ـ ومن خصائصها الوسطية في كل شيء كما في قوله: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا... ) ) [البقرة: 143] .
ـ والانتساب إليها انتساب إلى خير أمة، كما قال ـ تعالى ـ: (( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تًَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ ) ) [آل عمران: 110] ؛ ولذلك كان بعض المجاهدين الفلسطينيين يواجه (كاهانا) ، ويرد عليه مصححًا مزاعمه: (نحن شعب الله المختار) .
إن الهوية الإسلامية انتماء إلى الله ـ عز وجل ـ وإلى رسول الله لله، وإلى عباد الله الصالحين، وأوليائه المتقين، من كانوا، ومتى كانوا، وأين كانوا؛ قال ـ تعالى ـ: (( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ )) [المائدة: 55، 56] .
وقال ـ سبحانه ـ: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ... ) ) [التوبة: 71] .
وكل مسلم في صلاته يقول: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) .
يقول الشاعر:
ومما زادني شرفًا وفخرًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيًا
4-إن الانضواء تحت هذه الهوية والاندماج فيها، ليس اختياريًا ولا مستحبًا، ولكنه فرض متعين على كل بني آدم المكلفين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال ـ عز وجل ـ: (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا الَذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إلَهَ إلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ) [الأعراف:158] .
وروى مسلم بسنده عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله لله: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النار) (2) .
ولذلك كلّف الله ـ تعالى ـ هذه الأمة، بدعوة جميع البشر إلى الهوية الإسلامية، وهي في هذه الوظيفة المقدسة نائبة عن رسول الله لله.
5-إنها هوية تستوعب كل مظاهر الشخصية، وتحدد لصاحبها بكل دقة ووضوح، هدفه ووظيفته وغاياته في الحياة: (( قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ(162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ )) [الأنعام: 162،163] .
6-إنها مصدر العزة والكرامة للمتمسكين بها، كما قال ـ تعالى ـ: (( لَقَدْ أَنزَلْنَا إلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ) [الأنبياء:10] .
وقال ـ تعالى ـ: (( ... وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ) ) [المنافقون:8] .
وهذا ما استشعره عمر ـ رضي الله عنه ـ حين قال: (إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما نبتغي العزّ في غيره أذلنا الله) .
7-وهي هوية متميزة عما عداها: (( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) ) [الكافرون: 6] ، ولكي يبقى هذا التميز ثابتًا في كل حين، أوجب الله علينا أن ندعوه في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة ـ على الأقل ـ أن يهدينا الصراط المستقيم، المغاير بالضرورة لمنهج الآخرين: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أََنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ )) [الفاتحة: 6، 7] .
وقد حسم النبي لله ذلك بقوله: (ليس منا من عمل بسنة غيرنا) (3) ، وقد عرف اليهود ذلك، وشعروا أنه لله كان يتحرى أن يخالفهم في كل شؤونهم الخاصة بهم، حتى قال قائلهم: (ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه) (4) ولهذا قال لله: (من تشبه بقوم فهو منهم) (5) وقد صح كثير من الأحاديث التي تفصّل هذه المخالفة وتحض عليها، في كثير من أبواب الدين.
* أ/جمال سلطان:
إضافة بسيطة إلى ما ذكر في هذا الجانب.. وهي أن: من السمات التي تميزت بها الهوية الإسلامية لفظ (الأمة) الذي يطلق على جميع المنضوين تحتها، هذا اللفظ بما يحويه من دلالات وإيحاءات لم تعرفه لغة من لغات الأرض قاطبة سوى لغة هذه الأمة.
? مع هذا التميز الذي ترسخه الهوية نجد ظاهرة عكسية داخل المجتمع الواحد؛ هي ظاهرة (الاغتراب) التي تهدد الهوية من الخلف.
كيف نفهم هذه الظاهرة في إطار ها الصحيح؟ وماذا عن مخاطرها؟
* الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
كلما توافقت هوية الفرد مع هوية المجتمع، كلما تعمق إحساسه بالانتماء لذلك المجتمع واعتزازه به وانتصاره له.
أما إذا تصادمتا فهنا تقع أزمة الاغتراب التي أشار إليها رسول الله لله حين قال: (طوبى للغرباء) ، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: (ناس صالحون في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) .
ولأن الانتماء الوجداني والانتساب إلى (الهوية) ينبع عن إرادة النفس، فهي قابلة له، راضية عنه، معتزة به، فإن هذا الانتماء هو الزمام الذي يملك النفس، ويحدد أهداف صاحب الهوية، ويرتب أولياته في الحياة، فتنصبغ النفس به، وتندمج فيه، وتنتصر له، وتوالي وتعادي فيه، مع رفض الانتساب إلى أي هوية مضادة أو مزاحمة، أي أن هذا التفاعل النفسي ينتج عنه بناء حواجز نفسية بين الشخص وبين من يخالفونه الهوية؛ ومن هنا تنشأ الأزمة.
* أ/جمال سلطان:
الأقليات غالبًا ما تعيش حالة من القلق والنفور، بالنسبة للجماعة؛ لشعورها بالاغتراب، وأنها خارج كيان الجماعة، ولهذا الأمر تداعياته، التي من أخطرها، توجه الأقلية نحو الخارج، وشعورها بالتقارب النفسي مع أعداء الأغلبية، والتحالف معهم ضد مصالح الأغلبية، كما فعل الموارنة ـ في لبنان ـ الذين تحالفوا مع الغرب ضد المسلمين، وكما فعل الأرمن الذين تحالفوا مع روسيا ضد المسلمين، ويهود الدونمة في تركيا الذين تحالفوا مع الغرب لإسقاط الخلافة.
والخطر الآن يتجسد في أن بعضًا من هذه الأقليات بدأت تنتعش لتعارض المصالح العامة داخل بعض نظم الحكم القائمة.
? إشكالية أخرى تواجهنا عند تحديد المفهوم الدقيق للهوية الإسلامية؛ ألا وهي: طبيعة العلاقة بين الهوية الإسلامية وبين الهوية الوطنية أو القومية.
هل هي علاقة التعارض أم التكامل؟
* د/جمال عبد الهادي: