فهرس الكتاب

الصفحة 2064 من 3028

في رأيي لا غرابة ولا مفارقة في دعم الفرنكوفونية للتيار الأمازيغي (الإيديولوجي) ؛ فهما رضيعان من لبن واحد، وهو الحركة الاستشراقية ذات الأهداف العدوانية على الإسلام والمسلمين؛ ففرنسا بعدما أعياها البحث عن وسائل مسخ الهوية الإسلامية في البلدان المستعمرة وفق المخطط الاستشراقي المعروف تاريخيًا؛ لجأت إلى سياسة (فرِّق تسد) ، والتي بدأت بأطروحة الظهير البربري في كل من الجزائر والمغرب، وهي ذاتها تعاليم الأطروحة التي تمارس على مستوى أطروحة الأمازيغية في بعدها (الإيديولوجي) لا الواقعي كما قلت.

( البيان ) : إذن؛ هل يمكن الحديث عن علاقة ما بين الظهير البربري الذي أصدره المقيم الفرنسي العام بالمغرب (* ) ، وبين الحركة الأمازيغية في صورتها الحديثة؟ هل هناك علاقة بين القديم والجديد، أم أن التاريخ لا يعيد نفسه؟

* الدكتور الحسين كنوان:

أود أن أسجل ـ قبل إعطاء وجهة نظري بخصوص هذا السؤال ـ الملاحظات التالية:

أ - لا بد من الاهتمام بجذور المسألة وجواهرها، لا بتجلياتها وأعراضها.

ب - لا ينبغي أن نضع الآخرين في قفص الاتهام دون تحديد المسؤولية في الظروف التي دفعتهم إلى مثل ذلك السلوك.

ج - في هذا التاريخ الذي ذكرتموه (4391م) كان الداعي إلى شق وحدة الصف بتوظيف الأمازيغية هو المقيم العام الفرنسي... والآن الذي يخدم هذه القضية بشكل أو بآخر هم أبناء المغرب، والسؤال الملح والعريض هو: لماذا؟

د - أنجب المغرب أبطالًا ومجاهدين مخلصين من الأمازيغ، حملوا راية الإسلام لنشره تارة، وحمايته من سطوة الدخيل تارة أخرى؛ فهل انقلبت الأمور، والسؤال أيضًا: لماذا؟

هـ - أشرتم في سياق هذا السؤال إلى أن الظهير البربري كان يقوم على نوعين من العزل هما: عزل الإدارة السلطانية... وعزل الشريعة الإسلامية. لقد فعل الدخيل ذلك بخبثه إداريًا وجغرافيًا؛ لكنه لم يستطع أن يحقق ذلك كل التحقيق على مستوى القلوب؛ حيث بقي الأمازيغ متشبثين بوحدتهم الوطنية، وبدينهم الحنيف، وثَمَّ شهادات حية على ذلك لا يسمح المقام بذكرها.

و - ألغى ظهيرُ 6591م الظهيرَ البربري، ولكنه مع الأسف لم يلغ بعض مظاهر هذه المرحلة؛ مما يحتج به عند البعض في إطار الحركة الأمازيغية.

أما بخصوص الجواب عن سؤالكم آنف الذكر؛ فإنه يمكن القول باختصار شديد بأن العلاقة موجودة بشكل أو بآخر بين مضمون الظهير البربري وأهدافه وبين الحركات الأمازيغية بالشكل الذي تعبر به عن نفسها، مهما كانت التفسيرات المقدمة لذلك؛ لأنها تخدم القصد بوعي منها أو بدون وعي، وليس هذا من باب اتهام دعاة الأمازيغية في وطنيتهم... ولكن فقط لأجل التنبيه إلى عدم سلامة المنطلقات الأساسية لهذه القضية وأهدافها؛ ولذا يجب على كل من يرفع شعار الأمازيغية لسد ثغرة تنظيمية يراها؛ أن يتحرى في تحديد الأهداف التي يرمي إليها، والوسائل التي يستعملها لتخليص الفكرة من شوائب المنطلقات الاستعمارية وأهدافها، وأن يحتاط من تقديم الخدمات المجانية للغير ضد بلده، وإلا وضع نفسه في قفص الاتهام طوعًا أمام المغاربة كافة عربًا وأمازيغ.

* الدكتور عبد الرحمن حيسي:

لا توجد أي علاقة بين الحركة الأمازيغية الحديثة وبين الظهير البربري الذي أصدره الاستعمار الفرنسي في 8 أبريل من سنة 4391م؛ فهذا الظهير ـ كما لا يخفى ـ كان هدفه الأساسي هو سلخ الأمازيغ عن دينهم، والتفريق بينهم وبين إخوانهم العرب لخلق جو من الفوضى والفرقة في الرأي يضمن لفرنسا الاستمرار في احتلال المغرب، وقد رفض الأمازيغ هذا الظهير يومئذ وعارضوه بشدة، وأحبطوا كل مخططات المستعمر في تنفيذه. أما الحركة الأمازيغية الحديثة فليس من أهدافها شيء مما ذُكر، وقد سبق بيان ذلك في الإجابات السابقة.

* الدكتور محمد سدرة:

أنا عندما أتحدث في محاضراتي عن الحركة الاستشراقية الممهدة للاستعمار الغربي لبلدان العالم الإسلامي أركز دائمًا على قضية أساسية، وهي أن الغرب وإن أخفق في الاحتفاظ بجيوشه في البلاد المستعمرة وانسحب منها؛ فقد بقيت جيوشه الأخرى في رباطها تؤدي المهام المنوطة بها أحسن قيام، وقد استطاعت أن تنجح فيما لم تنجح فيه الأسلحة النارية، ومن ضمنها النعرات القومية والعرقية التي لم تنجح الظهائر في تحقيقها فيما سبق.

* الأستاذ جواد بنامغار:

إن الربط بين ظهير التفرقة الاستعماري الفرنسي وبين الحركة الأمازيغية عند كل حديث عنها أمر تمليه تخوفات كل غيور على وحدة الشعب المغربي، وتماسكه، وتشبثه بدينه، وقد تجاوز الأمر مجرد التخوف إلى قلق حقيقي بظهور أصوات من داخل الحركة الأمازيغية تحيي هذا الظهير، وتتبنى مبادئه، وتنادي بها!!

( البيان ) : ولكن كيف تفسرون إخفاق الظهير البربري في العهد الاستعماري العسكري، ونجاح التيار الأمازيغي بعد ذلك في عهود الاستقلال، بل في ظل المغرب الحديث بعد ما يقرب من خمسين سنة من تاريخ إلغاء الظهير البربري (1956م) ؛ وهل هناك خلل وقع للمجتمع المغربي ولتماسكه الوطني والديني؟ أم أن الحركة الأمازيغية جاءت بشيء جديد قَبِلَه بعض المغاربة، وقبلوا بمقتضاه ما أجمعوا على رفضه بالأمس إجماعًا شاملًا؛ مع العلم أن الحركة الوطنية هي التي تصدت له آنئذ، لكن بعض رجالاتها اليوم هم الذين يتزعمون التيار الأمازيغي ويرفعون مقولة: (الاستعمار العربي للمغرب) ؛ فكيف تفسرون ذلك؟

* الدكتور الحسين كنوان:

أراكم ـ أخي ـ هنا تتحدثون عن الإخفاق والنجاح: إخفاق الظهير البربري في العهد الاستعماري... ونجاح التيار الأمازيغي... فهل ثمة إخفاق بالفعل؟ ونجاح محقق؟ أي هل أخفق الظهير البربري الاستعماري فعلًا، وزالت المؤسسات التي تخدمه على أرض المغرب؟ أم أنه وضع أدواته في حالة كمون؟ وغيَّر استراتيجيته لما اصطدم بإرادة جيل من المغاربة كانت لهم مواقف من الأجنبي الدخيل؛ ريثما يهيئ جيلًا آخر من أبناء الرافضين ليتبنى ثقافته، ويخدم مصالحه، بعد أن صنعه على عينيه؛ لتكون نظرته إلى الكون والحياة هي نظرته، وترتبط مصالحه بمصالحه، فيقدم له خدمات من حيث يدري أو لا يدري، وهو يعتقد أنه يحسن صنعًا؟

وماذا حقق التيار الأمازيغي، وشعاراته سياسية أكثر منها قومية إصلاحية، هل قدم بالفعل برنامجًا إصلاحيًا لرفع المعاناة عن المناطق التي يسكنها الأمازيغ، هل تجاوز فعلا أُمَّ المشاكل عنده؟ يتعلق الأمر بمسألتين:

أولاهما: من يحق له أن يدخل تحت مصطلح (أمازيغ) ؟ وهي التسمية الأصل، ومن يرضى بالتبعية والفرعية فيسمى باسم المنطقة الجغرافية التي يوجد فيها: (الريف) ، (سوس) ، ولا ضير في ذلك على كل حال، أو يسمى بالمصطلح الآخر الذي بدأت تقل فرص استعماله (الشلح) ، وهذا المصطلح يحمل دلالة قدحية، ولا يُستعمل مع الأسف إلا ليميز سكان المغرب من غير أصل عربي!

وثانيهما: هي معضلة المتن الذي ليس له مرجع مدون يُرجع إليه، وينبغي العمل على تجاوز هذه المعضلة قبل التفكير في تقعيد القواعد، والسؤال الجوهري بهذا الخصوص هو: ما هي نسبة المتن المعجمي المتبقية من هذه اللهجة أو تلك من بين لهجات «تامزيغت» الثلاث؟ وهل يمكن أن تلبي حاجات المتكلم لو صُنع منها معجم ملفق؟ هل وهل...؟ إن رفع الشعارات أمر سهل ميسور على كل من يريد أن يفعل ذلك، لكن عند التنظير والتنزيل على أرض الواقع يختلف الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت