فهرس الكتاب

الصفحة 2062 من 3028

أ - أن اللغة الأمازيغية لغة مرنة تقترض المفردات الأجنبية عنها بدلالاتها عند الاحتياج، وتضفي عليها من بنيتها التنظيمية ما يجعلها طيعة للسان الأمازيغي. ويبدو أن هذا يقع فيما يدل على الثوابت من المعاني المتداولة في الحياة الإنسانية أكثر منه في المتغيرات؛ فالكلمات التالية تُنطق بالأمازيغية دون تغيير يذكر، أو مع تغيير طفيف يتلاءم مع النطق الأمازيغي كما يلي: فـ (الله) جل جلاله هو (الله) بلا تغيير، و (جهنم) هي (جهنم) ، والرسول صلى الله عليه وسلم هو الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن «الجنة» تنطق «أَدْجَنْثْ» أو «الجَنْثْ» حسب اختلاف اللهجات، و «الآخرة» هي «لُخْرَى» ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو «نْبي» بسكون النون.. وهكذا.

ب - لقد تغلغلت المفاهيم الإسلامية في عمق الفكر الأمازيغي عبر القرون الطويلة التي مرت على الفتح الإسلامي للمغرب الأمازيغي، وعلى الرغم من ضعف التعهد التربوي الإسلامي للإنسان الأمازيغي، كما هو الحال بالنسبة للمغرب عمومًا لظرف أو لآخر؛ فان الروح الإسلامية تسري في عروق الأمازيغيين، وذلك ما تعبر عنه إنشاداتهم وأهازيجهم في كثير من نواحي الحياة.

* الدكتور عبد الرحمن حيسي:

الذي يعتقد أن بإمكانه جعل اللغة الأمازيغية حاجزًا بين الأمازيغ والإسلام مخطئ في تصوره؛ لأن هذه اللغة قابلة بطبيعتها الصرفية والاشتقاقية لحمل المضامين الإسلامية، بل هي تحملها فعلًا، كما يظهر واضحًا في تراثها الأدبي الذي يزخر بقصائد شعرية رائعة في الإرشاد بتعاليم الإسلام والدعوة إلى التمسك بها، والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة، وما إلى ذلك من أغراض دينية. ومنذ دخل الإسلام المغرب اهتم به الأمازيغ وأولوه كامل عنايتهم، فاجتهدوا في حفظ القرآن والحديث وتعلم الفقه، ووُجِدَ منهم علماء أعلام أتقنوا العربية وألَّفوا بها، ونقلوا منها إلى لغتهم الأمازيغية ما شاء الله نقله من المضامين الإسلامية. ولتيسير الفهم والاستيعاب كانوا يدرسون ويعظون باللسانين العربي والأمازيغي.

ولم تكن الأمازيغية أبدًا حائلًا بينهم وبين معرفة أحكام دينهم، وما حالهم في ذلك إلا كحال الترك وغيرهم من الشعوب التي دخلت في الإسلام وأبلت فيه البلاء الحسن؛ بنصر دعوته ونشر تعاليمه باللغة العربية وبلغاتها الأصلية.

( البيان ) : إذا تحدثنا عن التاريخ: من وَطَّنَ الإسلامَ في المغرب: الأمازيغ أم العرب، أم هما معًا؟ وكيف تنظرون إلى المقولة الشعارية التي ترفعها الحركة الأمازيغية والملخصة في عبارة: (الاستعمار العربي للمغرب) ؟

* الدكتور الحسين كنوان:

إن كنتم تقصدون بسؤالكم من حمل بذرة الإسلام وغرسها في المغرب؟ فالجواب واضح: هم العرب المسلمون. أما إن كان القصد هو الدفاع عن الإسلام إحياءً وحراسةً، وهذا ما يفهم من كلمة «الوطن» الواردة في سياق سؤالكم؛ فهم المسلمون المغاربة دون تمييز. نعم! يحدث في فترة من التاريخ أن يحمل قائد، أو زعيم، أو مصلح لواء نشر الإسلام، أو إحياء تعاليمه في قلوب الناس وسلوكاتهم، أو الدفاع عنه؛ ممن تسمى أمازيغ، أو نشأ في منطقة يسكنها الأمازيغ بالغلبة؛ مثل طارق ابن زياد، وعبد الله بن ياسين، أو عبد المؤمن، أو عبد الكريم الخطابي، أو موحى أحمو الزياني... هذا صحيح، ولكنه لا يعني أن المغاربة من أصل عربي لم يشاركوا في هذه العملية أو تلك بأي نصيب، ولم يحدثنا التاريخ عن أن العنصر العربي تقاعس عن أداء الواجب عندما كانت الزعامة لأحد هؤلاء الأعلام في الدفاع عن الإسلام؛ ذلك أنه بالنسبة لي يصعب عليَّ أن أميز بين المغاربة عندما يناديهم داعي الواجب.

هذا بالإضافة إلى انصهار الأجناس البشرية في المغرب، وتداخلها فيما بينها إلى درجة يستحيل معها أن تميز عنصرًا من الآخر؛ فالهجرات، والمصاهرات، وتنقلات الأسر من منطقة إلى أخرى لأسباب متعددة لا تترك مجالًا للقول بأن الإنسان المغربي خالص النسب إلى عنصر كذا عبر التاريخ. والحكمة الأمازيغية تقول ما ترجمته بالعربية: (قيل للثعبان: من هو أخوك؟ قال: الذي يوجد معي في الغار) ؛ أي إنها تعتبر رابطة التساكن الجغرافي فقط موجبًا للأخوة.

هذا بالنسبة للشطر الأول من سؤالكم.

أما الشطر الثاني فيبدو أن فيه شيئًا من التعميم؛ لأني لا أعتقد أن كل الحركات الأمازيغية تقول بذلك، ولا أن أفراد الفصيل الذي يقول بذلك متفقون عليه بنفس الدرجة من إيمانهم بما يقولون.

مع العلم أنه يمكن القول: إلى أي حد تمثل هذه الحركة الأمازيغية بجميع فصائلها الإنسان الأمازيغي في المغرب؟ ثم ما هي شروط الانتماء لهذا الفصيل أو ذاك من فصائل الأمازيغية؟ هل هو الأصل، أو اللغة، أو الجغرافيا؟ أو لا بد من إعلان الولاء والعداء.. هل وهل؟

صحيح أن ثَمَّ عوامل كثيرة تجعل بعض الشرائح الاجتماعية من سكان المغرب تشعر بشيء من التهميش، وبالخصوص الأمازيغ منهم؛ لأسباب متعددة، منها: غياب اهتمام العالم العربي الإسلامي بهذه اللغة وأهلها، ومنها: ما هو مبثوث في القاموس الشعبي العامي من عبارات اللمز والتحقير في حق الأمازيغ ولغتهم! وهي عبارات لا يؤبه لها حين تقال لهذا الشخص أو ذاك، ولكنها تعمل عملها في النفوس، فتدسها إلى لحظة الحاجة، عندما ينفخ نافخ في بوق الوسوسة؛ لتصير المنبه المعتمد للشعور بالإقصاء والتحقير؛ خصوصًا عندما يُربط ذكرها بمظهر من مظاهر الحرمان، كالفقر المادي، والتهميش الاجتماعي؛ مقارنة مع الآخر الذي كان الأمازيغي يسلم أنه وإياه إخوة بعامل التساكن فقط. ومن نماذج تلك العبارات العامية التي ينبغي أن يعزر مستعملوها: (الزيت ما هو إدام، والشلحة ما هي كلام) ، و (أنغ، أنغ) ... إلى آخر ذلك من عبارات التهكم والسخرية بالإنسان الأمازيغي!

والغريب أن يصدر مثل هذا أيضًا من بعض الأشخاص المثقفين الذين هم في موقع الإرشاد والتوجيه الاجتماعي أو السياسي، بل حتى الحضاري أحيانًا! والنفوس حساسة، وقد قال ـ تعالى ـ: {وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ} [الحجرات: 11] .

* الدكتور محمد سدرة:

مقولة: (الاستعمار العربي للمغرب) هي شعار الراقصين على الجراح؛ من المخبولين في هذه الحركة، والذين يريدون جرها إلى الإلحاد والعنصرية ليس إلا!

( البيان ) : الآن ندخل في صلب موضوعنا (الحركة الأمازيغية) : من المعروف أن تفسير الحركات الاجتماعية والسياسية التي يفرزها مجتمع ما في مرحلة تاريخية ما ليس بالأمر السهل، ولا شك أن حركة الأمازيغية التي ظهرت في البلدان المغاربية؛ بوصفها حركة ذات بعد عرقي وإيديولوجي هي من هذا القبيل. ثم إن الأمازيغية بوصفها حركة سياسية أيضًا أصبحت ظاهرة متحركة في الوسط السياسي والثقافي المغربي؛ فكيف تفسرون بروز الحركة الأمازيغية بهذه الصورة التي نشاهدها اليوم؟

* الأستاذ جواد بنامغار:

تعود المراحل التأسيسية الأولى للحركة الأمازيغية إلى ما بعد الاستقلال مباشرة؛ حيث تأسست أولى الجمعيات بهذا الصدد في الستينيات من القرن المنصرم، إلا أن ظهور الحركة وانتشارها، وإعلانها عن نفسها من مختلف المنابر الثقافية، والسياسية، والإعلامية محليًا وعالميًا طغى في السنوات الأخيرة، وقد ساعد على ذلك مجموعة عوامل ذاتية وموضوعية، وأخرى تتصل بعوامل خارجية إقليميًا ودوليًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت