ـ تم إغفال إبراز فكرة التعاون والتكامل الإسلامي العربي (الوحدة الإسلامية) لحساب المشروعات الوافدة، كمشروع الشرق أوسطية، أو البحر متوسطية، لذلك تم حذف كل ما يشير إلى التضامن الإسلامي، أو الخلافة الإسلامية، أو الجامعة الإسلامية.
الثقافة والهوية:
? وما ذا عن الاختراق الثقافي للعقل الإسلامي، وما مدى تأثير ذلك على الهوية؟
د/ جمال عبد الهادي:
الاختراق الثقافي أصبح قضية تحدٍ خطيرة؛ لأن القضية دوّلت، ففي عام 1987م أعلنت الأمم المتحدة؛ أن السنوات العشر القادمة ستكون للتنمية الثقافية. ومفهوم التنمية لديهم معروف لذي الفطن! ولكن بعد مضي السنوات العشر ما الذي جنيناه من جراء هذا الإعلان؟ لم تتحقق أي تنمية، بل على العكس من ذلك؛ إذ كان تحريفًا وتزييفًا وتضليلًا، ورغم توقيع غالب الدول على هذه الاتفاقية غير أن ما يمارس اليوم من هيمنة إعلامية وثقافية غربية، وبالذات الأمريكية منها، يمكن اعتباره حربًا عالمية ثقافية حقيقية تدعمها القوة المسلحة، مصحوبة بالاستخدام الواسع لوسائل الاستخبارات والتقنية الحديثة، فضلًا عن وسائل الردع والضغط الاقتصادي، لاستخدام قيم العدو، وهنا يكمن الخطر؛ ورغم هذا يسمونه (البديل الديموقراطي) .
وتسعى الولايات المتحدة إلى فرض تصورها بالقوة، كما جاء ذلك في خطاب كلينتون؛ الذي ألقاه يوم تنصيبه رئيسًا في 20 يناير 1993م: (إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزامًا مقدسًا لتحويل العالم إلى صورتنا) !.
لعبة الديمقراطية:
? إذن فالبديل الديمقراطي ما هو إلا لعبة تغريبية، يُمارس من خلالها الخداع، والتسويق الثقافي لفلسفات جامدة.
د/مصطفى حلمي:
هناك الكثير من المصطلحات مثل: (الديموقراطية) ، و (التحرر) ، و (البحث الحر) ، وأمثالها، هذه الشعارات ارتبطت بالتغريب، وهي في حقيقتها شعارات خادعة تخفي الواقع المخالف لها تمامًا، لذلك لا يسمح الغرب للقيم الحقيقية أن تنافس قيمه الزائفة، ويقولون بصراحة: (لن نسمح لهذه القيم أن تطبق، إنها مجرد شعارات) ، فهدفهم هو تغريب العالم ككل، ولو من أقصر طريق. يقول (لاتوش) : (إذا كان للحضارة أن تختزل إلى الشرطة والجيش، فإن العالمية متحققة إذن من الآن) فنحن نواجه اليوم (إمبريالية ثقافية غربية) وبالأخص (إنجلوساكسونية) ، أما دورنا فمجرد مستقبلين! فأين (الديمقراطية) المزعومة إذن؟!
د/جمال عبد الهادي:
اسمحوا لي بمداخلة بسيطة مع الدكتور مصطفى: هناك صورة من أخطر صور التغريب والتضليل، أحب أن ألقي عليها بعض الضوء، وهو ما يمارس لفرض منهج معيب في البحث تحت مسمى (العلم) ، بينما لا نجد هذا المنهج مطبقًا في بلاده، ولا بين أهله، وهذا يعني أنه منهج مصمم خصيصًا للمستعمرات، وبالذات لبلادنا الإسلامية للقضاء على كيانها، من أجل الحيلولة بين الأجيال الجديدة، وبين روافد هويتها الحقيقية.
ـ (فالأدب العربي) ـ وفق هذا المنهج ـ: أدبٌ منفصل، نشأ في العصر الحديث، وارتبط بالحملة الفرنسية، ومعنى هذا؛ أنه أدب منفصل تمامًا عن الأدب العربي والإسلامي في عصوره الممتدة.
ـ و (الفكر العربي) : عبارة عن فكر نشأ في ظروف الاتصال بالغرب؛ وعليه فإنه لا يمتّ إلى المنهج الإسلامي ومصادره بأية صلة.
ـ و (دراسة التاريخ) تتم من أجل النقد (أو قل: الطعن) في رموز الإسلام، أو تهميشها، أو التعمية عليها، والمقابل هو إبراز النماذج الشعوبية والتآمرية المنحرفة، بدعوى الحياد في السرد التاريخي.
والدافع الذي يفسر به التاريخ، ليس هو دافع العبودية، أو الصراع الأبدي بين الخير والشر، أو الحق والباطل، وإنما يفسر بالنفعية أو الذاتية.
ولنا أن نتصور حجم المصيبة إذا نشأت عقول باحثينا، ومن يقرأون لهم على مثل هذا المنهج المضلل.
ولا غرابة إذا رأينا من يطعن في الإسلام بحجة التطوير، أو في رموزه بحجة النقد، أو في تاريخه بدعوى الحياد، ولا عجب بعدها إذا ما نظروا إليه على أنه تخلف وغموض ووساوس، والله المستعان.
مفهوم التنمية:
? قضية التنمية، أو ما يعبر عنه بـ: (التنمية) اليوم، أو (الدول النامية) .
ما صلة هذا اللفظ بحرب الهويات؟
د/ مصطفى:
يمكن لنا أن نضع قذائف التغريب الثقافي في كفة، وما يجتاح (العالم الثالث) من حمّى الغزو الاقتصادي في كفة أخرى، لا لقوته التي تفوق الغزو الثقافي فحسب، ولكن لخفائه أيضًا وتسربه الخادع إلى العقول والنفوس؛ لأنه يتخفّى تحت عنوان باهر باسم (التنمية) . يقول د. جلال أمين: (إن هذا الغزو الغربي لاقتصاديات وثقافة بلاد العالم الثالث هو بالضبط ما يحدث منذ أن رفع شعار: تنمية هذه البلاد، وإطلاق اسم التنمية على هذا الغزو، وتسمية الدول الخاضعة له باسم(الدول النامية) ، هو مثال من أسوأ ما يمكن أن يقدّم من أمثلة على الاستعمال الفاسد للغة، وعلى تسمية الأشياء بغير أسمائها.
ولكن أن نذهب إلى حد وصف تلك المجتمعات الرافضة، أو المقاومة لهذا الغزو، أو التي لا تخضع له بالسرعة الواجبة، بوصف (الدول المتخلفة) ، فهذا من قبيل عدم الاكتفاء بإيقاع الأذى، بل وإضافة الإهانة إليه).
أ/ جمال سلطان:
تعتبر التنمية الاقتصادية جزءًا هامًا من البعد الحضاري الذي يشكل بعدًا من أبعاد الهوية، هذا البعد في مجمله له أثر في غاية الخطورة على قضية الانتماء؛ لأن التغريب استطاع أن يكسب من خلاله أرضية واسعة في غزوه للهويات؛ لأنه يتعلق بالمناخ الفكري، والثقافي، والمعرفي، والقيمي، والسلوكي، والأخلاقي الذي يعيش فيه الإنسان، وفي هذا المجال يتلاعب التغريب عبر وسائله بشكل مباشر، لدرجة أنه يحدد الذوق الشخصي للإنسان، ويملك أن يقنعه بالمتناقضات في آن واحد.
ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إدخال نمط الطعام الغربي لحياتنا، حتى أصبح الطعام بهذه الصورة ثقافة، ونستشعر ذلك في الاحتفال الضخم الذي أقامه الأمريكان لافتتاحهم أول فرع لـ (ماكدونالد) في القاهرة أو في روسيا، فالربح الماديّ ـ باعتباره العامل الاقتصادي الأكبر ـ لم يكن هو الدافع الوحيد لكل هذا الابتهاج، ولكن المسألة تتلخص في أنه بافتتاح (ماكدونالد) ـ باعتباره واجهة تغريبية ـ يمكن نشر مجموعة من التقاليد والسلوكيات الأمريكية، مما يمثل نوعًا من الغزو المستتر، ونموذجًا للحرب الطاحنة للنفاذ إلى العقول والقلوب، التي قد تصل في بعض الأحيان إلى التلويح باستخدام القوة، من أجل فرض قيم معينة.
ومن نماذج هذا الصراع، ما يجري بين (الأمركة) و (الفرانكوفونية) ، على النفوذ والوجود الثقافي في القارة السوداء، والمستعمرات الفرنسية السابقة.
? وهل من علاقة بين (التنمية) و (التنصير) على اعتبار أن (التنصير) هو أعلى غايات (التغريب) ؟
د. مصطفى حلمي:
الغرب من حيث أنه يمثل وحدة تركيبية تتفاعل فيه مجموعة مؤثرات دينية، وأخلاقية، وعرقية، واقتصادية، والأقرب أنه كيان ثقافي، وظاهرة حضارية.
لكن التنصير يبرز ممثلًا أحد مظاهر نشاطه التغريبي، وأبرز أشكاله البروتستانتي بزعامة الولايات المتحدة، والكاثوليكية بزعامة فرنسا، ويقدم تحت ستار (النشاط الإحساني) ـ وفق تعبيرهم ـ المتمثل في المساعدات والإعانات الخيرية والاجتماعية، أو تحت ستار (النشاط العقلاني) عبر المدارس التنصيرية والنشرات وجهود المستشرقين، وغالبًا ما تقرن مشروعات التنمية بـ (تحت راية الصليب) ، ويزداد الأمر دهاءً في بعض الأحيان فيطلقون على التنصير نفسه وصف التنمية.