يمكن تقسيم دوائر الهويات إلى ثلاث دوائر متباينة أحيانًا، ومتداخلة أحيانًا أخرى، وهي: الانتماء الجغرافي، والانتماء العرقي، والانتماء الديني. والانتماءان الأولان هما المذكوران في قوله ـ تعالى ـ: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ) [الحجرات: 13] .، والإسلام ـ بهذا ـ أقرّ بهما دون أن يكون لأحدهما استعلاءٌ عنصري، وذلك كله منصهر داخل الرابطة العقدية (رابطة الإسلام) الذي صنع للأمة أسلوب حياتها ونظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ لذلك فإن من أبرز ما يميز هويتنا أن مرجعياتها لا تفرق بين الأجناس أو الأعراق، وهذا يعكس قوة الوحدة السياسية المبنية على أساس عقدي واحد هو الإسلام.
* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
الهوية الإسلامية لا تعارض الشعور الفطري بحب الوطن الذي ينتمي إليه المسلم، ولا الحرص على خير هذا الوطن، بل المسلمون الصادقون هم أصدق الناس وطنية؛ لأنهم يريدون لوطنهم سعادة الدنيا والآخرة بتطبيق الإسلام، وتبني عقيدته، وإنقاذ مواطنيهم من النار، وحمايتهم من التبعية لأعدائهم الذين لا يألونهم خبالًا، وقد تجلى هذا المفهوم واضحًا في قصة مؤمن آل فرعون في سورة غافر، ويتجلى في عصرنا في مواقف وجهاد وصمود رموز الدعوة الإسلامية في كافة وطننا الإسلامي.
أما الوطن الحقيقي الخالد، الذي لا يبغي أهله عنه حولًا فهو الجنة؛ حيث أقام أبوانا في الابتداء، ونحن في الدنيا منفيون عن هذا الوطن، ساعون في العودة إليه.
والمنهج الإسلامي هو الخريطة التي ترسم لنا طريق العودة إلى ذلك الوطن. كما أعرب عن ذلك الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ بقوله:
فحيّ على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيّمُ
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلمُ؟
لا كما قال من سفه نفسه:
وطني لو شُغِلْتُ بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
أما في الدنيا.. فأحب الأوطان إلى قلب المؤمن: (مكة المكرمة) ، و (المدينة النبوية) ، و (بيت المقدس) ، وقد بيّن النبي لله أن محبته مكة المكرمة مبنية على أنها (أحب بلاد الله إلى الله) .
فمحبتنا لهذه البقاع التي شرفها الله وباركها وأحبها فوق محبتنا لمسقط الرأس، ومحضن الطفولة، ومرتع الشباب.
أما ما عدا هذه البلاد المقدسة، فإن الإسلام هو وطننا وأهلنا وعشيرتنا، وحيثما كانت شريعة الإسلام حاكمة وكلمة الله ظاهرة.. فثم وطننا الحبيب الذي نفديه بالنفس والنفيس، ونذود عنه بالدم والولد والمال:
ولست أدري سوى الإسلام لي وطنًا الشام فيه ووادي النيل سيان
وحيثما ذكر اسم الله في بلد عددت أرجاءه من لب أوطاني
أما (الوطنية) بمفهومها المعروف اليوم، المحصور في قطعة أرض رسم حدودها أعداؤنا، أو الارتباط بعرق أو لون أو جنس، فهذا مفهوم دخيل لم يعرفه السلف ولا الخلف، وإنما طرأ علينا ضمن ركام المفاهيم المخربة التي زرعها الاستعمار وأذنابه لمزاحمة الانتماء الإسلامي، وتوهين الهوية المسلمة التي أذابت قوميات الأمم التي فتحتها في قومية واحدة هي: (القومية الإسلامية) ، ودمجتها في أمة التوحيد.
ولخطر هذه القضية أسوق شهادة (شاهدين من أهلها: أولهما: المؤرخ اليهودي(برنارد لويس) الذي قال: (كل باحث في التاريخ الإسلامي يعرف قصة الإسلام الرائعة في محاربته لعبادة الأوثان منذ بدء دعوة النبي، وكيف انتصر النبي وصحبه، وأقاموا عبادة الإله الواحد التي حلت محل الديانات الوثنية لعرب الجاهلية، وفي أيامنا هذه تقوم معركة مماثلة أخرى، ولكنها ليست ضد اللات والعزى وبقية آلهة الجاهليين، بل ضد مجموعة جديدة من الأصنام؛ اسمها: الدولة، والعنصر، والقومية، وفي هذه المرة يظهر أن النصر حتى الآن هو حليف الأصنام، فإدخال هرطقة القومية العلمانية، أو عبادة الذات الجماعية؛ كان أرسخ المظالم التي أوقعها الغرب على الشرق الأوسط، ولكنها مع كل ذلك كانت أقل المظالم ذكرًا وإعلانًا...) ا.هـ.
ويقرر حقيقة ناصعة فيقول: (فالليبرالية، والفاشية، والوطنية، والقومية، والشيوعية، والاشتراكية، كلها أوروبية الأصل مهما أقلمها وعدّلها أتباعها في الشرق الأوسط، والمنظمات الإسلامية هي الوحيدة التي تنبع من تراب المنطقة، وتعبر عن مشاعر الكتل الجماهيرية المسحوقة، وبالرغم من أن كل الحركات الإسلامية قد هزمت حتى الآن، غير أنها لم تقل بعدُ كلمتها الأخيرة) .
أما الشاهد الثاني فهو وزير المستعمرات الإنكليزي (أورمسبي جو) الذي يقول في وثيقة تاريخية: (إننا في السودان ونيجيريا ومصر ودول إسلامية أخرى، شجعنا ـ وكنا على صواب ـ نمو القوميات المحلية، فهي أقل خطرًا من الوحدة الإسلامية أو التضامن الإسلامي) ا.هـ.
? يقال: إن أزمة الهوية أزمة عالمية.
فإلى أي مدى بلغت؟.. ومتى بدأت إسلاميًا؟ وما هي أجلى مظاهرها؟
* أ/ جمال سلطان:
أزمة الهوية أزمة عالمية، ففرنسا مثلًا ترى أن الأمركة خطر داهم يهدد أمنها القومي، والفرنسيون في فزع شديد من هذا الخطر الداهم.. هذا رغم أن كلا الطرفين تشملهما قاعدة التجانس الديني والحضاري والسلوكي والقيمي؛ إلا أن هذا لم يمنع فرنسا من استشعار الخطر من الأمركة. إذن فنحن ـ من باب أوْلى ينبغي ـ أن نكون أشد فزعًا من غيرنا. وبالمناسبة فإن فرنسا من أكثر الدول الغربية خوفًا على هويتها، ومن بين مخاوفها الشديدة الغزو الثقافي الإسلامي؛ لذلك حظرت دخول عدد كبير من الكتب الإسلامية إلى أراضيها، كما حظرت امتلاك الدش في بعض ضواحي باريس ذات الوجود الإسلامي والعربي، لتمنع الجاليات الإسلامية والعربية من استقبال البث العربي، والذي يوجد قدرًا من الحاجز النفسي والثقافي الذي يحول دون ذوبان الجاليات في المجتمع هناك، هذا رغم ما وصل إليه الإعلام العربي من إسفاف!
وفي أماكن أخرى من العالم يحذر الباحثون من خطر الأزمة التي تعانيها الهوية في بلادهم، كما في الصين واليابان وفي كثير من البلدان الإفريقية.
* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
لعلنا نذكر الصراع السياسي الذي احتدم في كندا حول مقاطعة (كويبك) بين المتحدثين بالإنكليزية، وبين المتحدثين بالفرنسية الذين يريدون الاستقلال بهذه المقاطعة.
ونذكر أيضًا أن فرنسا رفضت التوقيع على الجزء الثقافي من اتفاقية (الجات) ، والذي يضمن للمواد الثقافية الأمريكية، أن تباع بفرنسا بمعدلات اعتبرها الفرنسيون تهديدًا صارخًا لهويتهم القومية، وطالبوا بتخفيض هذه المعدلات.
ومتى بدأت الأزمة إسلاميًا؟
* د/جمال عبد الهادي:
في الواقع أن الأمر سار في خط تاريخي، في محاولات لإفساد الهوية الإسلامية، كمدخل لتنحية الأمة عن مركز القيادة.
أما محاولات الإفساد فقد بدأت منذ فتنة السبئية ـ منذ عهد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ وكيف أن عبد الله بن سبأ بدأ يدس دسائسه التي تبلورت وتطورت في شكل عقيدة باطنية.
أما الانحراف عن الهوية فيمكن توقيت بدايته بترجمة الفلسفة اليونانية على عهد المأمون، وما ترتب على ذلك من ظهور كثير من الفرق كالمعتزلة والجهمية، وفرق من الباطنية كإخوان الصفا، وما ترتب على ذلك من فساد في العقائد، وظهور علمي الكلام والمنطق، حتى أصبحا هما القالب الذي تُقدّم فيه العقائد الإسلامية إلى اليوم.