فهرس الكتاب

الصفحة 2052 من 3028

دون حماية لها ، وأبيح لها تعاطي المسكرات بجميع أنواعها ، ويعتبر هذا من

الحرية .

وإذا نظرت إلى المال فقد لعبت به الأيادي العابثة ، واستولى عليه من لا

يرقب في مؤمن إلًا ولا ذمة ، وأنهكت الشعوب بالفقر ؛ لأن القائمين عليها أنهكوا

بالديون من قبل الأعداء ؛ مما زاد في الفقر والتردي وذهاب الخيرات من بلادهم

إلى بلاد الأعداء ، فأصبحت الشعوب في بؤس وفقر شديد .

وإذا نظرت إلى العرض فقد عقدت المؤتمرات من أجل حرية المرأة

وإخراجها إلى النوادي العامة من غير حشمة ولا وقار باسم الحرية والدعوة إلى

مساواتها بالرجل في كل شيء ، كما لها الحق في اتخاذ الصديق والخدين ؛ مما نتج

عنه الوقوع في الزنا ، وكثرة أولاد الزنا ، وظهور الأمراض والأوبئة في المجتمع .

وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: « لم تظهر الفاحشة في قوم قط

حتى يعلنوا بها إلاّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم

الذين مضوا » [3] .

وإن أقل ما قلنا كلمة الحق في مواقف الرجال ، وما أكثر ما قصرنا في ذلك ،

إن لم يكن خوفًا فضعفًا ، ونستغفر الله ونتوب إليه مما قصرنا فيه ، وقد آن الأوان

لنقولها ما استطعنا ، كفارة عما سلف من تقصير ، وعما أسلفنا من الذنوب ؛ فليس

لها إلاّ عفو الله ورحمته ، والعمر يجري بنا سريعًا والحياة توشك أن تبلغ منتهاها .

نعم ! لقد آن الأوان أن نقول كلمة في شؤون المسلمين كلها ، وأن ننافح عن الإسلام

ما استطعنا بالقول الفصل والكلمة الصريحة والعمل الجاد ، لا نخشى فيما نقول أحدًا

إلاّ الله ، وذلك كلّه في حدود ما أذن الله لنا به ، بل ما أوجب علينا أن نقوله بهدي

كتاب ربنا وسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم .

إن بلاد عالمنا الإسلامي تنحدر في مجرى السيل إلى هوّة لا قرار لها ، هوّة

الإلحاد والإباحية والانحلال ؛ فإن لم نقف منهم موقف النذير ، وإن لم نأخذ بحجزهم

عن النار انحدرنا معهم وأصابنا من عقابيل ذلك ما يصيبهم ، وكان علينا من الإثم

أضعاف ما حملوا .

لقد آن الأوان أن نحارب الوثنيّة الحديثة والشرك الحديث اللذين شاعا في

عالمنا الإسلامي ، كما حارب سلفنا الصالح الوثنية القديمة والشرك القديم .

إننا نريد أن نثابر على ما دعونا وندعو إليه من العودة إلى كتاب الله وسنة

رسوله صلى الله عليه وسلم في قضائنا كلّه في كل بلاد الإسلام ، وهدم الطاغوت

الإفرنجي الذي ضرب على المسلمين في عقر دارهم في صورة قوانين ، والله تعالى

يقول:[ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ

يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن

يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ

المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ] ( النساء: 60-61 ) .

ويقول أيضًا:[ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ

يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ] ( النساء: 65 ) .

إننا نريد أن نتحدث في السياسة ، السياسة العليا للأمم الإسلامية التي تجعلهم

أمة واحدة كما وصفهم الله في كتابه ، نسمو بها على بدعة القوميات ، وعلى أهواء

الأحزاب ، نريد أن نبصر المسلمين بموقعهم من هذه الدنيا بين الأمم ، وتكالب الأمم

عليهم بغيًا ، وعدوانًا ، وعصبية ، وكراهية الإسلام أولًا وقبل كل شيء ، كما نريد

أن نعمل على تحرير عقول المسلمين وقلوبهم من روح التهتك والإباحيّة ، ومن

روح التمرد والإلحاد ، وأن نحارب النفاق والمجاملات الكاذبة التي اصطنعها كُتَّاب

هذا العصر أو أكثرهم فيما يكتبون وينصحون ! يظنون أن هذا من حسن السياسة

ومن الدعوة إلى الحق ( بالحكمة والموعظة الحسنة ) اللتين أمر الله بهما ! وما هذا

منهما قط ، وإنما هو الضعف والاستخذاء والملق ، والحرص على عرض الحياة

الدنيا .

إننا نريد أن نمهد للمسلمين سبيل العزة التي جعلها الله لهم وهي إحدى

الحسنيين كما قال تعالى:[ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ

بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ]

( التوبة: 52 ) . وأن نوقظهم وندعوهم إلى دينهم بصوت العزة والكرامة صوت

( حم لا ينصرون ) حتى يدوِّي هذا الصوت في أرجاء المعمورة فيملأ العالم

الإسلامي ، ويبلغ أطراف الأرض بما اعتزمنا من نيّة صادقة نرجو أن تكون خالصة

لله وحده جهادًا في سبيل الله إن شاء الله ، فإن عجزنا أو ذهبنا فلن يعدم الإسلام

رجلًا أو رجالًا خيرًا منّا يرفعون هذا اللواء فلا يزال خفاقًا إلى السماء بإذن

الله [4] .

ومن سنن الله تعالى في خلقه أن جعل الصراع بين الحق والباطل مستمرًا

حتى تقوم الساعة ، وقد بدأ هذا الصراع ثنائيًا بين آدم عليه السلام وإبليس اللعين ،

من يوم خلق الله أبا البشرية آدم عليه السلام وأمر الملائكة أن تسجد له ، فسجدوا إلا

إبليس أبى واستكبر ، وأخذته العزة بالإثم عن تنفيذ وتطبيق ما أمر به حسدًا وبغيًا ،

ودخل في نقاش وحوار مع ربه ، كانت نتيجته وجوب اللعنة عليه إلى يوم الدين ،

والطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى .

قال تعالى:[ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ

وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ ] ( البقرة: 34 ) .

وقال تعالى:[ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا

إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ

خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا

فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ

* قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ

خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا

مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ] ( الأعراف: 11-18 ) .

وانتقل هذا الصراع من الثنائية إلى الجماعية ، فصار في الأرض حزبان:

حزب الحق: يقود مسيرته رسل الله تعالى وأنبياؤه ، ومن تبعهم بإحسان إلى

يوم الدين ، كما قال تعالى:[ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ

وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ

مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ] ( الحديد: 25 ) .

وحزب الباطل: يقوده إبليس الذميم ، ومن تبعه من أهل الكفر والضلال إلى

يوم الدين ، فصار التدافع بين الحزبين قائمًا مستمرًا بالليل والنهار ، والحرب بينهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت