فهرس الكتاب

الصفحة 2085 من 3028

وحتى نعلم كيف تتم عملية التغريب وفق تصور الغرب أنفسهم نقرأ كلامًا لـ (لاتوش) إذ يقول في كتابه: (تغريب العالم) : (ينطلق فيض ثقافي من بلدان المركز، ليجتاح الكرة الأرضية، يتدفق على شكل صور.. كلمات.. قيم أخلاقية.. قواعد قانونية.. مصطلحات سياسية.. معايير.. كفاءة، ينطلق كل ذلك، ليجتاح بلدان العالم الثالث من خلال وسائل الإعلام، المتمثل في إذاعات وتليفزيونات، وأفلام وكتب، وأسطوانات فيديو، وأطباق استقبال فضائية(دش) ، ينطلق عبر سوق المعلومات التي تحتكرها الوكالات العالمية الأربع: أسوشيتدبرس، ويوناتيدبرس (الولايات المتحدة) ، ورويتر (بريطانيا) ، وفرانس برس (فرنسا) ، وتسيطر الولايات المتحدة على 65% من تدفق هذه المعلومات.

هذا الفيض من المعلومات يشكل رغبات وحاجات المستهلكين، أو بتعبير آخر: (الأسرى السلبيين) : أشكال سلوكهم، عقلياتهم، مناهج تعليمهم، أنماط حياتهم)، وبذلك تذوب الهويات الذاتية في هذا الخضم من الغزو؛ لأن مواد الغزو تصنع في معامل الغرب وفق معاييره ومواصفاته المعيبة.

ومن هذا الكلام يتضح لنا أن التغريب، والاستعمار، والتنصير ما هي إلا ثلاثة أوجه لحقيقة واحدة، وأن الاستعمار بدأ يتشكل في أشكال جديدة.

(1) أبو داود: كتاب البيوع، حديث رقم (3462) .

مجلة البيان* العدد 129*جمادى الأولى 1419هـ * سبتمبر 1998م

هويتنا الإسلامية: بين التحديات والانطلاق

?تناول أصحاب الفضيلة ضيوف الندوة في الحلقة السابقة إيضاح قضية: إلى أي حد يستوعب المسلمون قضية الهوية؟ وكيف ينظر أعداؤنا إلى هويتنا الإسلامية؟ ثم بيان صور مختلفة لأساليب طمس هويتنا الإسلامية. وهذه الحلقة تتناول جوانب أخرى من الموضوع نترككم معها.

-البيان -

? نريد أن نتتبع مسيرة التغريب في بلادنا منذ بداية الأزمة، وما العوامل التي أسهمت في نجاحه؟

أ/ جمال سلطان:

نأخذ مثال مصر باعتباره مثالًا واضحًا وقوي الأثر؛ فقد نشط الإنجليز في الجانب التعليمي وترجمة القوانين حتى الفرنسية منها.

أسسوا مؤسسات علمية منافسة للمؤسسات الشرعية الموجودة، كدار القضاء في مقابل الأزهر، والمحاكم المختلطة في مقابل المحاكم الشرعية، مع التضييق على المحاكم الشرعية، كما أقاموا المدارس الأجنبية كذلك في مواجهة المعاهد الأزهرية، ثم رُبط النظام التعليمي الجديد بالوظائف.

ثم بدأ بتغذية بعض الحركات الجديدة وإنعاشها، كتبني بعض الشوام، عن طريق إعطائهم دورات في الفنون، وإرسالهم إلى مصر لإنشاء مؤسسات فنية تروّج لأفكار جديدة، ورؤى جديدة، لم يكن ينتبه إليها أبناء ذلك الجيل.

وبدأ اللعب على النخب الموجودة والقيادات، وربط مصالحهم بالمصالح الإنجليزية، ثم تأسيس أحزاب على أسس علمانية.

كما استفادوا من نشر الكتب في بث أفكارهم المنحرفة، لأمثال قاسم أمين الذي دافع عن الهوية والحضارة والحجاب والشريعة في أول أمره، ثم انقلب بعد خمس سنوات بزاوية (130) في كتابه (تحرير المرأة) ثم زادت الهوة فبلغ الانقلاب إلى (180) في كتابه: (المرأة الجديدة) ، وكذلك علي عبد الرازق.

وهناك أسلوب أخطر رصده د. محمد حسين هيكل في كتابه: (ثورة الأدب) في فترة العشرينات، يقول: (إننا كنا نرى في الجامعة أناسًا مستشرقين وغيرهم، يحتكّون بالطلبة ويقيمون صداقات مع بعض الطلبة النابغين، ويغلفون هذه الأنشطة بالبحث العلمي والأدبي) .

يقول: (ولكني أزعم) ـ والرجل كان رجل فكر وسياسة وأدب ـ يقول: (ولكني أزعم أن هذه الأمور لم تكن متعلقة بالأدب، بقدر ما كانت متعلقة بأمور أخرى خطيرة) .

والشاهد أن الاحتلال الإنجليزي قد نجح نجاحًا بالغ الخطورة في مسألة (التغريب) على حساب الهوية الإسلامية التي ضُيعت جوانب منها كثيرة، حتى وصل الأمر إلى درجة بالغة من الانهيار في فترة الخمسينات والستينات، قبل أن يتدارك الله بفضله ورحمته أمتنا بالصحوة الإسلامية، لتنتعش الهوية من جديد.

لعلنا استطردنا في النموذج المصري؛ لأنه كان أسبق في التغريب، كما أنه كان أخطر؛ لما كانت تمثله مصر من كونها قبلة للكفاءات والطاقات الثقافية والفكرية في العالم الإسلامي، إلى جانب أنه كان يتم تصدير المشاريع الموجودة بها سواء الإسلامية أو التغريبية من خلالها، ولكنا نجد أن الأمور سارت بشكل متقارب في عدة مواضع، كما فعل الفرنسيون في تونس والجزائر، أما تركيا فقد بدأت هذه الأمور فيها منذ وقت مبكر عن مصر.

الشيخ/ محمد بن إسماعيل:

لديّ إضافة بالنسبة لتركيا وما صنعه أتاتورك لتغريب المجتمع هناك، وكيف أنه يتكرر بحذافيره في كثير من بلادنا اليوم، فالرجل قد ألغى الخلافة، وعطل الشريعة، وألغى نص الدستور على أن الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد، وألغى المحاكم الشرعية، والمدارس الدينية والأوقاف، وحوّل الأذان العربي إلى التركية، واستبدل الحروف العربية باللاتينية، وكان يقول: (لقد انتصرت على العدو، وفتحت البلاد، هل أستطيع أن أنتصر على الشعب؟) .

وهو الذي قال: (كثيرًا ما وددت لو كان في وسعي أن أقذف بجميع الأديان في البحر) !، وهو الذي استدعى ـ وهو على فراش الموت ـ السفير الإنكليزي (بيرس لورين) ، في قصر الرئاسة بإستانبول، وعرض عليه أن يخلفه في منصب الرئيس، ورفض السفير بلباقة!

وبلغ الشغف بالتغريب إلى حد أن قال أغا أوغلي أحمد ـ وهو أحد غلاة الكماليين: (إننا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين، حتى الالتهابات التي في رئاتهم، والنجاسات التي في أمعائهم) .

? نود الحديث عن أهم القنوات التي تُسلل من خلالها لتغريبنا.

د/ جمال عبد الهادي:

أخطر قنوات التغريب التي ركز عليها الاستعمار قناتا: (التعليم، والإعلام) ، وقد تكلم عن أثرهما (هاملتون جب) في حديثه عن تغيير الهوية الإسلامية، قال: (ومن ثمّ نستطيع أن نقول ـ حسب سير الأمور ـ: إن العالم الإسلامي سيصبح خلال فترة قصيرة لا دينيًا في كل مظاهر حياته ما لم يطرأ على الأمور عوامل ليست في الحسبان فيتغير اتجاه التيار) .

لذلك فإن النفوذ الغربي قد ركز في سبيل تفريق وحدتنا الإسلامية على التعليم كعامل هام في إدخال مفاهيم الكراهية للإسلام، والافتتان بالغرب من أجل خلخلة الانتماء، والتشويش عليه، ومن ثمّ القضاء عليه مع امتداد الأجيال، وقد جاء ذلك عن طريق الثقافة الغربية المبثوثة في مختلف العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على أساس أن هذه المفاهيم لها طابع نصراني.

أما وسائل الإعلام فقد نجحت في تشكيل ثقافة الأمة، والتأثير عليها إلى حد بعيد جدًا، وسر نجاحها أنها استطاعت أن تتخطى حاجز الأمية بالوسائل المرئية والمسموعة، بل والمقروءة ـ أحيانًا ـ والتي أصبحت تُقرأ عبر التلفاز، وتكمن الخطورة في أنها أصبحت تملك المصداقية لدى رجل الشارع العادي الذي لا يجد أمامه خيارًا آخر سوى تصديقها، أضف إلى ذلك مستوى التقدم المذهل في تقنيات الإرسال والاستقبال، وبرامج المعلومات، وتقنيات التأثير النفسي على الجماهير، من خلال الوسائل الإعلامية التي تحاول فرض الهيمنة الفكرية والثقافية عليها، تحت شعار: (ما أريكم إلا ما أرى) .

? وماذا عن وسائل الإعلام ودورها في أزمة الهوية؟

أ/ جمال سلطان:

يعد الإعلام من أخطر وسائل الاسترخاء، بل والتخدير في العصر الحديث، فخطر التليفزيون ـ على سبيل المثال ـ أعظم من أن يوصف، لذلك لما وصفه أحد الباحثين بأنه: (الأب الثالث) للطفل، رد عليه آخر قائلًا: (لا.. بل هو الأب الأول) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت