فهرس الكتاب

الصفحة 2065 من 3028

وعليه يمكن القول في النهاية بأنه ليس ثم إخفاق بالنسبة للظهير البربري إن تأملنا بشيء من التروي أحداث التاريخ. وليس ثم نجاح محقق للأمازيغية بعد، لا سياسيًا ولا ثقافيًا؛ لأن شيئًا ما لم يتم بالشكل المطلوب على أرض الواقع. وبناء عليه؛ فالجواب عن السؤال الجزئي الوارد ضمن عناصر السؤال السابق هو أن الخلل ليس وليد اليوم، ولا الأمس القريب، وإنما هو خلل تاريخي؛ لأن المغرب منذ الفتح الإسلامي لم يعرف سياسة تربوية شاملة تذيب الحواجز بين سكانه مع إمكان احتفاظ كل عنصر بما يميزه، إذا ما استثنينا الإسلام الذي يؤمن به الجميع على تفاوت في ذلك، ويتمثل بناء على ذلك تعاليمه في سلوكه بقدر فهمه وإيمانه، فيوجد الكل على ذلك الإيمان.

وهذه الفجوة - أي عدم صهر المغاربة تربويًا في بوتقة واحدة تزيل الفوارق الاجتماعية واللغوية بين الأمازيغ والعرب ـ هي التي استغلها الاستعمار لإحداث التفرقة بين المغاربة عن طريق ما يسمى بالظهير البربري. أضف إلى ذلك ما أصاب المغاربة من خيبة أمل في كثير من مؤملات ما بعد عهد الحماية؛ مما جعل المحرومين منهم يبحثون لأنفسهم عن متنفس؛ فهذا عن طريق الدعوة الأمازيغية، وآخر عن طريق المذهب الشيوعي الماركسي، وآخرون عن طريق الهجرات القانونية وغير القانونية إلى خارج أرض الوطن؛ بما في ذلك ما يسمى في القاموس الإعلامي المغربي عن الهجرة السرية بـ (قوارب الموت) !

فالخلل إذن تاريخي؛ إلا أن مركبًا اجتماعيًا وسياسيًا سمح لهذه الدعوات وهذه السلوكات أن تظهر بفعل العوامل المشار إليها سابقًا، وبفعل خفوت نور الإسلام في القلوب، والذي هو الرابط الوحيد الأوحد بين جميع المغاربة؛ على مستوى الفكر والواقع، كمنهج سلوكي يتعامل بمقتضى تعاليمه ـ رغم ما يشوب أفهام المتعاملين به من نقص أحيانًا ـ أفقيًا وعموديًا. ولعل عدل الإسلام ونورانية تعاليمه هو ما جعل المغاربة الأمازيغيين يقبلون بالعنصر العربي أن يشاركهم في استيطان أرض المغرب لأول مرة؛ حيث اعتقادها بالإسلام دينًا وبالله ربًا لا معبود سواه، وبالمصطفى صلى الله عليه وسلم رسولًا ونبيًا. وقد سجلوا هذه المعاني وما يشبهها في أناشيدهم وأهازيجهم التي يرددونها في شتى المناسبات.

وعليه ليست الحركة الأمازيغية إلا إفرازًا لتلك الظروف والعوامل ضمن غيرها من الإفرازات، وقد تم الاهتمام بها أكثر من غيرها؛ لأنها لصيقة بالبعد القومي الذي لا يتأتى لغيرها من الدعوات الموجودة على الساحة اعتماده، ومع ذلك تبقى الحركة الأمازيغية مجرد شعار إلى أن تحقق للمؤمن بها شيئًا على أرض الواقع، وإلا تم تجاوزها كما تتجاوز الحركات المعتمدة على الشعارات، وقد ملَّ المغاربة عمومًا والأمازيغ خصوصًا لغة الشعارات التي لا تحقق شيئًا على الواقع؛ وحالة التجارب الحزبية أكبر دليل على ذلك؛ ولذا فالرفض أو القبول رهينان بما سيترجم من شعارات على أرض الواقع؛ من أعمال إيجابية تحترم فيها المقدسات والثوابت.

وما ورد في سؤالكم من أن بعض رجالات الحركة الوطنية هم الذين يتزعمون اليوم التيار الأمازيغي، وهم الذين يرفعون مقولة (الاستعمار العربي للمغرب) ؛ فإنه يمكن القول بأن هذا يدخل في إطار بعض سلوكات السياسيين من عرب وأمازيغ، وتاريخ المغرب الحديث يحفظ لنا أكثر من دليل على ما وقع بين السياسيين من مشاحنات خطيرة تتجاوز الأقوال إلى الأسوأ!

* الدكتور عبد الرحمن حيسي:

السؤال يربط ضمنيًا بين الحركة الأمازيغية الحديثة والظهير البربري الاستعماري من حيث المبادئ والأهداف، وقد بينت سابقًا أن لا علاقة بينهما، وإلا فعليكم إثبات العكس بأدلة ملموسة من مقررات ومواثيق هذه الحركة حتى أصحح معلوماتي. وكذلك فما جاء في السؤال من وصف الوطنيين الأمازيغ في أيامنا هذه بالتنكر لقيمهم التاريخية والدينية، ولنضالهم ضد الاستعمار ومحاربتهم للظهير البربري ورفعهم لشعارات معادية للعرب يحتاج أيضًا إلى دلائل موضوعية وحجج ثابتة؛ حتى تكون الإجابة منطقية ومعقولة ومنصفة.

ولا بد من التأكيد في هذا الصدد على أن كثيرًا من المذاهب الفكرية والسياسية قد تكون لها أحيانًا مواقف شاذة ومتطرفة، لكن هذه المواقف لا تمثل أبدًا الإرادة الجماعية والموقف الجماعي لهذه المذاهب.

( البيان ) : عفوًا فضيلة الأستاذ المحترم؛ نحن طبعًا لا نتهم جميع الجمعيات الأمازيغية، ونحترم الاتجاهات الوطنية منها كل الاحترام، ولكنه تواتر عن بعضها ـ مع الأسف ـ مقولة: (الاستعمار العربي للمغرب) ، والمطالبة بإحياء الثقافة الأمازيغية القديمة؛ أي أمازيغية ما قبل الفتح الإسلامي، وهي ثقافة وثنية محضة!

* الأستاذ جواد بنامغار:

أرى أن هناك بعدًا آخر في الموضوع، وهو أن الاستعمار العسكري يستفز بطبيعته إرادة المقاومة في الشعوب، ويشعرهم بقيمة الوحدة والتلاحم، أضف إلى ذلك أن التيار السائد آنذاك هو تيار الوطنية المبني على أساس ديني سلفي، لكن بعد مرحلة الاستعمار عرفت كثير من البلدان فلسفات ونظريات وافدة، وتفرقت كثير من الأحزاب على أسس ومرجعيات لا دينية، إضافة إلى ما أصبحت البلدان الإسلامية ـ ومنها المغرب ـ عرضة له من غزو فكري وثقافي، وتغريب للنخب من أجل رجوع الاستعمار من النافذة بعدما خرج من الباب، مع تفريط كثير من الحكومات المتعاقبة في تحصين الأجيال الناشئة، وتربيتها على أسس متينة من التربية الإسلامية التي تفرقت بها السبل عن سبيل الله، وهذه كلها عوامل قوية ومساعدة لنجاح أي دعوة أو حركة كيفما كانت، وفي هذا الإطار يمكن فهم الدعوات المتطرفة في الحركة الأمازيغية التي تعيد إلى الأذهان الظهير الاستعماري الفرنسي لفصل «البربر» عن الإسلام، والتفريق بينهم وبين العرب.

( البيان ) : ولكن العجيب أيضًا أن التيار الأمازيغي صار مدعومًا من قبل الشيوعيين المتطرفين؛ خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، بل إن فلولهم هي التي تملأ الآن صفوف الحركة الأمازيغية! فكيف تفسرون ذلك؟

* الدكتور محمد سدرة:

لا غرابة أيضًا في هذا الأمر؛ فالإناء الفارغ ـ كما يقال ـ توجد فيه القابلية للامتلاء بأي شيء مهما كان نوعه، فهؤلاء الأتباع ـ الذين كنت أسميهم دائمًا (بالخبزيين) المصلحيين - ديدنهم الثابت هو التصفيق لكل ما يرون فيه مطية لعداوة الإسلام، وتحقيق طموحاتهم المخبولة، وإن لم يكونوا على يقين من النتائج، كما يشهد المسار التاريخي للفكر والعقيدة الشيوعية على ذلك.

* الدكتور الحسين كنوان:

يمكن أن ندرج ضمن الإجابة عن هذا السؤال نقاطًا ثلاثًا هي:

أ - تتبنى الشيوعية مقولة الدفاع عن الطبقة الكادحة المحرومة، ولعلها لاحظت معالم الحرمان في أوساط «إمازيغن» ؛ ولذا وجدت مجالها الخصب في عقلية بعض المتعلمين من أولئك، فعندما يتحدث الشيوعي المستقطب في أوساط الشباب عن الفقر والحرمان، ويجعل سبب ذلك هو البورجوازية المستبدة بخيرات البلاد، وبالخصوص تلك التي تسكن المدن الكبرى ويتوفر لأبنائها من فرص العيش ما لا يتوفر لغيرهم؛ فإن هذا المتعلم الأمازيغي يرى تجليات تلك الأوصاف منطبقة على حياته بشكل أو بآخر؛ ولذا لا نستغرب أن نجد بعض هؤلاء قد تمركسوا؛ لأن المناطق التي تسكنها هذه الشريحة الاجتماعية المهمة من أبناء وطننا؛ لم تحظ بالعناية الاقتصادية والاجتماعية اللازمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت