فهرس الكتاب

الصفحة 2054 من 3028

ولما شرح ابن حجر رحمه الله هذا الحديث قال: « وفيه أيضًا بشرى ببقاء

الإسلام وأهله إلى يوم القيامة ؛ لأن مِنْ لازمِ بقاء الجهاد بقاء المجاهدين ، وهم

المسلمون ، وهو مثل الحديث الآخر: » لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على

الحق « . الحديث [11] .

يقول السرخسي رحمه الله: » فاستقر الأمر على فرضيّّة الجهاد ، وهو

فرض قائم إلى قيام الساعة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « الجهاد ماض منذ

بعثني الله تعالى إلى أن يقاتل آخر عصابة من أمتي الدجال » [12] .

ويقول ابن الهمام رحمه الله: « ولا شك أن إجماع الأمة أن الجهاد ماض إلى

يوم القيامة لم ينسخ ، فلا يتصور نسخه بعد النبي صلى الله عليه وسلم » .

ويقول الخرقي رحمه الله: « والجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط

عن الباقين » .

فيفهم من كلامه أنه إذا لم يقم به قوم فينتقل حكمه من الكفاية إلى العينيَّة ، وقد

فسر ابن قدامة الكفاية فقال: « معنى فرض الكفاية الذي إن لم يقم به من يكفي أثم

الناس كلهم ، وإن قام به من يكفي سقط عن سائر الناس ؛ فالخطاب في ابتدائه

يتناول الجميع ، كفرض الأعيان ، ثم يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل

بعض الناس له ، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره ، والجهاد من

فروض الكفايات في قول عامة أهل العلم » ثم قال: « ومعنى الكفاية في الجهاد أن

ينهض قوم يكفون في قتالهم ، إمّا أن يكونوا جندًا لهم دواوين من أجل ذلك ، أو

يكونوا قد أعدوا أنفسهم له تبرعًا بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم ،

ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها ، ويبعث في كل سنة جيش يغيرون على

العدو في بلادهم » [13] .

والله سبحانه فرض على عباده المؤمنين الجهاد في سبيله بنوعيه: جهاد

الكلمة ، وجهاد السيف ؛ من أجل نصرة الدين ، وإعلاء كلمة الحق ، والذب عن

ديار المسلمين ، ودمغ الباطل وأهله ، كما أمر عباده المؤمنين بالتعاون على البر

والتقوى ، والاعتصام بحبل الله المتين ، والاتباع لسنة سيد المرسلين صلى الله عليه

وسلم .

قال تعالى: [ وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ]

( المائدة: 2 ) .

قال الله تعالى:[ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ

عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ

مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ]

( آل عمران: 103 )

وهذا خطاب من الله تعالى لعباده المؤمنين ورد في صيغة الأمر ، وهو يشتمل

على أمور مهمة جدًا منها:

الأول: التعاون فيما بينهم على كل خير فيه فلاحهم ونجاحهم في الدنيا

والآخرة .

الثاني: النهي لهم عن التعاون في أي عمل يوقعهم في إثم أو عدوان .

الثالث: الاعتصام بحبل الله العظيم ؛ لما في ذلك من النجاة .

الرابع: النهي عن التفرق والاختلاف ؛ لما في ذلك من الهلكة والدمار .

الخامس: الأمر بالجماعة والإتلاف ، وهو لازم الأمرين السابقين .

السادس: الاعتبار بما كانوا عليه قبل الإسلام من التفرق والتحزب والعداوة

والبغضاء والضلال المبين ؛ لما في ذلك من التفكر والتدبر والاعتبار ، وذلك يؤدي

إلى الهداية .

السابع: التذكير بنعمة الإخاء الإيماني ؛ فلا بد من المحافظة عليه ؛ لأنه

إحدى الركائز التي يقوم عليها المجتمع المسلم .

الثامن: الأخذ بالأسباب ، وعدم الاستسلام للواقع المرير ؛ حيث أمرهم

بالاعتصام بالدين ، ونهاهم عن التفرق فيه ، وهذا من الأخذ بالأسباب .

إن هذه الأمور الشرعية تمثلت في الكيان المسلم في عصر النبوة وما بعد ذلك

حتى أخذت تضمحل رويدًا رويدًا في العصر الحاضر ؛ حيث قضت عليها

الجاهلية المعاصرة ، فتلاشى الاعتصام بحبل الله ، وحل محلّه الاعتصام بقانون

البشر ، وصار التفرق والاختلاف في صفوف المسلمين سمة بارزة يندى لها الجبين ،

ويرجف منها الفؤاد ، ولم يصبح للمسلمين عمومًا جماعة ولا قيادة تحمي حماهم ،

وتحفظ بيضتهم وترد عنهم كيد الأعداء ، وانعدم الاعتبار بمن سبق بسبب قطع صلة

الحاضر بالماضي ، وحلّ محل الإخاء الإيماني الإخاء العنصري ، والقومي ،

والعرقي ، وقل الاعتبار والتذكر لنعم الله تعالى ، وداهية الدواهي الوقوف في وجه

من يدعو إلى ما تضمنته هذه الآية من تلك الأمور الجليلة ، ويوصم بالتطرف

والتزمت والإرهاب والتخلف والرجعية ، وغير ذلك من الألقاب[ كَبُرَتْ كَلِمَةً

تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا ] ( الكهف: 5 ) .

إن أعظم شيء وقع فيه عالمنا الإسلامي اليوم عدم تحقيق التوحيد الذي

افترضه الله على العباد ، والذي هو أساس العبادة ورأسها ، وهو الذي بعث الله به

الأولين والآخرين من الرسل عليهم السلام ، وبتحقيقه تكون النجاة من النار ويحصل

الفلاح والفوز بالجنة ، وهو الذي من أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل ، وشرع

الجهاد من أجله ، فأريقت الدماء وسبيت الأعراض ، واستُحلّت الأموال . وهذا

التوحيد أصبح غريبًا في بلاده ، حتى وصل الحال بالناس أنهم لا يعرفون ما يضاده

من الشرك الأكبر ؛ فكيف بما هو دونه ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم .

يقول د . علي بخيت الزهراني: « إن الدارس لهذه الفترة التي نعنى بها

ليصاب بدهشة عظيمة فيما حل بالمسلمين من شرك تعددت مظاهره واختلفت أشكاله ؛

حتى لكأنما عقيدة التوحيد قد قضي عليها تمامًا ، وأن الموحدين قد انعدموا من

الأرض ؛ فلم يعد هناك إلا من أشرك بالأولياء في عبادة الله ؛ فهو يدعوهم رغبًا

ورهبًا . إننا لا نغلو إذا قلنا إن الأمة في هذين القرنين كانت غارقة في كثير من

مظاهر الشرك والبدع والخرافات ، وأنها انحرفت في توحيد الألوهية انحرافًا رهيبًا

وغشيها موج من الظلام والجهل حجب عنها حقيقة الدين وطمس فيها نور التوحيد ،

وعدل بها عن صراطه المستقيم ، لقد ضرب الشرك الأكبر بأطنابه في ديار الإسلام ،

وانتشر في غالب القرى والبلدان ، فشيدت القباب على الأضرحة ، وأنشئت

المساجد على القبور ، وأقيمت مزارات ومشاهد ، وزينت بالسرج والقناديل ،

وزخرفت بأنواع الزخارف ، وكسيت من غالي الديباج ونفيس الستارات ، وحليت

أبوابها ونوافذها بسبائك الذهب والفضة وطلائها ، وأهديت عقود من اليواقيت

واللآلئ والزبرجد وغيرها ، فقصدها القاصي والداني ، ولجأ إلى رحابها المسافر

والمقيم ، وهرع نحوها العلماء قبل الجهال ، والكبار قبل الصغار ، والجميع يرتمون

بساحاتها ، ويتمرغون في جنباتها ، ويلثمون أعتابها ، فتراهم من حولها يطوفون ،

وبأصحابها يستغيثون ويستعينون ، وفي عرصاتها يهرقون دماء نذورهم وقرابينهم ،

وكل هذا من الشرك الأكبر ، وصورة من صور الوثنية ، وإن اختلفت الأسماء

وتبدلت الهيئات والأشكال » [14] .

ولقد تألم الإمام الشوكاني رحمه الله عندما تفكر في حال أهل اليمن وما حل

بهم من المحن والفتن من بُعدهم عن معرفة أحكام دينهم ، بل بُعدهم عن أداء ما

افترضه الله عليهم ، من مباني الإسلام الخمسة وغيرها ، مع أن البلاد اليمنية كانت

متميزة بأهل العلم والفقه ، وكان كثير ممن يطلبون العلم يذهبون إليها ، لكن يبدو

والله أعلم أنهم أهل تقليد وطرق صوفية منحرفة ، وأهل فرق منحرفة كالزيدية

والباطنية وغيرها ، واسمع إليه رحمه الله تعالى وهو يصف حال أهل بلاده فيقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت