وإليك نص الحوار بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - و «الآخر» قال ابن القيم: «قدم عليه - صلى الله عليه وسلم - وفد ثقيف... فقال كنانة بن عبد ياليل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم:... أفرأيت الزنى، فإنا قوم نغتربُ، ولا بد لنا منه؟ قال: هو عليكم حرام فإن الله ـ - عز وجل - ـ يقول: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا} [الإسراء: 32] . قالوا: أفرأيت الربا فإنه أموالنا كلها؟ قال: لكم رؤوس أموالكم إن الله ـ - تعالى - ـ يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [البقرة: 278] . قالوا: أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منها؟ قال: إن الله قد حرمها. وقرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] . فارتفع القوم، فخلا بعضهم ببعض، فقالوا: ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يومًا كيوم مكة انطلقوا نكاتبه على ما سألناه، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: نعم لك ما سألت، أرأيت الرَّبَّة ماذا نصنعُ فيها؟ قال: اهدموها. قالوا: هيهات لو تعلم الرَّبَّةُ أنك تريد هدمها، لقتلت أهلها. فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد ياليل! ما أجهلك، إنما الرَّبَّة حجر. فقالوا: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب. وقالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: تولَّ أنت هدمها، فأما نحن، فإنا لا نهدمها أبدًا. قال: فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها. فكاتبوه» (1) .
وفد الصليب:
وفي سنة تسع جاء وفد نصارى نجران إلى الدولة الإسلامية وفيهم العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريدان أن يفاوضاه في شأن عيسى - عليه السلام -.
وقد روى القصة الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، ورواها البيهقي مطولة في دلائل النبوة، وابن إسحاق في السيرة، وموضع الشاهد فيها: أن وفد نجران، والنسائي، ورواها البيهقي مطولة في دلائل النبوة، وابن إسحاق في السيرة، وموضع الشاهد فيها: أن وفد نجران، إسحاق في السيرة، وموضع الشاهد فيها: أن وفد نجران، وعددهم ستون راكبًا فيهم أربعة عشر من أشرافهم، قدموا إلى المدينة، يقولون إنهم على الحق في اعتقادهم في عيسى - عليه السلام -، ونزل القرآن يُبين لهم في سورة آل عمران: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] . فلما كلم الحَبْرانِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهما: «أَسْلِمَا» . قالا: قد أسلمنا قال: «إنكما لم تُسلِمَا فَأسْلِمَا» . قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما؛ يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولدًا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير» (2) .
وفيهم قوله - تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ } [آل عمران: 63] ، فانتهى هذا الحوار مُحكمًا من المحكمات بصورة واضحة تبين فيها المفسد من المصلح، ورجع الوفد الصليبي خائبًا يجر أذيال الخيبة، وقد علمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يتحقق الإسلام والإيمان.
ويمكن أن نذكر بعض الفوائد المستنبطة من التطبيقات في السيرة النبوية ومنها:
1 -أن المحكمات هي أساس الدعوة الإسلامية، وهي قوة معنوية للعمل الإسلامي، يجب الاجتماع عليها والقيام بها.
2 -لا يجوز التنازل عنها لا في حالة القوة والجهاد، ولا في حالة الضعف. و «السلم» في الشريعة الإسلامية إنما هو وضع للحرب بين المسلمين والكفار، وليس تنازلًا عن المحكمات وتطبيعًا للعلاقات مع المجرمين.
3 -أن التنازل عن شيء من المحكمات من أجل «الآخر» فتنة للبشرية؛ لأن فيها إفسادًا للمسلمين، وتلبيسًا على الكافرين.
وهكذا أبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «حقوق الآخر» التي هي في حقيقتها فساد وخرافة وشر، وإن حاول هذا «الآخر» أن يُغلِّفَها بـ «المصلحة» و «الضرورة» و «الحاجة» و «الخصوصية» .
وهذا المنهج النبوي الدعوي يمثل الإسلام عقيدةً وشريعةً ويدافعُ عن «المحكمات» ، ويكشف بالحوار أن ما يدعيه «الآخر» من حقوق إنما هو فتنة وفساد وظلم وبغي.
ونستطيع أن نقرر هنا أن سبب ضعف المسلمين في العالم، وذهاب مقدساتهم، واختلاف كلمتهم، إنما هو بسبب مخالفتهم لهذا المنهج النبوي، وكذلك بالنسبة لكثير من «الدعاة» إنما أصبحوا فريسة «للآخر» لما وهنوا وضعفوا وانهزموا أمام أفكاره ووسائله، وأصبحوا يستحيون من الصدع بالمنهج النبوي أمام الانحرافات التي صنعها «الآخر» ، وزينها بوسائله وكيده ومكره، و «الديمقراطية» التي صنعها لنفسه.
ولهذا السبب طمع الكفار فينا وفي مقدساتنا، وتدخل الكونجرس بعد أن قرر تعطيل الشريعة الإسلامية لتحل محلها شرائع «الآخر» العلمانية، وهكذا يُدعمُ «الآخر» تشريعيًا، كما دُعِمَ فكريًا بنشر «حقوق الإنسان» ، ولا يزال يُدعمُ عسكريًا أكثر من خمسين سنة باسم «حقوق إسرائيل» و «حقوق الآخر» في الأرض والسلام والأمن العالمي، و «الآخر» المسلمُ يُسحق ويُقتل على الطريقة الأمريكية لكن مع مزيد من ضبط النفس!! وتحت إشراف القانون الدولي أو إن شئت فقل «القانون الأمريكي» ، وكل ذلك لمصلحة «الآخر» الذي تارة يكون «صليبيًا» ، وتارة «يهوديًا» ، وتارة «علمانيًا» ، وعلى الآخر «المسلم» أن يتنازل تارة عن «شريعته» ؛ لأنها إسلامية، وتارة عن مقدساته، وتارة عن تحريم الربا، والزنا، والخمر، وكذلك يجب على المرأة أن تتنازل عن حجابها، بل قد يُضيّق على المسلم في صلاته، كل ذلك من أجل الاعتراف بـ «الآخر» .
وفي هذه الأيام يُفيق بعض العلمانيين من سكرتهم ويقولون: لماذا تُهدر أمريكا «حقوق الآخر» أين الحريات؟! وتجيب أمريكا نيابة عن العلمانية في العالم وتقول: كفرنا بالحريات إذا لم تكن مصنوعة من أجلنا، كل شيء ينبغي أن يكون من أجلنا ومن أجل «حروبنا الذكية» .
أما «الآخر» فكلما أراد أن يكون مسلمًا متحاكمًا إلى شريعته ودينه، متميزًا في هذا العالم داعيًا إلى الفضيلة والأخلاق مدافعًا عن مقدساته، فلا بد أن يُسحقَ، ويُهاجمَ، ويُخرجَ من «القرية العالمية» «القرية الظالمة» ، ويوصف بالتطرف والفساد والإفساد، وتقول الجاهلية العلمانية كما قالت الجاهلية من قبل: {قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ّ} [الأعراف: 82] ، {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ّ} [القمر: 9] ، {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} [القمر: 25] {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] .
وبعد: فهل تجتمع كلمة العلماء والدعاة والعامة والخاصة على نصر المحكمات والعمل بها والدعوة إليها، وهل نكون على بصيرة من الأمر ونقف موقفًا شرعيًا من «الآخر» الذي يخالف المحكمات، ويرفع راية «الحريات» أو «التنوير» أو «السلام» أو «حقوق الإنسان» ، وهو يطعن المسلمين من الخلف في دينهم وشريعتهم ومقدساتهم، بل أصبح اليوم يطعن من جميع الجهات، وما زال كثير منا يتوسل إليه ليكون مقبولًا عنده وليحظى برضاه، {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] .