فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 3028

انطلاقا من شعورهم بعقدة- العزلة- والشذوذ -والانبتات- في فضاءات مجتمعاتنا العربية والإسلامية يصعق اليساريون ويفزعون كلما سمعوا دعوة إلى استفتاء شعبي حول تركة من تركات التغريب والاستعمار لها مساس بقضايانا الاجتماعية ليقينهم بأنهم هم الخاسرون في النهاية إذ علمتهم التجارب بان نتائج مثل هذه الاستفتاءات تأتي دائما مخيبة لآمالهم ومعارضة لتطلعاتهم ومشاريعهم التي لا تجد لها هوى في نفوس الجماهير الواعية.

وعليه فقد أقاموا الدنيا... وافتعلوا ضجة إعلامية تشهيرية عندما اقترح الإسلاميون- في تونس- إجراء استفتاء شعبي حول مجلة ( الأحوال الشخصية) التي كانت ولا تزال وراء الشروخ الحادة التي أصابت الأسرة التونسية والتي يعتبرها اليسار إنجازا حضاريا ومكسبا تقدميا للمرأة لا يمكن بحال التنازل عن ابسط بند فيه بل ارتقى عندهم إلى مستوى (المقدس) الوطني .

والكتاب الذي بين أيدينا وهو موضوع الحال يندرج في إطار هذه الضجة التحريضية المفتعلة واذكر انه أقيمت له ندوات للمناقشة والتلميع فور صدوره نتج عن بعضها صدامات بين الفريقين انحدرت إلى مستوى الركل والتراشق بالكراسي..

فما هي المآخذ التي يركز عليها الرفاق في نقدهم للإسلاميين في موضوع المرأة حسب الكتاب ..

المقدمات المحورية

يرى صاحب الكتاب بان الموقف العام للإسلاميين أو السلفية الجديدة- كما يحلوا له أن ينعتهم- من المرأة مؤسس على مقدمات محورية ثلاث وهي اعتبار

1-تحرر المرأة مؤامرة استعمارية..

2-المرأة رمز للعنة والخطيئة..

3-المرأة رمز للذة والفتنة..

ويأتي تحليله لهذه المرتكزات فضفاضا ومهزوزا رغم حرصه على حشوه بالاستشهادات المنتقاة والمبسترة تدعيما لوجهة نظره وإيهاما للقارئ بسعة اطلاعه. فحول المقدمة الأولى يقول"...فحقوق المرأة المكتسبة حاليا أو تلك التي مازالت تطمح إلى تحقيقها لا تعدو أن تكون في تصور الإسلاميين سوى بدعة استعمارية تستهدف مسخ ضمير الأمة"ص17 ويستشهد على ذلك بجملة للسيد عبد الله علوان تقول"...ومن الأمور التي يجب أن تعلموها جيدا أيها الآباء أن مخططات الاستعمار والصهيونية والماسونية والمذاهب المادية الإلحادية تهدف إلى إفساد الأسرة المسلمة وانفصام عراها وهذا لا يتم إلا بتمزيق القيم الأخلاقية و إطلاق عنان الغرائز والشهوات وإشاعة الانحلال والميوعة في المجتمع فالمرأة عند هؤلاء هي أول الأهداف في هذه الدعوة".. ص19.

ولو أن- الرفيق- كلف نفسه قراءة وثائق التاريخ لما استهجن مقولة الإسلاميين بكون هذه الدعوة مؤامرة استعمارية . ويكفي أن نحيله إلى توصيات المؤتمر التبشيري المنعقد بالقاهرة سنة 1906 والتي جاء من بينها هذا النداء"إن عدد النساء المسلمات عظيم جدا لا يقل عن مائة مليون.. فكل نشاط مجد للوصول إليهن يجب أن يكون أوسع مما بذل إلى الآن ..نحن لا نقترح إيجاد منظمات جديدة ولكن نطلب من كل هيئة تبشيرية أن تحمل فرعها النسائي على العمل واضعة نصب عينيها هدفا جديدا هو الوصول إلى نساء العالم المسلمات كلهن في هذا الجيل ..."

وأما بخصوص المقدمة الثانية فيقول الكاتب"إن المرأة بالنسبة إلى الإسلاميين تمثل اللعنة وترمز إلى الخطيئة فهي التي كانت السبب في التحدي الآدمي للخالق وهي بالتالي السبب في حرماننا- بصورة أو بأخرى- من نعيم الفردوس الأبدي بطرد آدم منه إنها حليفة الشيطان الذي لم يتمكن من نسج مؤامرته بالاعتماد على آدم- الرجل- فوجد ضالته في حواء- المرأة- التي تمكنت بفضل كيدها- وهو عظيم- من غوايته مستغلة طيبته وبراءته.."ص30.

ونحن نذكر- الرفيق الكاتب- بأن هذا الكلام الخرافي الأسطوري البدائي لم يعد يردده حتى البسطاء و الأميون من الناس وقد امحى من ذاكرة الرأي العام تماما لتفاهته ولم يعد يستشهد به من يحترم عقله وقلمه وقرآءه ... فكيف يرضى الإسلاميون بتبنيه وهم كما يعلم الكاتب نفسه يمثلون العقل الواعي في المجتمع ويتقدمون قافلة الرفاق في العلم و المعرفة والوعي.

في كتابها"شمس الله تسطع على العرب"بالصفحة 470"... لقد كانت خديجة نموذجا لشريفات العرب أجاز لها الرسول أن تستزيد من العلم والمعرفة كالرجل تماما وسار الركب وشاهد الناس سيدات يدرسن القانون والشرع ويلقين المحاضرات في المساجد ويفسرن أحكام الدين فكانت السيدة تنهي دراستها على يدي كبار العلماء ثم تنال منهم تصريحا لتدرس هي بنفسها ما تعلمته فتصبح الأستاذة الشيخة كما لمعت من بينهن أديبات وشاعرات والناس لا ترى في ذلك غضاضة أو خروجا عن التقاليد..."

والسؤال الذي نتحدى به الرفيق- هل يتناسب هذا الوضع الذي عاشته المرأة لو كانت معتبرة عند المسلمين"لعنة وخطيئة"..

ونأتي إلى المقدمة الثالثة حيث يقول الكاتب"....ولكن هذه اللعنة بالنسبة للإسلاميين لا تنفي عنها أنها امرأة أي أنها جمال وزينة وجاذبية أي أنها جسد أي أنها جنس لذلك كله- فهي تشكل موضوع افتتان بالنسبة للإسلاميين كما يتجلى أن هاجسهم الدفين هو الهاجس الجنسي الذي يسهل إبرازه للسطح بمجرد تفكيك نظامهم الرمزي الأخلاقي المزيف."ص 34.

-إن هذا الاتهام الفضفاض الحاقد كان أولى بالكاتب الرفيق- لو كانت فيه بقية من شهامة أدبية ورجولة- أن يقذف به الذين يلهثون وراء تعرية المرأة وتمييعها ويمدحون تبرجها وتحللها ويسوقونها إلى شطوط الضياع ويخدرونها في علب الليل ويقيمون لها عكاظا جنسيا لتتويج أوسمهن وافتنهن.

-ويكون من التجني والافتراء أن يلصقه بالذين يدافعون عن عفتها وسترها وشرفها ويحترمون إنسانيتها فيبرونها أما ويكرمونها زوجة ويحترمونها أختا ومواطنة ويرعونها بنتا... ويحسنون إليها جارة وخالة وعمة.. وبعد هذه المقدمات الثلاث التي اخفق في تحليلها الكاتب وتعرى فيها تحامله الحاقد على السلفيين يأخذ - في الصفحات الموالية استعراض مواقفهم في المجالات المتصلة بقضية تحرير المرأة. فماذا يقول..

أ) المساواة

"إن مفهوم الإسلاميين للمساواة قد أدى بنا إذن إلى أن المرأة- بالنسبة للرجل- كائن دوني قاصر يجب حمايته... ولكن وبالرغم من ذلك فإن الإسلاميين لا يتحرجون من الحديث عن المساواة..بل الأغرب من ذلك أن نجدهم لا يتحرجون من الادعاء بأن المرأة نفسها هي التي تطلب تلك الحماية من الرجل.. وتدعو لمنزلتها الدونية إزاءه وهي لن تشعر بالراحة والاطمئنان- حسب زعمهم- إلا متى كان الرجل قواما عليها"ص31.

إن هذا التحليل- الرومانسي- الأجوف والهلامي لا يقف أمام التحليل العلمي الموضوعي لقضية المساواة هذا الوتر الذي يعزف عليه صباحا مساء دعاة التحرير بل التغرير بالمرأة. وليسمح الرفيق"شكري لطيف"بقراءة واحترام ما كتبه الدكتور"الكسيس كارل"الحائز على جائزة نوبل للعلم في كتابه المشهور (الإنسان ذلك المجهول ) "إن الأمور التي تفرق بين الرجل والمرأة لا تتحدد في الأشكال الخاصة بأعضائهما الجنسية"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت