دون حماية لها ، وأبيح لها تعاطي المسكرات بجميع أنواعها ، ويعتبر هذا من
الحرية .
وإذا نظرت إلى المال فقد لعبت به الأيادي العابثة ، واستولى عليه من لا
يرقب في مؤمن إلًا ولا ذمة ، وأنهكت الشعوب بالفقر ؛ لأن القائمين عليها أنهكوا
بالديون من قبل الأعداء ؛ مما زاد في الفقر والتردي وذهاب الخيرات من بلادهم
إلى بلاد الأعداء ، فأصبحت الشعوب في بؤس وفقر شديد .
وإذا نظرت إلى العرض فقد عقدت المؤتمرات من أجل حرية المرأة
وإخراجها إلى النوادي العامة من غير حشمة ولا وقار باسم الحرية والدعوة إلى
مساواتها بالرجل في كل شيء ، كما لها الحق في اتخاذ الصديق والخدين ؛ مما نتج
عنه الوقوع في الزنا ، وكثرة أولاد الزنا ، وظهور الأمراض والأوبئة في المجتمع .
وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: « لم تظهر الفاحشة في قوم قط
حتى يعلنوا بها إلاّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم
الذين مضوا » [3] .
وإن أقل ما قلنا كلمة الحق في مواقف الرجال ، وما أكثر ما قصرنا في ذلك ،
إن لم يكن خوفًا فضعفًا ، ونستغفر الله ونتوب إليه مما قصرنا فيه ، وقد آن الأوان
لنقولها ما استطعنا ، كفارة عما سلف من تقصير ، وعما أسلفنا من الذنوب ؛ فليس
لها إلاّ عفو الله ورحمته ، والعمر يجري بنا سريعًا والحياة توشك أن تبلغ منتهاها .
نعم ! لقد آن الأوان أن نقول كلمة في شؤون المسلمين كلها ، وأن ننافح عن الإسلام
ما استطعنا بالقول الفصل والكلمة الصريحة والعمل الجاد ، لا نخشى فيما نقول أحدًا
إلاّ الله ، وذلك كلّه في حدود ما أذن الله لنا به ، بل ما أوجب علينا أن نقوله بهدي
كتاب ربنا وسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم .
إن بلاد عالمنا الإسلامي تنحدر في مجرى السيل إلى هوّة لا قرار لها ، هوّة
الإلحاد والإباحية والانحلال ؛ فإن لم نقف منهم موقف النذير ، وإن لم نأخذ بحجزهم
عن النار انحدرنا معهم وأصابنا من عقابيل ذلك ما يصيبهم ، وكان علينا من الإثم
أضعاف ما حملوا .
لقد آن الأوان أن نحارب الوثنيّة الحديثة والشرك الحديث اللذين شاعا في
عالمنا الإسلامي ، كما حارب سلفنا الصالح الوثنية القديمة والشرك القديم .
إننا نريد أن نثابر على ما دعونا وندعو إليه من العودة إلى كتاب الله وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم في قضائنا كلّه في كل بلاد الإسلام ، وهدم الطاغوت
الإفرنجي الذي ضرب على المسلمين في عقر دارهم في صورة قوانين ، والله تعالى
يقول:[ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن
يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ
المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ] ( النساء: 60-61 ) .
ويقول أيضًا:[ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ
يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ] ( النساء: 65 ) .
إننا نريد أن نتحدث في السياسة ، السياسة العليا للأمم الإسلامية التي تجعلهم
أمة واحدة كما وصفهم الله في كتابه ، نسمو بها على بدعة القوميات ، وعلى أهواء
الأحزاب ، نريد أن نبصر المسلمين بموقعهم من هذه الدنيا بين الأمم ، وتكالب الأمم
عليهم بغيًا ، وعدوانًا ، وعصبية ، وكراهية الإسلام أولًا وقبل كل شيء ، كما نريد
أن نعمل على تحرير عقول المسلمين وقلوبهم من روح التهتك والإباحيّة ، ومن
روح التمرد والإلحاد ، وأن نحارب النفاق والمجاملات الكاذبة التي اصطنعها كُتَّاب
هذا العصر أو أكثرهم فيما يكتبون وينصحون ! يظنون أن هذا من حسن السياسة
ومن الدعوة إلى الحق ( بالحكمة والموعظة الحسنة ) اللتين أمر الله بهما ! وما هذا
منهما قط ، وإنما هو الضعف والاستخذاء والملق ، والحرص على عرض الحياة
الدنيا .
إننا نريد أن نمهد للمسلمين سبيل العزة التي جعلها الله لهم وهي إحدى
الحسنيين كما قال تعالى:[ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ
بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ]
( التوبة: 52 ) . وأن نوقظهم وندعوهم إلى دينهم بصوت العزة والكرامة صوت
( حم لا ينصرون ) حتى يدوِّي هذا الصوت في أرجاء المعمورة فيملأ العالم
الإسلامي ، ويبلغ أطراف الأرض بما اعتزمنا من نيّة صادقة نرجو أن تكون خالصة
لله وحده جهادًا في سبيل الله إن شاء الله ، فإن عجزنا أو ذهبنا فلن يعدم الإسلام
رجلًا أو رجالًا خيرًا منّا يرفعون هذا اللواء فلا يزال خفاقًا إلى السماء بإذن
الله [4] .
ومن سنن الله تعالى في خلقه أن جعل الصراع بين الحق والباطل مستمرًا
حتى تقوم الساعة ، وقد بدأ هذا الصراع ثنائيًا بين آدم عليه السلام وإبليس اللعين ،
من يوم خلق الله أبا البشرية آدم عليه السلام وأمر الملائكة أن تسجد له ، فسجدوا إلا
إبليس أبى واستكبر ، وأخذته العزة بالإثم عن تنفيذ وتطبيق ما أمر به حسدًا وبغيًا ،
ودخل في نقاش وحوار مع ربه ، كانت نتيجته وجوب اللعنة عليه إلى يوم الدين ،
والطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى .
قال تعالى:[ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ
وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ ] ( البقرة: 34 ) .
وقال تعالى:[ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا
إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ
خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ
* قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ
خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا
مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ] ( الأعراف: 11-18 ) .
وانتقل هذا الصراع من الثنائية إلى الجماعية ، فصار في الأرض حزبان:
حزب الحق: يقود مسيرته رسل الله تعالى وأنبياؤه ، ومن تبعهم بإحسان إلى
يوم الدين ، كما قال تعالى:[ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ
وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ
مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ] ( الحديد: 25 ) .
وحزب الباطل: يقوده إبليس الذميم ، ومن تبعه من أهل الكفر والضلال إلى
يوم الدين ، فصار التدافع بين الحزبين قائمًا مستمرًا بالليل والنهار ، والحرب بينهما