فهرس الكتاب

الصفحة 2053 من 3028

سجال . قال تعالى:[ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ

اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ] ( البقرة: 251 ) .

وقال تعالى:[ لَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا

دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ

اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ] ( الحج: 40 ) .

إنً الصراع بين الحق والباطل أبديٌّ حتى تقوم الساعة ، كما أنَّ التدافع بين

الناس أبديٌّ حتى تقوم الساعة ، وقد قاد الأنبياء ورسل الله الكرام عليهم السلام

مسيرة الحق ، وأعلنوا الجهاد في سبيل الله نصرة للحق ودفعًا للباطل ، ومن آخرهم

نبي الرحمة والملحمة الضحوك القتَّال صلى الله عليه وسلم القائل: « بعثت بالسيف

بين يدي الساعة حتى يُعبَد الله وحده لا شريك له ، وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي ،

وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم » [5] .

وهذا خبر منه صلى الله عليه وسلم بحمل السيف على من لم يوحِّد الله وحده ،

من بداية بعثته ، كما أخبر سبحانه أنه بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته

ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، فجمع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من بداية

بعثته بين أمرين: الكتاب الهادي ، والسيف الناصر له ؛ ومصداق ذلك في قوله

تعالى:[ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ

بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ

بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ] ( الحديد: 25 ) .

فهذه الآية خبر من الله تعالى مفاده أن الله سبحانه أرسل الدلائل القاطعة ،

والبراهين الساطعة ، مع رسله إلى خلقه ، وأنزل عليهم كتاب هداية وصدق لا يأتيه

الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه ، ولا تشوبه أيَّة شائبة ، كما أنزل عليهم

الميزان الذي هو الحق والعدل ، من أجل أن يكون هو الحكم بين الناس في حياتهم ،

وجعل لأمور الهداية المذكورة في سورة الجمعة وغيرها حاميًا وناصرًا ، وهو

السيف الذي هو من الحديد الذي اجتمع فيه أمران: المنافع ، والبأس الشديد ، من

أجل نصرة الله تعالى ؛ وذلك بتحقيق العبودية له وحده ، وعدم صرف شيء منها

لغيره سبحانه ، ومن أجل نصرة رسله عليهم السلام ؛ وذلك باتباع ما أمروا ،

واجتناب ما عنه نهوا ، فإن امتثل الناس لهذا وإلا كانت النصرة والحماية لهذا

المنهج الرباني بحمل السيف في وجه كل من عاند وطغى وتجبر ، ولم يذعن للحق

وينصاع له .

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: « [ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ]

( الحديد: 25 ) : أي بالمعجزات والحجج الباهرات ، والدلائل القاطعات ،

[ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ ] ( الحديد: 25 ) وهو النقل الصدق ، [ وَالْمِيزَانَ ]

( الحديد: 25 ) وهو العدل ، وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة

المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة ، [ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ] ( الحديد: 25 )

أي بالحق والعدل ، وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به ، وطاعتهم فيما أمروا به ،

فإن الذي جاؤوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق ،[ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ

شَدِيدٌ ] ( الحديد: 25 ) أي وجعلنا الحديد رادعًا لمن أبى الحق وعانده ، بعد قيام

الحجة عليه ؛ ولهذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة

سنة توحى إليه السور المكيَّة وكلها جدال مع المشركين ، وبيان وإيضاح

للتوحيد ، وبينات ودلالات ؛ فلما قامت الحجة على من خالف ، شرع الله

الهجرة ، وأمرهم بالقتال بالسيوف ، وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن

وكذَّب به وعاند ، [ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ] ( الحديد: 25 ) يعني السلاح والحراب والسنان

والنصال والدروع ونحوها ، [ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ] ( الحديد: 25 ) أي في معايشهم

كالسكة والفأس والقدوم والمنشار ، ... وما لا قوام للناس بدونه وغير ذلك ،

[ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ] ( الحديد: 25 ) أي من نيته في حمل

السلاح نصرة الله ورسوله ، [ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ] ( الحديد: 25 ) أي هو قوي

عزيز ، ينصر من نصره ، من غير احتياج منه إلى الناس ، وإنما شرع الجهاد

ليبلو بعضكم ببعض » [6] .

ولقد جاء الخبر عن الجهاد في سبيل الله في العهد المكي في أوائل السور التي

أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المزمِّل في قوله تعالى:

[ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ] ( المزمل: 20 ) ، إلاَّ أن القتال لم يشرع

بعد ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما بايع أصحابه ليلة العقبة استأذنوه في الميل

على الأعداء ، فقال لهم: لم أومر بعد ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم .

وشعيرة الجهاد في سبيل الله تمتاز بالاستمراريَّة حتى قيام الساعة ؛ لأن الجهاد

هو الحامي والناصر للكتاب الهادي ؛ فالقرآن والسيف متلازمان لا ينفك أحدهما عن

الآخر .

يقول ابن القيّم رحمه الله: « فإن الله سبحانه أقام دين الإسلام بالحجة

والبرهان والسيف والعنان ، فكلاهما في نصره أخوان شقيقان » [7] .

وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم على من وضع السلاح ، واستبعد أن

يكون هناك جهاد بعد أن وضعت الحرب أوزارها .

عن سلمة بن نفيل رضي الله عنه قال: « كنت جالسًا عند رسول الله صلى

الله عليه وسلم فقال رجل: يا رسول الله ! أذال الناس الخيل ، ووضعوا السلاح ،

قالوا: لا جهاد ، قد وضعت الحرب أوزارها . فأقبل رسول الله صلى الله عليه

وسلم بوجهه وقال: كذبوا ، الآن جاء القتال ، ولا تزال من أمتي أمة يقاتلون حتى

تقوم الساعة ، وحتى يأتي وعد الله ، الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم

القيامة ، وهو يوحى إلي أني مقبوض غير ملبث ، وأنتم تتبعوني ، ألا فلا يضرب

بعضكم رقاب بعض ، وعقر دار المؤمنين الشام » [8] .

فأفاد هذا الحديث استمراريَّة القتال مع العدو حتى قيام الساعة ، وفي الحديث

الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه:

سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى

الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم

فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا . فَيَقُولُ: لا ؛ إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ

اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّة » [9] .

ففعل ( لا تزال ) في الحديثين يفيد الاستمراريَّة ، وفعل ( يقاتلون ) يفيد

التجديد ، كما أفاد حديث عروة البارقي رضي الله عنه في البخاري قال: حَدَّثَنَا أَبُو

نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِر حَدَّثَنَا عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم

قَالَ: « الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالْمَغْنَم » .

وهذا المعنى استنبط منه البخاري رحمه الله هذا فقال: باب الجهاد ماض مع

البر والفاجر [10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت