الأزمة بلغت إلى حد أن ـ يضغط علينا قتلة الأنبياء ومحرفو الكلم عن مواضعه، أن نفعل مثلهم، ونمارس هواية (التحريف) التي طالما تلطخوا بها، فقد كان من محاور اتفاقية (كامب ديفيد) : (ضرورة إزالة المفاهيم السلبية تجاه إسرائيل في الإسلام) .
في تاريخ 19/2/1980 عقدت ندوة في جامعة (تل أبيب) حول (دعم علاقة السلام بين مصر و(إسرائيل ) ) أثار اليهود فيها موضوع ما ورد في القرآن من اتهامات ضد اليهود، وتناقلت هذا مطبوعات أخرى بمصر، فقام د. مصطفى خليل ليطمئن اليهود بقوله: (إننا في مصر، نفرق بين الدين والقومية، ولا نقبل أن تكون قيادتنا السياسية مرتكزة على معتقداتنا الدينية) فرد عليه (ديفيد فيثال) قائلًا: (إنكم أيها المصريون أحرار في أن تفصلوا بين الدين والسياسة، ولكننا في إسرائيل نرفض أن نقول: إن اليهودية مجرد دين فقط) .
لذلك نجد مواقف اليهود كلها صادرة عن هويتهم أو قل عن دينهم، ومن أعظم الشواهد على ذلك؛ أنه عندما أراد العدو الصهيوني إقامة سفارة له في القاهرة، أصر على أن يكون موقعها على الجهة الغربية من النيل احترامًا لعقيدتهم في: أن حدود إسرائيل الكبرى تنتهي عند الجهة الشرقية منه. وهو ما يعبر عنه علم دولتهم الذي يحوي خطين أزرقين يرمزان للنيل والفرات، بينهما منطقة السيادة عليها نجمة داود.
(1) ابن هشام: 1/518 ـ 519.
(2) ابن هشام: 1/518 ـ 519.
(3) مسلم: كتاب الإيمان (153) .
(4) مسلم: الحيض، حديث 302. والترمذي في تفسير القرآن (2977) .
(5) سنن أبي داود: كتاب اللباس، حديث 4031.
مجلة البيان* العدد 128*ربيع الثاني 1419هـ * أغسطس 1998م
هويتنا الإسلامية: بين التحديات والانطلاق
?تعتبر الهوية عنصرًا هامًا واستراتيجيًا بالنسبة لأمن الأمم والدول، في إدارتها لصراعاتها مع أعدائها، والمطلع على خطط الدول، سواء الأمنية أو التنموية ـ يلحظ أن قضية الهوية تحظى بعناية خاصة.
فإلى أي حدٍّ يستوعب المسلمون هذه القضية؟ وكيف ينظر أعداؤنا إلى هويتنا من خلال هذا المنظور بالذات؟
* الشيخ/محمد بن إسماعيل:
قضية الهوية قضية محورية أزعجت كل الناس إلا أصحابها، والمشكلة تكمن في أن أكثر المسلمين لمّا يقتنعوا بعدُ أن الأعداء من حولهم، على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم لا هدف لهم إلا استئصال شأفة الإسلام، وطمس الهوية الإسلامية، وصهرها في أتون الأممية وإزالتها من الوجود؛ لأنها لا غيرها تعتبر الخطر الماثل أمام القوى الراغبة في احتواء العالم الإسلامي، والسيطرة عليه سيطرة فعلية ودائمة، قال ـ تعالى ـ: (( ... وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونََكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا... ) ) [ البقرة: 217] .
إن أيّ جماعة تفرّط في هويتها سيسهل ـ في عالم تحكمه شريعة الغاب ـ استقطابها والهيمنة عليها، وتذويب شخصيتها عن طريق تدمير البنية التحتية لهويتها العقائدية والثقافية التي تحفظ عليها سياج شخصيتها، فيتحول الإنسان إلى كائنٍ فارغٍ، مغسول المخ.
أما هذه الأمة فلا عزة لها بدون هويتها (( ... وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ... ) ) [ المنافقون: 8] ، وحين تمسكنا بهويتنا سدنا العالم، وخافت بأسنا الأمم، حتى كانت كنائس أوربا لا تجرؤ على دق نواقيسها، حينما كانت السفن الإسلامية تعبر البحر المتوسط، وحين تخلينا عنها نزع الله من قلوب عدونا المهابة منا، وقذف في قلوبنا الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت.
قال رسول الله: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) (1) .
ومما يؤسف له أن أعداءنا يدركون جيدًا أن (الهوية الإسلامية) أقوى وأخطر سلاح يجب نزعه من المسلمين، بإثارة النعرات القومية.
في عام 1967م ألقى (أبا إيبان) وزير خارجية الدولة اللقيطة محاضرة بجامعة (برنستون) الأمريكية قال فيها: (يحاول بعض الزعماء العرب أن يتعرف على نسبه الإسلامي بعد الهزيمة! وفي ذلك الخطر الحقيقي على إسرائيل، ولذا كان من أول واجباتنا أن نُبقي العرب على يقين راسخ بنسبهم القومي لا الإسلامي) !.
هذا مع أن المجتمع اليهودي في فلسطين يتألف من مهاجرين من (102) دولة مختلفة، يتكلمون (70) لغة مختلفة من شتات الأرض، جمعتهم عقيدتهم الواحدة رغم اختلاف اللغات والألوان والقوميات والعناصر والأوطان وهذا (أدولف كريمر) اليهودي يعلنها: (جنسيتنا هي دين آبائنا، ونحن لا نعترف بأية قومية أو جنسية أخرى) .
وجاء في صحيفة (أحرونوت) اليهودية بتاريخ 18/3/78: (إن على وسائل إعلامنا أن لا تنسى حقيقة هامةً هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي أننا نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا، في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عامًا، ويجب أن يبقى الإسلام بعيدًا عن المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب أن لا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل، وبأي أسلوب، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش، لإخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا) !
وصدق رسول الله إذ يقول: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) وهذا ما يدركه أعداؤنا، ولذلك قال (أشعيا بومان) : (إن شيئًا من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي من الإسلام، ولهذا الخوف أسباب، منها: أن الإسلام منذ ظهر في مكة لم يضعف عدديًا، بل إن أتباعه يزدادون باستمرار، ومن أعظم أسباب الخوف وأفظعها أن هذا الدين من أركانه الجهاد) .
وقد رصد الأستاذ يوسف العظم سببًا من أعظم أسباب هزيمة 1967م؛ فقال: (لقد سمعت وزير إعلام عربيًا، إبّان حرب حزيران يقول:(دعونا من خالد بن الوليد وصلاح الدين، ولا تثيروها حربًا دينية) قال ذلك، وهو يعلق على ما يذيعه بعض الدعاة، من حث الجند على الثبات وتشجيع للمقاتلين على الجهاد والاستشهاد، فقلت لمن كان حولي: (منهزمون ورب الكعبة!) .
للأسف أصبح عدونا يعي هذه الحقيقة أكثر منا.
* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
نعم، الأمر متجسد في حسهم، لدرجة أن (إسحاق نافون) رئيس كيانهم الأسبق، في خطابه بجامعة (بن جوريون) ، أمام السادات، في 27/5/1979م، قال: (إن تبادل الثقافة والمعرفة لا يقل أهمية عن الترتيبات العسكرية والسياسية) ، وجلّى الأمر أكثر، أمام قيادات الحزب الوطني بمصر في 28/10/1980م حين قال: (إن أي صياغة أدبية أو دينية تخالف التصورات الإسرائيلية تعد مساسًا بالسلام الإسرائيلي) !.
?نريد أن نرسم إطارًا نظريًا لحجم العداء الغربي للهوية الإسلامية، يعيننا على إدراك مكائده العملية.
* د/مصطفى حلمي:
قضية الهوية ظاهرة جدًا في تفكير ساستهم ومنظريهم، والكلام فيها كثير، وكثيرًا ما تعبر مواقفهم السياسية عن هذا المنطلق، لذلك هم يعتبرون أن أمامهم تحديات؛ لأنه ثبت لهم عبر مراكز بحوثهم ودراستهم وجامعاتهم ومستشرقيهم أن هذه الأمة عصية على الهزيمة إذا حافظت على شخصيتها الإسلامية، ومن ثَمّ فالطريق الوحيد للقضاء عليها؛ هو القضاء على تفرد شخصيتها؛ لذلك نجد أن الهدف الأساسي من النظام العالمي الجديد، وما يعرف بالعولمة وأمركة العالم، ومحاولة التمييع بين الأمم، نجده كله: القضاء على شخصية الأمة المتميزة من أجل تفتيتها والقضاء عليها.