نشطت عملية الإفساد في اللغة العربية بصورة كبيرة مثلها مثل بقية الأبعاد منذ وقت مبكر.
فنجد دور (طه حسين) في ذلك؛ إذ نحا منحى أستاذه (مرجليوث) في التشكيك في مصادر اللغة والقرآن، وأكمل معه الدور أحمد لطفي السيد، الذي سعى سعيًا حثيثًا (لتمصير العربية) ، من أجل إزالة فكرة الولاء والبراء، مدعيًا أن المصالح وحدها هي التي تربط بين الشعوب، لذلك استنكر تعاطف المصريين مع إخوانهم في ليبيا منذ الاحتلال الإيطالي، واعترض على دستور عبد الناصر الذي نص على أن مصر جزء من الأمة العربية، فأطلق شعار: (مصر للمصريين) !.
ومن هنا يظهر أن تدمير اللغة لا يعني سوى تحريف العقيدة، وقد قام بدور مشابه لهذا، (الموارنة) في لبنان، الذين أقاموا جمعيات أدبية وشعرية كانت تغذيها قوى مشبوهة لتدمير اللغة والأدب، على اعتبار أنهم مجموعة (الرابطة القلمية) ذات العلاقات الماسونية، والتي ضمت جبران ومخائيل نعيمة، وتعجب من تلميعهم رغم أن كل أعمالهم كانت للكيد للغة العربية، لصلتها القوية بالإسلام، فيقدمونهم لنا كمجموعة أدبية متميزة، مع أن لهم أقوالًا في منتهى الخطورة؛ منها على سبيل المثال: (نحن لن ننتمي إلى الشعب العربي، ولا إلى الجنس العربي ـ نحن فينيقيون) .
ونعجب من إبراز مثل هؤلاء على حساب النماذج الإسلامية الأصيلة، فندرس في الهند عن (طاغور) الهندوسي، ولا نعرف شيئًا عن (إقبال) المسلم، رغم أنه إلى جانب كونه مسلمًا فإنه صاحب قضية، بل وصل اللعب في هذا المجال إلى حد من التسطيح والتحريف، لدرجة أنهم كانوا يدرسون لنا قصيدة لمطران بعنوان: (فتاة الجبل الأسود) ، وكان مطران يتغزل بفتاة صربية كافرة، ويتغنى ببسالتها في مقاومة (الغزو التركي العثماني) ـ حسب قولهم ـ أو (المسلمين) كما هو معلوم، ولأن الأمة قد مزقت وغيب وعيها، فلم يعد أحد يعرف ما الجبل الأسود أو البوسنة، أو أفغانستان أو غيرها؟
وأعود فأقول: إن هذا التدمير قد واكبه تدمير في جميع أبعاد الهوية، سواء في الشريعة أو الاجتماع أو الأخلاق أو السلوك، ولأن الهوية تكامل نفسي وفكري، فلذلك كان عليهم أن يلعبوا على كل الخيوط من أجل إفساد الهوية.
* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
أعظم دافع للتآمر على اللغة العربية هو شدة ارتباطها بالقرآن والإسلام، وأثرها في وحدة الأمة، وقد تم ذلك عبر محاور عدة منها: تشجيع اللهجات العامية، والمطالبة بكتابتها بالحروف اللاتينية، وتشجيع اللغات الأجنبية على حساب لغة القرآن الكريم، وتطعيم القواميس العربية بمفاهيم منحرفة كقاموس (المنجد) ، والطعن في كفاءة اللغة العربية وقدرتها على مواكبة التطور العلمي.
وإذا كانت (الثقافة) هي مجموع القيم التي ارتضتها الجماعة لنفسها، لتميزها عن غيرها من الجماعات، فإن اللغة هي وعاء الثقافة، ومظهرها الخارجي الذي يميزها.
إن لغتنا ليست لغة قومية، لكنها لغة دينية تجمع حولها المسلمين جميعًا عربًا وعجمًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: (اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) اهـ.
وقال المرتضي: (من أبغض اللسان العربي أدّاه بغضه إلى بغض القرآن وسنة الرسول لله، وذلك كفر صراح، وهو الشقاء الباقي، نسأل الله العفو) اهـ.
إن للغة دورًا خطيرًا في توحيد الأمة، وهاك أمثلة توضح ذلك:
الأول: (إيرلندا) التي رزحت تحت الاحتلال الإنكليزي منذ أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، وذاقت منه الويلات، خصوصًا على يد (كرومويل) الذي أعمل السيف في رقاب الإيرلنديين، وشحن عشرين ألفًا من شبابهم وباعهم عبيدًا في (أمريكا) ، ونفى أربعين ألفًا خارج البلاد، وتمكن من طمس هويتهم بمحو لغتهم الإيرلندية، وتذويبهم في المجتمع البريطاني.
ولما حاول بعض الإيرلنديين الوطنيين بعث أمتهم من جديد أدركوا أن هذا لا يتم ما دامت لغتهم هي (الإنكليزية) ، وما دام شعبهم يجهل لغته التي تميز هويته، وتحقق وحدته.
وأسعفهم القدر بمعلّم يتقن لغة الآباء والأجداد؛ دفعه شعوره بواجبه إلى وضع الكتب التي تقرب اللغة الإيرلندية إلى مواطنيه، فهبوا يساعدونه في مهمته حتى انبعثت من رقادها، وشاعت، وصارت (النواة) التي تجمع حولها الشعب، فنال استقلاله، واستعاد هويته، وكافأ الشعب ذلك المعلم بانتخابه أول رئيس لجمهورية (إيرلندا) المستقلة ـ هو الرئيس (ديفاليرا) .
الثاني: (ألمانيا) التي كانت مقاطعات متفرقة متنابذة، إلى أن هبّ (هَرْدِر) الأديب الألماني الشهير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ينادي بأن (اللغة) هي الأساس الذي يوحّد الشعوب، والنواة التي تؤلف بينها، فانطلق الأدباء يعكفون على تراثهم القديم أيام كانوا أمة واحدة، وقاموا بإنعاش تراثهم الأدبي، ونسجوا حوله قصصًا وبطولات خلبت ألباب الشباب، وتغنوا بجمال بلادهم، وأمجاد أسلافهم، فتجمعت عواطفهم على حب الوطن الكبير، وتطلعت نفوسهم إلى الانضواء تحت لواء (هوية ألمانية) واحدة، الأمر الذي مهّد الطريق أمام (بسمارك) لتعبئة الشعور القومي، وتوحيد ألمانيا، وإقامة (الإمبراطورية الألمانية) التي كان (بسمارك) أول رئيس وزارة (مستشار) لها.
الثالث: أعاد اليهود اللغة العبرية التي انقرضت من ألفي سنة وبعثوها من مرقدها، حتى صارت لغة العلم بالنسبة لهم، وألفوا بها أدبًا نالوا به ما يسمى جائزة نوبل، لقد وحدت هذه اللغة لسان الشتات المتفرق بين (70) لغة، وحولته إلى لسان واحد.
ومن هنا يتضح أن إهمال العربية أو تهميشها أو ترقيعها يصب في خط واحد، هو: هدم الهوية الإسلامية!
والعجب كل العجب من شماتة المستشرق الألماني (كاممفاير) إذ يقول: (إن تركيا منذ حين لم تعد بلدًا إسلاميًا) ـ لماذا؟ ـ (فالدين لا يدرس في مدارسها، وليس مسموحًا بتدريس اللغتين العربية والفارسية في المدارس، وإن قراءة القرآن العربي وكتب الشريعة الإسلامية، قد أصبحت الآن مستحيلة، بعد استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية) .
* د/مصطفى حلمي:
* ومن أساليب طمس الهوية: تزييف التاريخ الإسلامي: والتشكيك في حوادثه، وإبراز النماذج المنحرفة، والحوادث المؤسفة، وتضخيمها؛ لتتشبع الأجيال الناشئة بكراهية الإسلام والنفور من تراثهم وتاريخهم.
ومن هذا الباب السخرية من رموز الإسلام من أجل إضعاف التأثر بهم.
* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
من محاولات تزييف التاريخ الإسلامي؛ محاولة تفسيره تفسيرًا قوميًا كما يفعل البعثيون الذين يريدون أن يبتلعوا الإسلام في بطن قوميتهم حين يزعمون أن الإسلام مرحلة في تاريخ العروبة.
أو تفسيره تفسيرًا ماديًا كما يفعل الماركسيون حيث يصورونه على أنه تاريخ صراع طبقي، أو صراع مصالح بين الأمراء والخلفاء والملوك.
والهدف من وراء كل ذلك واضح، وهو الحيلولة بين الأمة وبين اتخاذ تاريخها الحقيقي منطلقًا للنهوض من كبوتها.
أما المنهج الصحيح والواقعي فهو: فهم التاريخ البشري كله على أساس أنه تاريخ دين سماوي واحد؛ هو (الإسلام) ، من لدن آدم ـ عليه السلام ـ إلى محمد لله وحتى يرث الأرض ومن عليها.
ومن تزييف التاريخ أيضًا: طمس المعالم التاريخية، والحفريات التي تصحح تاريخ العقيدة، وتكشف أن التوحيد هو الأصل وأن الشرك طرأ عليه، وكذا الوثائق التي تثبت التحريف في كتب أهل الكتاب، والتي تدعم الإسلام وتؤيده.