فالإعلام أصبح موجهًا ومربيًا وبرامجه قائمة على دراسات نفسية واجتماعية عميقة لتحدث الأثر المطلوب.
وأكبر مثال على ذلك هو كيفية تقديم الرئيس الأمريكي عند انتخابه: كم نسبة من يعرفونه من الشعب إلى من لا يعرفونه قبل الانتخاب؟
الواضح أن الجماهير لم تكن لتعرفه إلا عن طريق الشخصية الإعلامية الملمعة.
وعليه فإن الذي يصنع آلة الإعلام هو الذي يصنع الرئيس الأمريكي، ويصنع قبل ذلك العقول والأذواق وأساليب التفكير. ولننظر إلى الصحف كيف تشكل الرأي العام، وهي مسألة في منتهى الخطورة، وتقف وراءها مؤسسات متخصصة كاملة.
د/مصطفى حلمي:
يرى (لاتوش) في كتابه: (تغريب العالم) أن أروع نجاحات التغريب يكمن في انتشار أدوات السلطة التي من أهمها الإعلام، ويستدل على ذلك بما رصده (كاستورياديس) بفطنة ثاقبة عن تقنيات السلطة، أي (تقنيات الخبل الجماعي) : (هناك مكبر صوت في كافة القرى يبث خطاب الزعيم، هناك تليفزيون يهتم بنفي الأخبار..إلخ، وتنتشر هذه التقنيات بسرعة النار في الهشيم، وقد اجتاحت الأرض بأسرها، وسرعان ما انتشر في كل مكان أن أيّ أومباشي في أي بلد من بلدان العالم الثالث، يحسن استخدام سيارة الجيب، والرشاشات، والبشر، والتليفزيون، والخطب، وكلمات(الاشتراكية) ، و (الديمقراطية) ، و (الثورة) وكل هذا، قمنا نحن بمنحه لهم، وتلقينه إياهم بسخاء بالغ)!!.
? كيف نجح الغرب عبر التعليم في طمس هويتنا من أجل تغريبنا؟
د/ جمال عبد الهادي:
الغرب لم يعد يقنع في تغريب التعليم بما حققه، ولكنه ما زال يطمع في المزيد؛ لأن التعليم هدف استراتيجي بعيد المدى خطير الأثر.
فبعدما نجح في تغريب النخبة عبر التعليم، إذا بنا نراه يطمح لتغريب المجتمع كله، عبر وضع المناهج الدراسية العامة!.
فهل يعقل ـ مع هذا ـ أن نستجلب مستشارين من غير جلدتنا، ليضعوا لنا مناهجنا التربوية، وسياستنا التعليمية؟!..
هل يعقل أن نسلم كل عقول الأجيال القادمة إلى أناس لا يرقبون فينا إلًا ولا ذمة، ونسلّم لهم في كل ما يقولونه؛ ونطلق أيديهم للعب في المناهج التعليمية بدءًا من المناهج الدينية إلى العلوم الإنسانية والتطبيقية، وعلوم التقنيات الحديثة؟
وقد ظهر أخيرًا إلى أي حد بلغ التآمر على هويتنا؛ فحذف كل ما يعمق الفهم الإسلامي ويقوي الانتماء، وكل ما يذكر بعدوان الغرب لنا أو حتى انتقاده، أو بعداوة اليهود والنصارى، ولو كانت نصوصًا من القرآن والسنة، بالإضافة إلى التسطيح المتعمد للعلوم الإنسانية والتجريبية؛ بحيث تصبح بلا دلالة ولا مضمون، فيقف الطالب عند الحد النظري منها دون أن يستفيد أي خبرة أو مهارة عملية.
يضاف إلى ذلك علمنة المفاهيم، وتغريب التقاليد والعادات، وإشاعة المساوئ الأخلاقية من خلال نشر الصور العارية، والقصص المبتذلة الساقطة في مناهج اللغات الأجنبية، ومحاولة نشر الفاحشة عن طريق ما يسمونه بالثقافة الجنسية، التي بدأوا يقيمون لها دورات وندوات، تشمل في بعض الأحيان تلاميذ المرحلة الابتدائية! لنرى إلى أي حد تتأثر سياساتنا بمخططات أعدائنا.
ونحن نسأل: ماذا يريد المسؤولون عن التعليم في بلادنا أن يُخرجوا لنا؟!
هل سيخرّجون نموذجًا إسلاميًا؟ أو حتى قوميًا أو وطنيًا؟ أو على أقل تقدير إنسانًا لديه أي قيم؟
للأسف! ليس شيئًا من ذلك.
وبدون أدنى تحقيق فإن الناظر فيما يجري، يرى مدى الخطر الداهم الذي يهدد هويتنا الإسلامية، بل وحتى الهويات البديلة المصطنعة من أجل مزاحمة الهوية الإسلامية.
الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
إذا أحببنا أن نشبه تأثير التعليم الغربي اللا ديني، فيمكن اعتباره (كالحامض) الذي يذيب شخصية المسلم، وهذا ما عبر عنه المستشرق (جب) : (والسبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب؛ هو أن تتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي، وعلى المبادئ الغربية، وعلى التفكير الغربي... هذا هو السبيل الوحيد ولا سبيل غيره، وقد رأينا المراحل التي مر بها طبع التعليم بالطابع الغربي في العالم الإسلامي، ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين، وقليل من الزعماء الدينيين) اهـ.
إنه من غير المعقول ولا الجائز، أن تستورد أمة ـ لها شخصيتها ورسالتها، ولها عقائدها ومناهج حياتها، ولها طبيعتها ونفسيتها، ولها تاريخها وماضيها ـ أن تستورد نظامًا تعليميًا أجنبيًا عنها، ثم تكل وظيفة التعليم والتربية، وتنشئة الأجيال، وصياغة العقول إلى أناس لا يؤمنون بهذه الأسس والقواعد، بل يناصبونها العداء!
أمثلة ونماذج على تخريب التعليم:
? هل يمكن ذكر نماذج واقعية من خلال ما يجري في مناهج التعليم من تزوير للهوية تحت مسمى التطوير؟
د/ جمال عبد الهادي:
ألغي في مصر التاريخ الإسلامي من المرحلتين الابتدائية والثانوية لحساب تاريخ الفراعنة والغرب.
فبينما كان التاريخ الفرعوني يدرس في (75) صفحة، وفي المرحلة الإعدادية فقط، أصبح يدرس في المراحل الثلاث وفي (317) صفحة.
هذا التوسع جاء على حساب التاريخ الإسلامي الذي كان يدرس في المراحل الثلاث في (307) صفحة، ليختزل في مرحلة واحدة هي الإعدادية إلى (32) صفحة!.
وبينما نجد أن عصر النبوة كله يدرس في (10) صفحات نجد أن الملك (مينا) وحده يدرّس تاريخه في تسع صفحات، واختزل تاريخ خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ وفتوحاته في (6) أسطر، في حين يدرس (نابليون) وحملته على مصر في (34) صفحة.
ـ أما السيرة النبوية الشريفة فتبدو وكأنها تعرض سيرة شخص من عامة الناس، لا سيرة أعظم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو على أقل المفروض سيرة مصلح أو زعيم تقليدي؛ حيث حذفت مواطن العظمة ونماذج القدوة، فضلًا عن التشويه المتعمد لكثير من الوقائع التاريخية، مثل ما يثار من شبهات حول الخلفاء الراشدين والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ.
ـ أما الحضارة الإسلامية فقد طمست أهم معالمها؛ كالنظام السياسي والإداري والمالي، والقضائي، وشوهت فترات القوة فيها، فصوروا حياة الخلفاء فيها على أنها حياة لهو ومجون، ووصموا الحضارة بالعنصرية والطبقية، بل وحذفت أي جملة، أو كلمة تحيي روح الانتماء للإسلام والاعتزاز به.
ومن جوانب المؤامرة كذلك:
ـ ما تم إخفاؤه من حقائق؛ مثل إخفاء حقيقة الحملات الصليبية، تحت مسوغات مادية أو مصالح غربية لإضعاف حس الولاء والبراء والحمية للإسلام.
ـ كذلك ما يتم في معالجة التاريخ الحديث لبلادنا على ضوء التاريخ الأوروبي الحديث، وبنظرة ومفاهيم غربية بحتة، لذا لم تبين لنا مثل هذه المعالجة مدى المصائب التي أضرت باقتصادنا وسلبت ثرواتنا وما زالت، وحرمتنا من إنتاج رغيف خبزنا، بل ومنعتنا من تطبيق شريعتنا، وذلك منذ بدء الاحتلال الأوروبي الصليبي وحتى اليوم.
كما أخفت أن سياسة أوروبا الاستعمارية القديمة ما زالت مستمرة، وأن النظام الدولي الجديد ما هو إلا امتداد للنظام الاستعماري القديم، كما حذفت أي عبارة تشير إلى دور أمريكا وبريطانيا في غرس الكيان اليهودي في أرض فلسطين.
وهكذا اقترنت الغزوة العسكرية والاقتصادية لديارنا بغزوة فكرية، تعزل الإسلام تمامًا عن حركة التاريخ، ومعترك الحياة.
فلا عجب إذا ما فرّغت كتب التاريخ والجغرافيا من مضمونها، وحُرم النشء المسلم من معرفة تاريخ أمته العربية الإسلامية وأدوار قوتها وضعفها، ومن هم أعداؤها في الماضي والحاضر، وما هي أهم واجباته لمواجهة مخططاتهم، وبخاصة مخطط تمزيق وحدة الأمة، وبعثرة جهودها وسلب خيراتها، ومحاولة تكبيلها للسيطرة عليها.