أعتقد أن هذه الظاهرة سيف ذو حدين؛ فهي ولا شك دعوة خبيثة ـ وإن كانت عند البعض عن حسن نية ـ ستؤدي إلى تقويض اللغة العربية في أذهان الأمازيغ كما وقع في تركيا (لا قدر الله ذلك) ، وهي من جهة أخرى قد تنقلب ضدًا على إرادة التيار الإلحادي العنصري في الحركة، فتكون وسيلة ناجحة لتعميق الإسلام والهوية الإسلامية في نفوس الأمازيغ؛ لو نجحت فكرة الكتابة باللغة الأمازيغية. ولا أظن ذلك ناجحًا.
* الدكتور الحسين كنوان:
كان ينبغي أن نفرق منذ البداية بين الأمازيغية كمعطى تاريخي اجتماعي أصيل على أرض المغرب؛ بجميع ما يحمله من مكونات ثقافية وحضارية، وبين الحركة الأمازيغية كمفهوم سياسي محض، وإن كانت تستند في ادعاءاتها إلى التاريخ، وهذا المفهوم الأخير لمصطلح «الأمازيغية» هو الذي يثير شيئًا من الحساسية عند البعض، ولولا هذه الحساسية لاعتبرت الحركة كأي حزب سياسي، ولكان من الواجب على المؤسسات التي تمثل المغاربة تأطيرًا أن تطالب بتدريس الأمازيغية في إطار مفهوم ثقافي شامل؛ لأنه لا يعقل أن يجدف المغرب بجناح واحد في هذا المجال، ولأن اللغة الأمازيغية إن لم تكن لغة المصالح؛ أي لغة العلم نظرًا لأسباب تاريخية طبيعية يمكن أن تنطبق على أي لغة من اللغات الإنسانية التي ضعف أهلها (كما هو حال اللغة العربية في وقتنا الحاضر) ، فهي لغة المشاعر لدى شريحة اجتماعية لا يستهان بها، أضف إلى ذلك أنها علميًا على مستوى أسماء الأعلام قد تفيد المؤرخ والجغرافي وعالم الحفريات، وربما حتى الاجتماعي والسياسي؛ ولذا من الإنصاف للتاريخ أن يطالب المغاربة بإتمام شخصية ثقافتهم؛ لا أن يترك ذلك لفئة معينة، أو تجنح بها الأهواء، وقصور الرؤية، فتسيء من حيث كان قصدها الإحسان.
والمغرب منذ بداية التخطيط لعهد الحماية، وهو خاضع بشكل ممنهج للغزو الفكري واللغوي، بما لا يمت إلى شخصيته بصلة، وإنما بما يمثل الأطماع الأجنبية إلى درجة أن اللغة العربية التي هي في الدرجة الأولى دستوريًا صارت ثانية على المستوى الفعلي، وربما تصبح في الدرجة الثالثة، ثم الرابعة؛ إذا بقيت الأمور على ما هي عليه؛ إذ إن كثيرًا من المغاربة المحسوبين على العروبة لا يعرفون اللغة العربية، ومن عرفها منهم لا يحرص على استعمالها في الدرجة الأولى كتابة ومخاطبة إلا من رحم الله.
وربما لا يرغب البعض الآخر في تعلمها وتعليمها لأبنائهم، وهذا ما يفسر اكتظاظ مدارس البعثات الثقافية بأبناء طبقة من المغاربة؛ لأن الشعور بالانتماء الحضاري ضعيف عند هؤلاء، إن لم يكن قد زال تمامًا.
في هذا المناخ يحق لمن يطالب بتعليم الأمازيغية أن يفعل ذلك من وجهة نظري؛ لأنها اللغة التي تسهم في حماية الهوية المغربية ـ إذ الرجوع إلى الأصل أصل ـ لما بدأ التفريط في المقومات التي تجمع المغاربة منذ قرون، وفتح الباب على مصراعيه لحرية الانتماء الإيديولوجي؛ هنا يكون تدريس الأمازيغية أمرًا واجبًا؛ لأنها وحدها المعطى الحضاري الوحيد الذي يحتضن بعض المفاهيم الأصلية، ولا نحتاج إلى تقديم أدلة على تنامي عدد المعرضين عن العروبة والإسلام من المغاربة غير الأمازيغ. وعليه يكون هذا المطلب (تدريس الأمازيغية) إيجابيًا باعتبار الحيثيات المذكورة.
أما الإصرار على الكتابة بالحرف الأمازيغي فإنه يمكن القول ـ بقطع النظر عن الخلفية التي تدفع إلى ذلك ـ بأن الحرف العربي على الحالة التي هو عليها لا يمثل مخارج أصوات الأمازيغية بالشكل الكيفي المطلوب، ولعل هذا التمثيل قد يتوفر في الحرف الأمازيغي؛ لأنه موضوع أصلًا لذلك؛ حيث يجمع بين الشكل والنطق في ذهنية المتعلم. أما الحرف العربي فإن كان لا بد من استعماله فإنه ينبغي إدخال بعض التعديلات عليه بإضافة علامات يصطلح عليها لبعض الحروف؛ حتى تمثل أصواتًا أمازيغية لا وجود لمقابلاتها في الحرف العربي الموجود حاليًا.
( البيان ) : كيف تقومون موقف الحركة الإسلامية من اللغة الأمازيغية؟ وكيف تقومون تعاملها الدعوي معها؟ وذلك باعتبار أن الحركة الإسلامية حركة ذات بعد حضاري شمولي؛ الأصل فيها أن تكون لها ورقة علمية وتصور معين لكل مسألة اجتماعية ذات ارتباطات بالوجود التاريخي للوطن، ثم أن يكون - بناء على ذلك - لها أسلوبها الخاص لمعالجة مثل هذه الملفات؟!
* الدكتور الحسين كنوان:
أخي الكريم! يبدو أن سؤالكم هذا في حاجة إلى شيء من التحوير؛ حتى ينسجم أكثر مع القصد المتبادر إلى الذهن؛ ولذا أقترح عليكم تعويض جملة «الحركة الإسلامية» بـ «الحركات الإسلامية» ؛ لأنه ليس ثم وحدة حركية تامة متطابقة في وجهات النظر بين العاملين في الحقل الدعوي بالمغرب على المستوى الشكلي على الأقل، وإلا لما تعددت التسميات وتنوعت القيادات. وقد يكون لأسباب هذا الاختلاف الشكلي أثر في اختلاف وجهات النظر إزاء هذا الموضوع، والذي حملني على هذا الاقتراح هو قولكم: (وكيف تقومون تعاملها الدعوي معها؟) ؛ لأن التعامل أوْلى أن يكون مع الذوات منه مع المعاني، والله أعلم. وحتى لا أكون متعسفًا أجيب عن سؤالكم كما هو، ثم أضيف إجابة عما يحتمل من القصد المفترض.
إن كان قصدكم هو تقويم موقف الحركة الإسلامية من اللغة الأمازيغية - كما هو وارد في سؤالكم ـ فإن الأمر واضح؛ لأن الإسلام رسالة، واللغة أداة تبليغ، وعليه لا يمكن أن يكون موقف الداعية المسلم من أي لغة إلا موقفًا إيجابيًا؛ لأنها صلة وصل بينه وبين المدعوين، ولعل من شروط صحة كونه داعية في بيئة معينة أن يعرف لغة القوم المدعوين؛ مصداقًا لقوله ـ تعالى ـ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [إبراهيم: 4] ؛ وعليه فكل داعية يجهل لغة القوم المدعوين ـ فضلًا عن أن ينكر عليهم الاهتمام بلغتهم ـ يكون قد أخل بشرط من شروط صحة كونه مؤهلًا لهذه المهمة في تلك البيئة.
وأرى أن الشطر الثاني من سؤالكم بشكله: (وكيف تقومون تعاملها؟) ... يدخل ضمن هذه الإجابة.
أما إن كان قصدكم ـ كما أراه ـ هو تقويم موقف الحركات الإسلامية من الحركات الأمازيغية؛ فإن الأمر واضح أيضًا؛ ذلك أن الإسلام ممثلًا في الحركات الإسلامية (إن كان ممثلًا بالمستوى المطلوب حقًا) ، لا يقبل التجزؤ والتشتت بين أفراد المجتمع المسلم، بل يقبل التنوع والاختلاف في الجزئيات، في إطار وحدة شاملة تؤطرها الكليات، وفي هذا الإطار يمكن وصف ما قد يحصل بين الحركتين من خلاف.
وإن كانت ثمة مواقف متباينة، أو سلوكات من هذا الجانب أو ذاك إزاء الآخر؛ فإنه يمكن تفسيره بضعف في فهم فقه تنزيل الإسلام على الواقع (إن حدث من أية جماعة إسلامية) . أو ضيق في أفق الرؤية السياسية (إن وقع من إحدى الحركات الأمازيغية) .
* الأستاذ جواد بنامغار:
أظن أن موقف الحركة الإسلامية من اللغة الأمازيغية ينطلق - أو هكذا ينبغي أن يكون - من موقف الإسلام نفسه؛ فاختلاف اللغات آية من آيات الله، وتعليم اللغات وتعلمها من أجل التواصل، ومن أجل الدعوة إلى الله خاصة وتبليغ رسالته أمر مطلوب؛ مصداقًا لقوله الله ـ عز وجل ـ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم} [إبراهيم: 4] .
لكن ـ في المقابل ـ فإن أساس الالتحام ووحدة الأمة هو العقيدة الإسلامية التي تنبذ العرقيات والعصبيات، وتربط الناس بالله ـ تعالى ـ رب العالمين. والاهتمام باللغة العربية وإعطاؤها الأولوية عقيدة لا قومية ولا عصبية؛ لأنها هي مفتاح فهم الدين الإسلامي عقيدة وأحكامًا وأخلاقًا.