فهرس الكتاب

الصفحة 2059 من 3028

وهكذا أعلن الصادقون من أهل الإسلام في هذه المراحل على طول التاريخ الإسلامي، أنه لا مجال ولا مساومة على محكمات هذا الدين، وأنّ «الآخر» الذي يريد الخروج عليها لا مجال لقبول شركه وكفره وبدعه وقوانينه، ولم يَفُتّ في عضد هؤلاء الدعاة الصادقين ضعفُ الأمة ولا تكالب الأعداء عليها، وقد اخترت هذه الشواهد التطبيقية حتى لا يعتذر بعض الدعاة بحال الضعف والهوان الذي تمر به الأمة؛ فإنه لا طريق لتثبيت العامة من المسلمين وجمعهم على الشريعة إلا إذا ثبت الدعاة والعلماء من المسلمين وجمعهم على الشريعة إلا إذا ثبت الدعاة والعلماء على الحق، وبيّنوا المحكمات للناس، كما صنع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المثال الأول، وكما صنع أهل السنة في المثال الثاني، وكما صنع العلماء الربانيون في المثال الثالث، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 153} [الأنعام: 153] . إنّ الدعوة اليوم على مفترق طرق، فإما أن يثبت الدعاة على المحكمات ليكونوا دعاة مخلصين لله الدين، وإما أن يشتروا بها ثمنًا قليلًا، أو يهنوا ويضعفوا أمام «الآخر» ولن يُغني عنهم شيئًا كما قال - تعالى ـ: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الجاثية: 18 - 19] .

وهذا توجيه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حالة الضعف وهم في مكة لا يملكون من أمرهم شيئًا، وقد ثبتوا ونصروا هذا الدين فنصرهم الله وأغناهم عن «الآخر» ، وإذا لم يثبت الدعاةُ اليوم كما ثبت من سبقهم، فإنهم سينحسرون، ونسأل الله العافية من الفضيحة في الدنيا والإخفاق والبوار في الآخرة وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد: 38] .

ومما يجب التنبيه عليه أن الصراع مع «الآخر» والاختلاف معه ليس خاصًا بالدعوة الإسلامية المعاصرة، بل تعرض له الدعاة والمسلمون عامة من عهد النبوة إلى يومنا هذا، ومرت بالمسلمين أحوال من القوة والضعف، وحاول الأعداء فيها أن يُدخلوا على المسلمين فكرة «الآخر» حتى يتمكنوا من نشر أفكار هذا «الآخر» الكفرية والشركية والبدعية، ولكن المسلمين تنبهوا لهذا «الغزو الفكري» وهذا التخطيط الخبيث وردوا العقائد والأفكار والقوانين التي يمثلها فكر «الآخر» ما دامت مخالفة للشريعة الإسلامية، وأسقطوا الشرعية عن تلك الأفكار، ولو لم يثبت أهل السنة في هذا الصراع العقدي والتشريعي لأدى ذلك إلى اكتساب تلك العقائد البدعية، والخرافية، والقوانين الوضعية التترية، صفة الشرعية.

ومن المعلوم أن التعددية في «التشريع» و «العقائد» نشأت عند الأمم الكافرة بسبب عدم وجود أصل صحيح تَرْجِعُ إليه، فأصبح «التشريع» ديدنًا للجميع: الكنيسةُ تشرعُ وتحللُ وتحرمُ بغير إذن من الله، وتفتري الكذب عليه، والمعارضون من الملاحدة الذين سمو أنفسهم بـ «الآخر» يشرعون ويُحرمون ويُبيحون حسب ما يريدون. وإذا كان الجميع يشرعون من دون الله، فليس أحد منهم يتقدم على «الآخر» ، فنشأت فكرة الآخر في الغرب على نمط التفكير الجاهلي قديمًا؛ فجاهلية العرب قبل الإسلام وُجدَ فيها من يعبد الأوثان، ووُجِدَ في ديانات الجزيرة من يعبد الملائكة، ومن يعبد الأنبياء، وسواء لهم كتاب أم لا، وتفرق الناس في جزيرة العرب، واختلفوا في العبادات، والتشريع والأحكام، واشتركوا جميعًا في «حقوق» مشتركة بينهم وهي حل الربا، والزنا عند كثيرين، والخمر، و «الخرافة» ، وتغيير ملة إبراهيم - عليه السلام -، وعلى هذا تدور فكرة «العولمة» و «العلمانية» في هذا العصر.

وكل منهم يمثل عند نفسه الحق، وغيره هو «الآخر» وكانوا جميعًا في جاهلية مثل جاهلية أوروولقد أراد المشركون في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكتسبوا الشرعية لحقوق الآخر، كما يصنع المشركون والكفار في أوروبا، وكما يريد العلمانيون في العالم الإسلامي. والسؤال هو: كيف واجه النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر في حالة القوة؟ وهل اختلف منهجه عن المرحلة المكية حينما رد على المشركين طلبهم في «وحدة الأديان» . والجواب: أن منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في حالة الضعف وحال القوة واحد لم يتغير، وهو رد «انحرافات الآخر» عليه، وبيان بطلانها، وإقامة الحق والهدى في الأرض وإليك الأدلة على ذلك. نماذج تطبيقية: وفد ثقيف: جاء وفد من اوإليك نص {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا } [الإسراء: 32] . قالوا: أفرأيت الربا فإنه أموالنا كلها؟ قال: لكم رؤوس أموالكم إن الله - تعالى - يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: بحقوق الآخر التي قاعدتها «الخرافة» في العقيدة، والرأسمالية والربا في الاقتصاد، والخمر في المشروبات المحرمة، وأكل الميتة في الأطعمة، والإباحية والسفاح لمن أراد في العلاقات الجنسية، وهذا قاسم مشترك بين الجاهليات على اختلاف أسمائها. ولقد أراد المشركون في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكتسبوا الشرعية لحقوق الآخر، كما يصنع المشركون والكفار في أوروبا، وكما يريد العلمانيون في العالم الإسلامي. والسؤال هو: كيف واجه النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر في حالة القوة؟ وهل اختلف منهجه عن المرحلة المكية حينما رد على المشركين طلبهم في «وحدة الأديان» . والجواب: أن منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في حالة الضعف وحال القوة واحد لم يتغير، وهو رد «انحرافات الآخر» عليه، وبيان بطلانها، وإقامة الحق والهدى في الأرض.

ولقد أراد المشركون في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكتسبوا الشرعية لحقوق الآخر، كما يصنع المشركون والكفار في أوروبا، وكما يريد العلمانيون في العالم الإسلامي.

والسؤال هو: كيف واجه النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر في حالة القوة؟ وهل اختلف منهجه عن المرحلة المكية حينما رد على المشركين طلبهم في «وحدة الأديان» .

والجواب: أن منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في حالة الضعف وحال القوة واحد لم يتغير، وهو رد «انحرافات الآخر» عليه، وبيان بطلانها، وإقامة الحق والهدى في الأرض وإليك الأدلة على ذلك.

نماذج تطبيقية: وفد ثقيف:

جاء وفد من الطائف بعد سنة تسع إلى الدولة الإسلامية في المدينة يطالب بحقوق «الآخر» ويريد أن يُسْلِمْ وتكون له حرية في «الربا» و «الخمر» و «الزنا» و «الخرافة» ، ونلاحظ هنا أن هذه تمثل قاعدة «حقوق الإنسان» في الغرب، وتمثل مطالب العلمانيين باسم «الآخر» في العالم الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت