فهرس الكتاب

الصفحة 2041 من 3028

فاجتهادات المدرسة الإصلاحية لم تقف عند حد التوفيق بين الإسلام والأفكار الغربية في المسائل الحياتية المرتبطة بالشريعة (أو الفقه) ، ولكنها تجاوزتها إلى (التصورات) و (الغيبيات) ، لتربط بينها وبين (العقل) ، وهي في هذا المجال قاربت أن تنزلق من (العقلانية) إلى (المادية) ، فحرصت ـ ما أمكنها ـ على أن يكون كل تصور مفسرًا بالعقل، وأن ترد معظم الغيبيات إلى أصل مادي أو تجريبي، وإلا أوَّلوها تأويلًا أقرب إلى نفيها.

وقد كان هذا المنهج أقرب إلى مخطط الغرب الخبيث لإدخال العلمانية والتغريب إلى العالم الإسلامي بدون إثارة، «.. فإن دخول عناصر جديدة على الحياة الإسلامية كان يقتضي إبراز بعض تعليمات الدين، وتوجيه عناية أكبر إليها، ووضعَها في المكان الأول، ووضعَ تعليمات أخرى في مرتبة غير أساسية. وإذا حدث هذا، فمعناه أن الموازين الدينية والتعاليم الأخلاقية في الإسلام آخذة في التحول، وأن هذا التحول يتجه نحو تقريبه من الموازين الغربية في الأخلاق التي هي في الوقت نفسه متمثلة في التعاليم الأخلاقية للكنيسة المسيحية.

ويقرر جيب أن في كل البلاد الإسلامية... حركات معينة تختلف قوة واتساعًا ترمي إلى تأويل العقائد الإسلامية وتنقيحها، ثم يقول: وقد اتجهت مدرسة محمد عبده بكل فروعها وشُعَبها نحو تحقيق هذا الهدف، بل لقد ظهر كثير من العلماء المستقلين الذين نادوا بآراء أكثر تقدمًا وجرأة، لا سيما في الهند. ولكن الواقع هو أن معظم ما تم من تعديل وتحوير خفي لا يبدو للنظرة السطحية» (3) .

ويقول بولسون نيومان «... فإذا أمكن للمبادئ الإسلامية أن تتطور مع الزمن المتطور، بدلًا من الارتباط بعالم خيالي لا يسمح للتطور الزمني أن يتطرق إليه... عند ذلك: سوف تصبح يقظة الشرق حقيقة واقعة، وليست أضغاث أحلام، وعند ذلك سوف يتحرر ملايين البشر من هذه العقائد الأثرية الشيباء ليأخذوا مكانهم بين الحركات الحديثة» (1) .

لذا: فقد لاقت فكرة الإصلاح الديني أو الاجتماعي «هوى في نفس كرومر؛ لأنها الفكرة التي تشغل بال الرأي العام المصري عن المطالبة بالاستقلال أو الجلاء، أو لأنها الفكرة التي لو نجحت في مهمتها (!) لأصبحت دليلًا على نجاح الاحتلال البريطاني في مهمته، وهذه المهمة في ظاهرها هي الأخذ بيد المصريين إلى الحضارة والسير بهم إلى حيث يلحقون بالأمم الأخرى» (2) .

من التوفيق إلى التقريب:

لم تقف جهود المدرسة الإصلاحية عند حدود توفيق الإسلام (عقيدة وشريعة) مع الفكر الغربي وإذابة الفوارق والفواصل بينهما، بل سعى بعض رموز هذه المدرسة إلى (التقريب) بين الإسلام والأديان الأخرى.

فمحمد عبده يقول: «إن القرآن ـ وهو منبع الدين ـ يقارب بين المسلمين وأهل الكتاب حتى يظن المتأمل فيه منهم أنهم لا يختلفون عنهم إلا في بعض أحكام قليلة» (3) .

ولقد أخذ هذا الفهم النظري شكل السعي العملي؛ فها نحن نجده بعد إغلاق صحيفة العروة الوثقى وعودته من باريس إلى بيروت يؤسس (جمعية التأليف والتقريب بين الأديان السماوية) ، وشاركه فيها آخرون من المسلمين والنصارى واليهود، من أبرزهم القس الإنجليزي إسحاق تايلور المعروف بالدعوة إلى ذلك، وجي دبليو لينتز، وحسن خان مستشار السفارة الإيرانية بالآستانة، وكان محمد عبده صاحب الرأي الأول في إنشائها ونظامها، أما هدف الجمعية فكان: التقريب بين الأديان السماوية الثلاثة، وإزالة الشقاق بين أهلها، وإحلال التعاون بدل الفرقة والخصام (4) .

مكمن الخطر في المدرسة الإصلاحية:

إننا لا نستطيع الآن ـ وقد ماتت أنفس لا تستطيع الدفاع عن نفسها، وطمرت أحداث لا نستطيع جلاءها ـ أن نصدر حكمًا ـ بالإدانة أو البراءة ـ على المدرسة الإصلاحية، وليس هذا من أهدافنا أصلًا، فهدفنا رصد الخطوات والمؤثرات والوقائع التي أدت إلى العلمنة والتغريب الذي تحياه معظم مجتمعاتنا المعاصرة بدرجات متفاوتة.

قد يكون في أتباع هذه المدرسة مخلصون أرادوا ـ في ظل هذه الظروف الصعبة والمعقدة ـ الدفاع عن الإسلام وإصلاح الواقع الاجتماعي والثقافي والوقوف دون انهيار إيمان المسلمين أمام المد الإلحادي... يحتمل !، وقد يكون فيهم عملاء مأجورون باعوا أنفسهم للغرب أو انبهروا به إلى حد الذوبان فيه وخدمته تلقائيًّا... ربما!، وقد يكون فيهم من تمثل فيه هذا الوصف وذاك ... ليس بمستبعد!

ولكننا ـ على العموم ـ لا نستطيع أن ننظر بعين واحدة ـ هي التي تنشط في دراسة كهذه ـ عند تقييم هذه المدرسة؛ فقد كان لها بالفعل آثار ملموسة في نبذ الخرافات وكسر الجمود الفقهي وإعادة تشكيل الفكر الإسلامي، وفي الوقت نفسه: فإننا لا نستطيع تجاهل الانحرافات العقدية والعلمية والعملية التي وقعت فيها هذه المدرسة، وأيضًا لا نملك ـ علميًّا وأدبيًّا ـ حق التغاضي عن الدور الذي قامت به والأثر الملموس الذي أحدثه روادها ـ قصدوا أو لم يقصدوا ـ في تقريب العلمانية والتغريب إلى المجتمعات الإسلامية.

لم يكن مستغربًا أن يتفق الإسلام مع العقل، ولم تكمن خطورة المدرسة الإصلاحية في انفتاحها على الفكر الغربي ونهلها من نتاجه، إنما تمثل مكمن الخطورة في المدرسة الإصلاحية في عدة أمور، منها:

أولًا: أن تفسير الدين ونصوصه بالعقل المحض الذي وصل إلى حد أن يكون ذلك قاعدة الاستدلال الأساس، والذي انبنى عليه تأويل النصوص بحسب معطيات العلم التجريبي الغربي المعاصر.. كان ذلك بمثابة محاولة لإخضاع علم الله وقدرته المطلقين وغير المحدودين لإدراك العقل الإنساني وتصوراته ومعارفه وتجاربه التي تتسم بالقصور والمحدودية والنسبية، ليس بالنسبة لعلم الله وقدرته فقط، بل بالنسبة للعقل الإنساني نفسه الذي تختلف قدراته من شخص إلى آخر، وتختلف تجاربه ومكتسباته العلمية من عصر إلى آخر، كما أنه ليس في الوجود البشري عقل مطلق ومجرد نستطيع القياس عليه واتخاذه حَكَمًا يرجع إليه البشر في تصوراتهم وأفكارهم ومناهجهم وأخلاقهم.

فهم بهذا التوسع يعملون على تفسير المطلق وغير المحدود بالنسبي والمحدود، وفي ذلك ما فيه من مخالفة العقل نفسه، إضافة إلى خطورته على توحيد الله والإيمان به.

ثانيًا: أن محاولة إخضاع الغيبيات والخوارق المذكورة في الكتاب والسنة للتفسير المادي أو التجريبي... فيه نوع من اختزال الإيمان بالغيب لحساب عالم الشهادة؛ فإنه عندما يؤمن المسلم بتفسير غيبية أو خارقة بناءً على مشاهداته المحسوسة أو المتصورة التي قد تتكرر أو تفتعل بإرادة المخلوقين أو سيطرتهم.. فإنه لا يؤمن حينئذ بغيب، بل يؤمن بمشاهد أو مشهود، وهكذا: كلما فسرنا غيبية بهذا التفسير نقلناها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وفي النهاية يتقلص الإيمان بالغيب ويتمدد الإيمان بالشهادة، وهذه نقلة نحو المادية وابتعاد عن الدين الذي تقوم قاعدته الكبرى على الإيمان بالغيب: {ذّلٌكّ پًكٌتّابٍ لا رّيًبّ فٌيهٌ هٍدْى لٌَلًمٍتَّقٌينّ > پَّذٌينّ يٍؤًمٌنٍونّ بٌالًغّيًبٌ $ّيٍقٌيمٍونّ پصَّلاةّ $ّمٌمَّا رّزّقًنّاهٍمً يٍنفٌقٍونّ} [البقرة: 2، 3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت