وإذا كنا لا نشك في سعي السياسة الاستعمارية إلى السيطرة على بلدان العالم الإسلامي من خلال الغزو الفكري والثقافي؛ فإن الفرنكوفونية من تجليات هذه السياسة بالمغرب، وإن من وسائلها في ذلك احتواء الاتجاه الأمازيغي ودعمه، والدفع به في اتجاه يضر بالمصلحة الوطنية المغربية، ووحدة الشعب المغربي المبنية على الإسلام، ويخدم الأطماع الاستعمارية الفرنسية المغلفة بالفرنكوفونية.
إلا أننا في المقابل لا ننكر أن في الحركة الأمازيغية أفرادًا وجمعيات من يهتم بالأمازيغية باعتبارها قضية وطنية، وإحدى مكونات الهوية المغربية الإسلامية، وتعتني بالمطالب العادلة لها في إطار الوحدة والمرجعية الإسلامية.
* الدكتور الحسين كنوان:
للإجابة عن السؤال السابق شقان: أحدهما ـ وهو الأساس ـ: هو الجانب السياسي، وثانيهما ـ وهو وليد الأول وتابع له ـ: وهو الثقافي، ولكل منهما اعتباراته الخاصة فيما يتعلق بمعطيات الإجابة عنه؛ ولذا تنقسم الإجابة في نظري إلى قسمين:
أ - الجانب السياسي: لهذا الجانب مغذياته، وأسبابه السياسية والاجتماعية، وربما حتى النفسية التي قد تكون وليدة ظروف متعاقبة، وأسباب متضافرة نرى أن الحكمة تقتضي عدم الخوض فيها، وإلا زدنا الجرح عمقًا، والقلوب تنافرًا، في الوقت الذي يتطلب الأمر العمل على لمِّ الشمل، وتوحيد الرؤى في إطار منظومة ثقافية اجتماعية وحيدة موحدة؛ أشبه ما تكون بما أطلق عليه الرومان: «كوينتي» ؛ فكل الذين يعيشون على أرض الوطن إخوة مغاربة، وقد سبق القول بأن الحكمة الأمازيغية تعتبر رابطة التساكن الجغرافي فقط موجبًا للأخوة، والحمد لله على أن الحركة الأمازيغية سياسية وليست قومية، وإن كانت يُشم منها بعض هذه البوادر أحيانًا.
ب - الجانب الثقافي: هذا الجانب غني غنى حياة الإنسان الأمازيغي الذي تلاقحت ثقافته بثقافة الأجناس البشرية التي تعاقبت على أرض المغرب، وعلى الرغم من كون هذه الثقافة غير مدونة؛ فإن ثمة بقية بصمات منها على أرض المغرب لغويًا وجغرافيًا وسلوكيًا.
فمن الناحية اللغوية نرى أن الدراسة العلمية النزيهة السليمة يمكن أن تكشف عن قواسم مشتركة في جوانب متعددة بين اللغة العربية والأمازيغية، وقد يكون ذلك ناتجًا عن تأثر الأمازيغية بالحضارة الإسلامية العربية.
ولكل هذه الاعتبارات وغيرها كثير لا نستغرب أن تظهر حركة سياسية تعتمد الأمازيغية إطارًا ومنطلقًا لها في ظروف مهدت لتعددية سياسية؛ لتحقيق أهداف معينة قد تسمو إلى درجة النبل إذا ما كان القصد منها هو الكشف عن جانب من جوانب ثقافة المغرب وحضارته. وقد تنزل إلى الحضيض عندما تغذيها أهداف نفعية ذاتية، أو إيعازات ماكرة شريرة لا يتفطن لخبثها إلا من كان فكره مُحصَّنًا، وأوتي فهمًا ثاقبًا، وقوة فائقة في الإيمان بحب الله ثم الوطن.
* الدكتور محمد سدرة:
الأمر مرده في تقديري إلى الإخفاقات التي لحقت بالأطروحة الماركسية بالمغرب؛ بفضل أصالة الدين والتدين في نفوس المغاربة، فشكَّل هذا المنعطف مشجبًا بديلًا يود الفكر اليساري النفوذ من خلاله إلى الطبقات الشعبية التي تشكل القاعدة الخلفية للأطروحة. وقد ساهمت الإحباطات التي مني بها المجتمع، من جراء إخفاق التنظيمات السياسية في تحقيق طموحاته، في تغذية هذا التوجه وتشجيعه.
( البيان ) : المعروف أن التيار الأمازيغي قد نشأ وترعرع في ظل الدعم الفرنكوفوني؛ فكيف تفسرون ذلك؛ وخاصة أن الأهداف المعلنة للفرنكوفونية إنما هي دعم اللغة الفرنسية وثقافتها في مستعمراتها السابقة؟
* الدكتور عبد الرحمن حيسي:
السؤال ليس وجيهًا؛ لأنه يُسلِّم بأن التيار الأمازيغي نشأ وترعرع في ظل الدعم الفرنكوفوني؛ فعليكم إثبات ذلك أولًا وإبراز مظاهر الدعم التي يتلقاها الأمازيغ من الفرنكوفونيين؛ حتى لا نخرج في حوارنا عن حدود الإنصاف.
والذي أعتقده شخصيًا أن الدعوة إلى الأمازيغية لها أسباب نابعة من واقع المجتمع المغربي ذاته، وقد تقدم بيان بعضها. أما الفرنكوفونية فهدفها نشر الثقافة الفرنسية بكل مقوماتها، وتعميمها في كل الأوساط المغربية؛ بغض النظر عن المستهدَفين بهذه الثقافة؛ سواء أكانوا من الأمازيغ أم من العرب؛ إذن فهدفها غير هدف الدعوة إلى الأمازيغية، بل تتعارض معها. وعليكم أن تعلموا أيضًا أن الحاملين للواء الفرنكوفونية والأنجلوفونية فيهم من العرب المغاربة عدد كبير! فعليكم أن تفسروا ذلك لتستقيم الإجابة عن السؤال المطروح!
( البيان ) : طبعًا لا نتحدث عن الأمازيغ، وإنما نتحدث عن التيارات السياسية الأمازيغية!
* الدكتور الحسين كنوان:
هذا موضوع خصب وخطير، تتطلب الإجابة عنه حلقة خاصة، بل أكثر من ذلك؛ لأن المسألة تتجاوز دعم اللغة الفرنسية وثقافتها؛ إلى المحافظة ما أمكن على المكاسب التوسعية للاستعمار الاقتصادي والفكري في المنطقة، والتي تعد بوابة استراتيجية لإفريقيا، تلك المكاسب التي تحققت له (أعني الاستعمار) في المنطقة بعد كل ما بذله من جهود متواصلة خلال فترة قد لا تقل عن قرنين من الزمن، كان ذلك على فترات، يصنع لكل فترة شعارها الملائم؛ انطلاقًا من الصليبية إلى الفرنكفونية بعد التمهيد لها بالغزو العسكري؛ ولذا نرى كثيرًا من أبنائنا مع الأسف قد انطلت عليهم الحيلة نتيجة تأثرهم الثقافي، وجرفهم هذا التيار أو ذاك، وهم يعتقدون أنهم يحسنون صنعًا، ومع ذلك فهم معذورون إلى حد ما في تقديري.
وعليه يمكن القول بأن التيار الأمازيغي لم ينشأ مع ظهور الفرنكوفونية، وإن كانت تغذيه، وإنما وُضعت له أسس قبل ذلك بكثير؛ يوم كان الدخيل يخطط للاستفادة من خيرات المنطقة أولًا، ثم رتب تلك الخطط بإحكام لما حال هذا العنصر البشري «إمازيغن» بينه وبين مقصوده الذي هو إخضاع المناطق التي يسكنها هؤلاء لنفوذه؛ على غرار إخضاع جميع أجزاء الوطن؛ حيث أصيب بذهول من هول الكارثة التي أصابت جيوشه وتوقف زحفها لمدة عشرين سنة على يد مقاومين أشاوس من أبناء «إمازيغن» ، كما تقول بعض الأبحاث التاريخية الحديثة. ولذا تكون الفرنكفونية صياغة ظرفية للاستمرار في تطبيق ما رُسم آنذاك من خطط لإخضاع هذا النوع البشري «إمازيغن» ، بل وتقريبه والاستفادة منه.
* الأستاذ جواد بنامغار:
نعم! حينما أخفقت فرنسا في زرع التفرقة بين المغاربة من خلال ظهير 0391م المصطلح على تسميته «الظهير البربري» ، وكان غرضها من ذلك تكوين مناطق متفرنسة مفصولة عن الإسلام ولغته العربية تكون سندها في الاستعمار، ووسيلتها في السيطرة على البلاد، وتسخرها لأغراضها الاستعمارية؛ فلما لم تنجح في ذلك عمدت إلى الفرنكوفونية التي ظاهرها نشر اللغة الفرنسية ودعمها في مستعمراتها السابقة، وباطنها «الغزو الفكري» والتمكين للثقافة الفرنسية، والتصورات الفرنسية، ونمط الحياة الفرنسي الذي هو جزء من الحضارة الغربية المبنية على أسس مناقضة للإسلام، ولذلك فلا عجب أن تحتضن في هذا السياق التيارات المتطرفة، أو تحتويها وتدفع بها في اتجاه يخدم أطماعها الاستعمارية، وتحقق لها ما أخفقت فيه من تفرقة وسيطرة من خلال ظهيرها الاستعماري.
* الدكتور محمد سدرة: