ورغم أنهم يعتبرون أن الهوية اليابانية قد تخطت مرحلة تحدي الوجود، على حد قول (لاتوش) في كتابه (تغريب العالم) : (يشكل النجاح الأكيد لليابان الذي خلص آسيا من أسطورة الرجل الأبيض، تحديًا رهيبًا، لتفوق العرق الأبيض) ، رغم هذا التحدي نجدهم يغضّون الطرف عن اليابان؛ لأن أمامهم ما هو أخطر.. أمامهم الإسلام الذي يهددهم كعقيدة في منهجه وأصوله، وكنظام في فكرتي: الدعوة، والجهاد.
* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
من باب التمثيل على ما ذكر الدكتور مصطفى ـ جزاه الله خيرًا ـ أذكر قول (نيكسون) في كتابه: (انتهز الفرصة) : (إننا لا نخشى الضربة النووية، ولكننا نخشى الإسلام والحرب العقائدية التي قد تقضي على الهوية الذاتية للغرب) ! إذن المسألة بالنسبة إليهم مسألة حياة أو موت، لذلك يقول في الكتاب نفسه: (إن العالم الإسلامي يشكل واحدًا من أكبر التحديات لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية في القرن الحادي والعشرين) .
وقال (إيوجين روستو (رئيس قسم التخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية، ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس(جونسون) لشؤون الشرق الأوسط حتى عام 1967: (إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي: فلسفته، وعقيدته، ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي، بفلسفته، وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام، وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية؛ لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها) .
وبهذا يتضح لمن لديه أدنى بصيرة أن هدف القوم الأكبر؛ هو طمس هويتنا باستبدالها بأخرى أيًا كانت، سواء أكانت هوية تفتتنا كالهويات الوثنية أو القومية أو القطرية، أو كانت تميعنا وتذوبنا فيها كالعولمة؛ فالمهم عندهم محو الهوية الإسلامية المتميزة، ليحال بين الإسلام وبين الشعوب، في حاضرها ومستقبلها، ويصبح مثلنا كمثل الذي قيده عدوه، بعد أن جرده من سلاحه وانتزع أظفاره، وخلع أسنانه، ثم وضع الغل في عنقه، والقيد في معصمه، ومع هذا يطلب منه: شكر العدو على هذا الصنيع، والفخر بالغل، والتباهي بالقيد، والاعتزاز باستعباد ذلك السيد إيانا!
هذا التصور ليس وساوس أو تهيؤات، ولكنه حقيقة تشهد لها شواهد، منها قول (كلينتون) : (إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزامًا مقدسًا لتحويل العالم إلى صورتنا) .
? قبل أن نتناول مظاهر الحرب على الهوية، نريد أن نعرف حكم الشرع في المساس بهذه الهوية.
* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
تشويه الهوية أو إضعافها عمل إجرامي تآمري يرقى ـ بل ينحط ـ إلى مستوى الخيانة العظمى لأمة التوحيد. قال الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الجامع الأزهر السابق ـ رحمه الله تعالى ـ: (إن البحث عن هوية أخرى للأمة الإسلامية خيانة كبرى، وجناية عظمى) ، ولقد لعن رسول الله لله من غيّر منار الأرض، فكيف بمن يغير هوية أمة، ويُضلها عن طريق النجاة؟!
في ضوء قوله تعالى: (( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ) ) [ الأنعام: 55] .
?نود أن نذكر -بشيء من التفصيل- مجالات وأساليب طمس الهوية الإسلامية.
* الشيخ/محمد بن إسماعيل:
أما عن الأساليب التي استعملت لطمس هويتنا فمنها:
إضعاف العقيدة، وزعزعة الإيمان: لأن العقيدة هي خط الدفاع الأول، ومن وسائل ذلك: زرع الصراعات الفكرية التي تشوش الأفكار، وتشتت الأذهان عن طريق بعث الفلسفات المضادة للتوحيد، وإحياء التصوف الفلسفي، ونشر تراث الفرق الضالة كالباطنية والمعتزلة والرافضة، وإثارة الشبهات حول القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة النبوية الشريفة، وهز الثقة في السلف الصالح، والتركيز على عرض ما يناقض التوحيد بصورة تغري بالإلحاد، كنظرية (داروين) ، وتاريخ الأمم الوثنية كالفراعنة وغيرهم، دون أي نقد، لا: (( لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ) ) [ الأنعام: 55] ، ولكن لننبهر ونفخر بسبيل المجرمين.
* د/مصطفى حلمي:
يضاف إلى ما ذكره الشيخ محمد في هذا الباب: إنشاء وتغذية المذاهب والمبادئ الهدامة، التي تطعن من الخلف، كالماسونية، والبهائية، والقاديانية، وأمثالهم، واشتغال المسلمين بها لتفتنهم عن دينهم.
* د/جمال عبد الهادي:
ومن هذه الأساليب: محاولة تجفيف المنابع: عبر وسائل التسلية والإعلام، وتشويه صورة الإسلام ورموزه، وتقليص المقررات الشرعية والتاريخ واللغة العربية، باعتبارها روافد تغذي الهوية، وعن طريق حصار المسجد وتكميم أفواه الدعاة، وإغلاق الكتاتيب ومدارس المعلمين التي تخرّج المحفظين.
* د/ مصطفى حلمي:
إضافة لما ذكره الدكتور جمال ـ حفظه الله ـ في هذه النقطة، فإن سياسة تجفيف المنابع المراد منها إلغاء أي سلطة شرعية على المجتمع، وبأي صورة، سواء كانت في الصور التي ذكرها الدكتور، أو في إلغاء المحاكم الشرعية، أو في السيطرة على أوقاف المسلمين، أو في إنشاء مؤسسات معلمنة لتنافس البقية الباقية للمؤسسات الشرعية، كإنشاء كليات الحقوق لتزاحم كليات الشريعة.
* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
في الحقيقة أن من أخطر أساليب طمس الهوية ومسخها (تسميم الآبار المعرفية) التي تستقي منها الأجيال، أعني تخريب مناهج التعليم بكافة مراحله، وهذا ما يسمونه بكل صراحة: (تجفيف منابع الإسلام) !! هذه المؤامرة لم تبدأ اليوم، ولكن منذ أكثر من قرن، ولم تبدأ من الصفر، ولكنها تُستمد من معين المنطلقات التي صنعها الاستعمار والاستشراق والتبشير، ويكفي أن القس (دنلوب) تمكن في عشرين سنة من تخريب العقول والنفوس والضمائر والعواطف من خلال سياسته التعليمية، بصورة ما كانت تحلم بريطانيا بتحقيق ربعها لو جندت في سبيل ذلك مليون جندي بريطاني.
وقد أنطق اللهُ (كرومَر) رائدَ التغريب في مصر بهذه الحقيقة، فقال: (إن الحقيقة أن الشباب المصري الذي قد دخل في طاحونة التعليم الغربي، ومر بعملية الطحن يفقد إسلاميته، وعلى الأقل أقوى عناصرها وأفضل أجزائها، إنه يتجرد عن عقيدة دينه الأساسية) .
* د/ جمال عبد الهادي:
من صور التجفيف التي آتت أكلها الخبيثة عزل المؤسسات الدينية عن أداء دورها أو التأثير في المجتمع وهو ما أفلح (دنلوب) في نيل نصيب منه، وتجري بقية فصول المؤامرة إلى اليوم، وهذه أعظم فرصة للاستعمار الثقافي ليقوم بدوره في الفكر والتشريع والحياة، والذي ينشأ عنه ضعف الوازع الديني رغم أنف كثير من الناس، بل إن كثيرًا منهم قد لبس الإسلام كما يلبس الثوب مقلوبًا.
ولهذا كانت الجولة الحالية لصالح الاستعمار، لما جُنّب الإسلام قصدًا عن المعركة، ولكن لم يكن بالدبابة والمدفع، ولا بالأسطول والطائرة، وإن كانت هذه الأسلحة قد وقفت تدعم سلاحًا أعمق جرحًا وأبلغ أثرًا؛ الأستاذ الذي أفسد التفكير، والعلم الذي زرع الشك، والكتاب الذي أمرض اليقين، والصحيفة التي نشرت الرذيلة، والقلم الذي يزين الفاحشة، والفن الذي يشجع على الفجور، والمهازل التي قتلت الجد والرجولة، والمسكرات التي تذهب بكل شيء، والشهوات التي تخرم المروءة، والكماليات التي تشغل الكواهل، والأعراف التي تناقض فطرة الله، والمعاني الكافرة التي تطرد المعاني المؤمنة من القلوب، هذا هو حصاد تجفيف المنابع المرير، ولله المشتكى!
* أ/جمال سلطان:
ومن أساليب طمس الهوية أيضًا: إفساد اللغة العربية واللعب في مجال الثقافة: