وبهذا المنهج المتميز في العقيدة والشريعة حقق المسلمون على طول التاريخ الإسلامي مقاصد الإسلام في الأرض.
وقد يقول قائل: إذا كانت الشريعة الإسلامية تُقر أهلَ الذمة على كفرهم ولا تكرههم على تغيير معتقدهم، لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة: 256] ؛ فأوْلى أن تقرهم على إباحيتهم، وظلمهم، وتتركهم ينشرون الشرك والخرافة والربا والرأسمالية؛ لأن هذه آراؤهم وحقوقهم، والعالم المعاصر الكافر أقر «حقوق الآخر» وأتاح له عن طريق الحريات أن يُعبّر عن رأيه.
فالجواب: أن الشريعة الإسلامية أقرت «الذميّ» على كفره لأنه مُعتقَدٌ خاص به، وأوجبت كَفَّه عن الإباحية كالزنا واللواط ووسائلهما، وعن الرأسمالية الاقتصادية كالربا وعن الظلم والبغي، وجعلته والمسلمين سواءً في هذه الأحكام، وهذه مُحكمات يجب المحافظة عليها أمام الرأي المخالف لها سواء كانت المخالفة من الكفار أم من المسلمين، وهذه المُحكمات كما نرى تتصف بأنها بيّنة واضحة، وهي أساس تُبنى عليه فروع كثيرة، وعليها دين الرسل - عليهم السلام -، وهي عاصم للمجتمع والعامة من الانحراف والفساد والاختلاف والفرقة بسبب الآراء المنحرفة عند «الآخر» ، كما أن هذه المحكمات تتصف بأنها حجة على الخصوم (1) .
فإذن إقرار أهل الذمة على كفرهم لا مانع منه بشرطه، والسماح «للآخر» بنشر الكفر والزندقة، والإباحية، والانحراف والفساد ومخالفة الشريعة الإسلامية ممنوع منه أشد المنع، وتبقى حرية «الآخر» فيما سوى ذلك.
وهذه «المحكمات» هي أصول العلم: وهي من أولويات وقواعد الدعوة الإسلامية، وهي حجةٌ على الخصوم من «العلمانيين» والمنافقين والمشركين، ولا يجوز التنازل عنها من أجل «الآخر» ؛ لأن ذلك مودٍ إلى إفساد الدين والدنيا، ولا يجوز للعلماء والدعاة التنازل عنها، أو تأخير منزلتها في البيان والدعوة، وكل دعوة إسلامية تضعف أمام «الآخر» وتعطلُ شيئًا من هذه المحكمات، أو تؤُخرها في البيان هي دعوة مخالفة لدعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثبت في السيرة النبوية أن هذه الدعوة لم تتمكن إلا بسبب المحافظة على تلك المُحكمات، سواء أمام الكفار أم بين المسلمين، وسواء في حالة الضعف أم في حالة التمكن، وسواء في حالة الحرب أم في حالة السلم.
وإليك الأدلة والأمثلة التطبيقية على موقف المسلمين من «الآخر» .
المثال الأول: موقف كفار قريش من الدعوة الإسلامية؛ حيث قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: تعبدُ معبودنا سنة ونعبد معبودك سنة.
المثال الثاني: موقف الفرق الضالة من الإسلام؛ حيث أرادت أن تغيِّر بعض معتقداته وشرائعه.
المثال الثالث: موقف التتار من الشريعة الإسلامية؛ حيث غيروا مفهوم تحكيم الشريعة الإسلامية وخلطوها بغيرها من الشرائع البشرية.
وقد نشأت الفرق الضالة كالمعتزلة والخوارج.. على حين تفرق جماعة المسلمين مع قتالٍ فيما بينهم أضعفَ شوكتهم، وكذلك التتار قاموا على حين ضعف من المسلمين؛ فجميع هذه الشواهد تدل على أن المسلمين لم يتنازلوا من أجل «الآخر» عن محكمات دينهم وشريعتهم، بل قاوم الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - الكفار، وقاوم أهل السنة الفِرَق الضالة، وقاوم المسلمون التتار، كل حسب قدرته، وحافظوا في جميع الأحوال على المحكمات وحققوا البراءة من العمل الذي يعمله «الآخر» سواء من المشركين أو أهل الأهواء، أو المرتدين من التتار.
قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير سورة الكافرون ـ وهي مكية وآياتها ست ـ: (بسم الله الرحمن الرحيم، {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ 1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ {2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {3} وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ {4} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5 لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6 [الكافرون: 1 - 6] .
هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص في قوله ـ - تعالى - ـ: {ققُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} يعني من الأصنام والأنداد، {َلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} وهو الله وحده لا شريك له؛ فـ «ما» ها هنا بمعنى «من» ، ثم قال: {وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وّلا أّنّا عّابٌدِ مَّا عّبّدتٍَمً} ؛ أي ولا أعبد عبادتكم؛ أي لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال: {وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} أي لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم كما قال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى } [النجم: 23] ، فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه؛ فإن العابد لا بد له من معبود يعبده وعبادة يسلكها إليه؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - {لكمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} . كما قال ـ - تعالى - ـ: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41] ، وقال: {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [الشورى: 15] . ومن جنس ذلك ما صنعته الجهمية وغلاة المبتدعة لما غيروا العقيدة الإسلامية، وقالوا لعلماء السنة نحن وأنتم سواء في محاربة «الزندقة» ، فأنكر عليهم أهل السنة ما غيروه من صفات الله - سبحانه -، كما أنكروا {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ 1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ {2} يعني من الأصنام والأنداد، {2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {3} وهو الله وحده لا شريك له؛ فـ «ما» ها هنا بمعنى «من» ، ثم قال: {2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {3} وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ {4}
ومن جنس ذلك ما صنعته الجهمية وغلاة المبتدعة لما غيروا العقيدة الإسلامية، وقالوا لعلماء السنة نحن وأنتم سواء في محاربة «الزندقة» ، فأنكر عليهم أهل السنة ما غيروه من صفات الله - سبحانه -، كما أنكروا ما غيرته المعتزلة والخوارج والشيعة وعباد القبور والزنادقة من عقائد المسلمين وشرائعهم، ولم يستطع هذا «الآخر» المنحرف أن ينشر أفكاره المنحرفة ويحقق لها شرعية بين المسلمين، ولما حاول «المأمون العباسي» وسعى إلى «تطبيع» آراء «الآخر» العقدية، قاومه أهل السنة، وصبروا حتى ردوا الناس إلى السنة، وأسقطوا بدع «الآخر» وانحرافاته.
وكذلك التتار لما دخلوا في الإسلام كما صنع ملكهم «جينكيز خان» ، وحاول تغيير مفهوم تحكيم الشريعة؛ حيث أراد هذا «الآخر» أن يخلط بالشريعة الإسلامية غيرها من القوانين الوضعية ـ كما يصنع العلمانيون اليوم ـ وقف علماء السنة ليبيّنوا للناس أن الحكم بالشريعة واجب، ولا يجوز أن يشاركها منهج آخر مهما أصر ذلك «الآخر» ، وأن إفرادها بالحكم والتحاكم والشرعية هو دين الإسلام، وأن ضد ذلك هو الكفر والفساد في الأرض.