فهرس الكتاب

الصفحة 2080 من 3028

أما بداية الأزمة الفعلية حديثًا.. فقد كانت مع الاحتلال الفرنسي لمصر وحملة نابليون. وقد كان من أسباب هذه الغزوة ما رصده لويس التاسع، عندما وقع أسيرًا بدار ابن لقمان، بالمنصورة؛ إذ أدرك بعد التمحيص والتدقيق أن سبب إخفاق الغزو الصليبي للعالم الإسلامي إنما يرجع إلى عدة أمور كان أبرزها: احتفاظ العالم الإسلامي بهويته الإسلامية، وما ترتب على ذلك من وحدته، وإحياء فريضة الجهاد والتصدي للغزو، وتوصل (لويس التاسع) إلى أن الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، لن تنجح إلا إذا واكبها غزوة فكرية تستهدف إفساد العقائد والأخلاق، من خلال إفساد برامج التعليم لإفساد الدين واللغة، والعبث بالتاريخ، وإفساد المرأة لتحطيم بناء المجتمع!

* د/مصطفى حلمي:

كما ذكر الدكتور جمال ـ جزاه الله خيرًا ـ فإن الأزمة بدأت مع دخول نابليون بمدفعه ومطبعته إلى مصر، وتحويلها من مركز بث إسلامي إلى منطقة متفرنجة، وبهذا بدأت عملية من الغزو المنظم المدروس الذي يمهد لإخفاء الهوية تدريجيًا، أي أن الهوية أصبحت على خريطة الأهداف.

لكن الفرنسيين سرعان ما خرجوا ليكمل الإنجليز الدور، وينجح القس (دنلوب) في قلب ميزان التعليم وإقامته على الفصل بين الدين والحياة، لتتخرج أجيال متغربة من المثقفين ـ بينها وبين هويتها حواجز نفسية!

ويشبه ما جرى في مصر، ما فعلته فرنسا في الجزائر، وجاءت أمريكا بعد ذلك لتكمل مسار الأزمة بمنظومتها الخداعة.

وإذا اختصرنا فيمكن القول: إن الأزمة الحديثة بدأت بالاستعمار الغربي الحديث للبلاد الإسلامية لا سيما الإنجليزي والفرنسي منه.

كانت الأزمة إلى حد الاحتلال الإنجليزي لمصر تعتبر إقليمية، ولكن نقطة التحول أو الانقلاب القوي في خط الهوية تمثلت في إسقاط الخلافة الإسلامية على يد أتاتورك؛ لأن الخلافة كانت تعبر عن رابطة قائمة على الإسلام تظلل الجميع، وكانوا يحسبون لها كل حساب.. فنجد إنجلترا تتوسل إلى الخليفة العثماني بكل السبل حتى لا يعلن الجهاد عليها في الهند، لذعرها من فكرة الجهاد، وهذه نقطة ينبغي أن تُجَلّى جيدًا أمام الأجيال، نظرًا لما يجري من تشويه صورة الخلافة العثمانية من خلال التعليم؛ لأن من يعود إلى المراجع الموثقة يرى حجم الزيف الذي يقدم لنا. والأمر العجيب أن اليهود كانوا يدركون قيمة الخلافة العثمانية أكثر منا، فقد قرأت في بروتوكولاتهم عبارة تقول: (الوصول إلى القدس لا بد أن يمر بالقسطنطينية) !! وفعلوها.. وكانت ضربة في سويداء القلب!!.

* أ/جمال سلطان:

أريد أن أركز في الكلام السابق على بعض التطورات التي لم تسبق بمثلها من قبل:

ـ فحملة نابليون جاءت معها بمطبعة!!

ـ وكان أول بيان وزعه نابليون يخاطب فيه المصريين يقول إنه يحترم النبي لله، وإنه يحب الكعبة، وإنه جاء ليحررهم من ظلم المماليك!

ـ كما جاء معه بمجموعة من الساقطين (فنانين ـ رسامين ـ راقصات!) وهذا الأسلوب يعد نمطًا جديدًا ظهر به الاستعمار إلى جانب القهر العسكري، لإعادة تشكيل الشخصية المسلمة؛ لأن هذه هي التي تنهي المقاومة من أساسها، ولكن نابليون خاب ظنه وأخفقت حملته.

ـ لكن الخط سار في انحدار بمجيء محمد علي، الذي أكمل الدور بإرسال البعثات إلى فرنسا وإيطاليا، ولكن يمكن اعتبار هذا الخط يمثل خطرًا على الهوية دون أن يحطمها.

ـ ومع دخول الإنجليز بدأ التغريب الحقيقي والعميق؛ حيث استفادوا من التجارب السابقة، ومن خبراتهم الواسعة، وبدأوا يعملون بتخطيط طويل المدى، وليس عملًا أرعن كما فعل الفرنسيون.

* د/مصطفى حلمي:

أود أن أورد إضافة قصيرة إلى هذا الكلام القيم، وهو أن حملة نابليون جمعت بين هدفين للحملة: استعمار الأرض الذي يمثله المدفع، واستعمار العقل أو بتعبير يناسب موضوعنا: تغييب الهوية أو تدميرها والذي قامت به المطبعة، لإزالة النخوة، ولتسهيل سياسة الأمة وفق ما يريد لها المستعمر.

? هل يمكن لنا أن نبرز بعض مظاهر هذه الأزمة التي من خلالها نتبين حجمها؟

* الشيخ/محمد بن إسماعيل:

إن نظرةً إلى الحيز الإعلامي الذي شغله موت (أميرة ويلز) في كل أرجاء العالم المنتسب إلى الهوية الإسلامية، وما صاحبه من الطقوس الكنسية التي اقتحمت معظم البيوت، وبين الحيز الذي شغله موت الشيخ محمود محمد شاكر ـ رحمه الله ـ في الفترة نفسها، تشرح لنا إلى أى مدى بلغت أزمة الهوية في عصرنا. ومع هذا فإن مظاهر الأزمة متكاثرة، ويمكنك أن تراها في:

ـ الشباب الذي يعلق علم أمريكا في عنقه، وفي سيارته..

ـ وفي الشباب الذي يتهافت على تقليد الغربيين في مظهرهم ومخبرهم..

ـ وفي المسلمين الذي يتخلون عن جنسية بلادهم الإسلامية ـ بغير عذر ملجئ ـ ثم يفتخرون (بالفوز) بجنسية البلاد الكافرة..

ـ وفي المذيع المسلم أسير (الحظ الزائل) ، الذي يعمل بوقًا ينفخ فيه (العدو الصائل) ؛ من أعداء دينه وهويته، من أجل حفنة دولارات أو جنيهات!..

ـ وفي الجاسوس والعميل الذي يخون أمته، ويبيع وطنه، ويفشي أسراره..

ـ وفي أستاذ الجامعة الذي يسبّح بحمد الغرب صباح مساء..

ـ وفي مدعي الإسلام الذي يقبل الانتظام في جيوش الدول الكافرة المحاربة لأمة الإسلام..

ـ وفي كل ببغاء مقلد يلغي شخصيته، فيرى بعيون الآخرين، ويسمع بآذانهم، ويسحق ذاته ليكون جزءًا من أولئك الآخرين، والعجيب أنه يعود مذمومًا مخذولًا من هؤلاء جميعًا، فيتحقق فيه قول القائل:

باء بالسّخطتين فلا عشيرته رضيت عنه ولا أرضى عنه العدا

* د/جمال عبد الهادي:

الأزمة بلغت إلى حد أن الأمة أصبحت تستورد قيمها من غيرها لتبني حضارتها، ولا شك أن هذه أعظم مخادعة للذات؛ لأنها تبني بيتها على جرف هار!

إن من يتصور أن في اتباع قيم الآخرين ومنهاج حياتهم الوجاء والوقاية من بطش أمم شاء الله لها العلو في الأرض زمنًا، والإفساد فيها إلى حين لَهُوَ واهمٌ؛ لأن صِدام الحضارات والأديان والثقافات أصبح حقيقة واقعة، ومعلوم من التاريخ والواقع بالضرورة، والله يقول: (( وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) ) [البقرة: 120] .

? إذن فإن في اتباع قيمهم إسقاطًا لمقاومة غزوهم لنا.

* د/مصطفى حلمي:

نعم.. لأننا إذا ما قارنا بين ماضي الأمة وحاضرها في مقاومة الغازي، فسيظهر أثر الهوية في أن الأمة عندما قامت تحت راية التوحيد، نجحت في الحفاظ على كيانها، ويوم أن رفعت شعارات أخرى لا تعبر عنها، ظهر الفشل والعمالة والتآمر.

ولنأخذ على سبيل المثال: مصر، فنجد أن الشعب في ثورة 1919م لم يرفع شعارًا غير الإسلام، لذلك كان الصراع متجسدًا في النفوس، على أنه صراع بين الحق والباطل، وكانت القيادة وقتها متمثلة في الأزهر الذي نجح في إجلاء الفرنسيين، ولكن بعد أن بدأت الولاءات القومية والوطنية تزاحم الهوية المسلمة، ظهرت الأزمة في مواجهة المستعمر.

وعلى وجه العموم فالناظر في تاريخ مصر، أو المغرب، أو الجزائر، أو الهند يرى كيف تدهور الحال على يد العسكر في ظل القوميات المختلفة، بعدما انسلخت الأمة من دينها تحت مظلة القومية، ومن هنا نجح المستعمر في زرع (إسرائيل) التي ترفع شعارها العقدي، وتحاربنا من منطلق دينها، بينما يُتهم من يستحضر البعد الديني في الصراع بالرجعية، ويُحجر على من يرفع راية الإسلام!

* الشيخ /محمد بن إسماعيل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت