًا ومتشابهًا ، وعلمهم منهج التناول ، وكيف تحل
إشكالية المتشابه بحمله على المحكم فيذهب إشكاله:[ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ
مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغ ]
( كالحداثيين والتأويليين ) ،[ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ]( ليس إيمان تسليم
فقط ، لكن تسليم مع ) [ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ] ( آل عمران: 7 ) ، فنحمل المتشابه
على المحكم فيزول الإشكال .. [ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ] ( الفتح: 10 ) ، تحمل
على: [ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ] ( الشورى: 11 ) ، وتحسم
القضية .. هذه الأصول ينسفها الحداثيون نسفًا .
-د . علاء عبد العزيز: مسألة موت المؤلف تنتهي بنا إلى نزع القداسة عن
أي كتب سماوية ، إذا كانت المسيحية الغربية نزعت القداسة عن الكتاب ودخلت في
دائرة الهرمنيوطيقا كما عند ( شوماخر ) وندخل في الدائرة العريضة لأسباب
التأويل ، التأويل ارتبط أصلًا بالنص الديني قبل أن يرتبط بالنص الأدبي ، لكنه
انتقل إلى النص الأدبي ، ثم أتى الحداثيون العرب ليقلبوا المسألة ويأخذوه إلى تأويل
القرآن ، ويبدؤون في عياثة الفساد زاعمين أنه نص قابل للتأويل والدراسة كما لو
كان كتابًا أرضيًا .
الكارثة أننا نأخذ هذه المقولات أمرًا واقعًا ونسلم بها ، الأخطر من ذلك أنه
ليست هناك اجتهادات فردية ، ولكن هناك شبه نظام مؤسسي يؤيد هذه المقولة
ويدعمها ويرددها ويفتح لها الأبواق ؛ إذن المسألة ليست مجرد اجتهادات من
مجموعة من أفراد حداثيين ، وإنما تشعر كما لو كان هناك مؤسسة حداثية تتحرك
في السينما والمسرح والأدب والشعر والموسيقى .
البيان: وجّه أحد المثقفين اتهامًا للقائمين على الثقافة في بلاده بأنهم ليس
لديهم أي رؤية أو خطة أو تصور لتوجيه الثقافة خلال السنوات المقبلة ، وهذا ما
اعترف به وزير الثقافة ، ألا يعد هذا تناقضًا بين واقع الحداثيين وبين ما يدعونه
من تنوير وثقافة ؟
-د . إبراهيم الخولي: هذا من طبيعة الأمور ، فعدم امتلاك الرؤية يتماشى
مع العبثية التي يحياها الحداثيون قلبًا وقالبًا ، فهم لا يملكون سوى الشعارات
والإلهاء ، وهي حيلة المفلس ، لقد فشل الحداثيون في جميع المشاريع التي رفعوها ،
ولم تزد عن أن تكون شعارات للاستهلاك الزمني لتخدير الأمة للانصياع لهم ، ما
تلبث أن تنكشف فتسقط ثم يرفع غيرها إلى حين ، وإذا نظرنا إلى طبيعة الفكر
الحداثي وجدناه ثورة على النظم والقيم ، وإشاعة لروح التفسخ والانحلال ، أو ما