ثالثًا: إذا كان القرآن، وكذلك السنة، لم يأتيا إلا بمبادئ وحدود عامة في التشريع ـ بحسب اجتهادت المدرسة الإصلاحية ـ، وإذا فسرت الغيبيات والمعجزات التي ذكراها تفسيرًا ماديًا يمكن أن يحدث لأي أحد، وإذا كان ما ورد فيها من ذكر للأحداث والأسماء التاريخية ليس لذكر حقائق تاريخية بل فقط للاعتبار والتذكر، وإذا كان الأمر نفسه بالنسبة لـ (إشارات القرآن) في الفلك والاقتصاد.. وإذا أهدرت أحاديث الآحاد ـ ومعظم السنة أحاديث آحاد ـ ثم أوِّل ما تبقى منها أو حيد عنها بدعوى تحقيق المصلحة وموافقة المقاصد ...فضلًا عن إهدار التراث الفكري الذي خرج من هذين المصدرين، وإذا كانت (الشريعة) يمكن التلاعب بها إلى الحد الذي رأينا في فتاوى هذه المدرسة... فماذا يتبقى من الإسلام إذن؟
إن المدرسة الإصلاحية ـ باتباعها ذلك المنهج ـ تكون قد قامت بعملية الإخلاء اللازمة لاحتلال الفكر الغربي قواعد الفكر الإسلامي.
رابعًا: كان من أثر روح الهزيمة النفسية التي سادت المدرسة الإصلاحية والتداعيات التي تمخضت عنها، والتفاعلات المستمرة مع أصحاب اتجاه العلمانية الصريحة ... أن الإصلاحية لم تستطع الصمود أمام الهجوم العلماني والإلحادي المادي؛ فلقد «كانت قوة التحدي الأوروبي ـ الحضاري والسياسي ـ أعظم من أن تصمد لها توفيقية محمد عبده ومعادلته التي حاولت بعد أزمان من التنافر والعداء الجمع بين الإسلام والغرب في صيغة تصالحية واحدة ... » (1) ، فكانت النتيجة تقهقر هذه المدرسة وتراجعها عن مواقعها شيئًا فشيئًا أمام اتجاه العلمانية الصريحة، متوسعة في منهجها التوفيقي الاعتذاري وتطبيقاته على أوجه الحياة.
خامسًا: نتج عن هذا التقهقر وذلك الإخلاء للمواقع أنَّ العلمانيين وجدوا في أدبيات المدرسة التوفيقية الإصلاحية أدوات ومسوغات يغزون بها المجتمعات الإسلامية على نطاق واسع، كما أن شهيتهم ازدادت شراهة لعرض أفكارهم، وفي الوقت نفسه: أصبح منهج المدرسة الإصلاحية وسيطًا مناسبًا لحمل هذه الأفكار الغربية، أو كما يقول ألبرت حوراني عن رائد هذه المدرسة (محمد عبده) : «لقد نوى إقامة جدار ضد العلمانية، فإذا به في الحقيقة يبني جسرًا تعبر العلمانية عليه، لتحتل المواقع واحدًا بعد الآخر، وليس من المصادفة ـ كما سنرى ـ أن يستخدم معتقداته فريق من أتباعه في سبيل إقامة العلمانية الكاملة» (2) ، ويقول شيخ الإسلام بالدولة العثمانية مصطفى صبري: «فلعله وصديقه ـ أو شيخه ـ جمال الدين أرادا أن يلعبا في الإسلام دور لوثر وكلفين زعيمي البروتستانت في المسيحية، فلم يتسن لهما الأمر لتأسيس دين حديث للمسلمين، وإنما اقتصر تأثير سعيهما على مساعدة الإلحاد المقنَّع بالنهوض والتجديد...» (3) .
سادسًا: ومثلما ساهمت المدرسة الإصلاحية على إسقاط الحاجز الفكري بين الإسلام والغرب بتقريب الفكر الغربي إلى المجتمعات الإسلامية ساعدت على إسقاط الحاجز النفسي لدى النخبة المثقفة لقبول العلمانية والتغريب، فـ «عند أولئك الذين تعلموا في المدارس الحديثة كانت جاذبية وجهة نظر الإمام محمد عبده للإسلام تكمن في أنها حررتهم لقبول أفكار الغرب الحديثة بلا أدنى إحساس بالتخلي عن ماضيهم...» (1) .
سابعًا: تطورت معادلة التوفيقية الإصلاحية على يد تلاميذ محمد عبده من القول: «إن المدنية الحقيقية تتوافق مع الإسلام» إلى القول: «إن الإسلام الحقيقي يتوافق مع ما تأتي به المدنية» (2) ، أو بمعنى آخر: من شرح الحضارة (العمران) والأفكار الغربية بما يوافق الإسلام (الحقيقي) ، إلى تطويع الإسلام وإعادة تفسيره لحمله على موافقة الحضارة (العمران) والعقل الغربي، والحقيقة أن هذا التطور في تلك المعادلة كان قد بدأ على يد محمد عبده نفسه، ولكن تلامذته خاضوا فيه بصورة أوضح.
كما انهارت الموازنة بين قيم الإسلام وتصوراته وبين أفكار الغرب وعلومه، وهي الموازنة التي كان يحرص عليها ـ إجمالًا ـ محمد عبده، وافترقت خطى مدرسته من بعده، فمال رشيد رضا بفكره إلى سلفية أكثر، بينما اتجه سعد زغلول وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين وعلي عبد الرازق... وغيرهم، إلى شبه قبول مطلق للفكر الغربي، مطالبين بعلمانية متشبهة بالغرب وبفصل الدين عن الدولة (3) .
وعليه: نستطيع القول: إن المدرسة الإصلاحية ـ بعد توظيف الغرب لها خدمة لأهدافه ـ عادت من حيث بدأت: إسلامًا يواجه الفكر الغربي، وتغريبًا وعلمانية يحاصران الإسلام ويعملان على إقصائه من واقع الحياة.
ثامنًا: رسخت المدرسة الإصلاحية استمرار النهج التلفيقي المخادع الذي بدأه الطهطاوي والتونسي، القائم على تلبيس الحق بالباطل وتخليط الصواب بالخطأ، والذي كان مقتضاه تقديم التغريب والعلمانية على طبق من الدين، وهذا الأسلوب في تقديم العلمانية والتغريب باسم الإسلام في هذه المرحلة المبكرة هو ما تمناه المستشرق القسيس المنصر (زويمر) عندما قال هو وزملاؤه: «تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم؛ لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها» (4) ، وقريب منه ما ذكره (الشيخ) محمد عبده ـ في رسالة مريبة منه بخط يده إلى أستاذه جمال الدين الأفغاني عام 1300 هـ (1883م) بعد مناظرة الأخير الشهيرة مع رينان ـ: «نحن الآن على سنتك القويمة: لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين، ولهذا لو رأيتنا لرأيت زهادًا عبادًا ركعًا سجدًا..» (5) ، وهذا ما عبر عنه أحد المفكرين المعاصرين بأن العلمانية دخلت إلى العالم الإسلامي لابسة عمامة، وهو الأسلوب نفسه الذي يحاول اتباعه الآن (الإصلاحيون) في إيران وبعض (التنويريين) في بقاع أخرى من العالم الإسلامي، وعكسه ما يحاوله بعض الإسلاميين في تركيا (إعادة الإسلام لابسًا قبعة) .
ويمكن القول ـ إذا لم نتحلَّ بدرجة كبيرة من إحسان الظن بهم ـ: إن (الإصلاحيين) في ذلك الوقت لم يكن في وسعهم إلا اتباع ذلك الأسلوب المخادع حتى لا يصطدموا مع عامة الأمة وعلمائها (المتعصبين) .
(u) هذه المقالات مقتطفات مختصرة من كتاب يعده الأخ الكاتب عن تاريخ العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي، وقد آثر ـ جزاه الله خيرًا ـ مجلة البيان بنشر هذه المقالات قبل نشره للكتاب. ـ ^ ـ
(2) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، ج 2، ص 215، وانظر: وجهة الإسلام، ص 40.
(1) السابق، ج 2، ص 214، وانظر: وجهة الإسلام، ص 69، وما بعدها.
(2) وبالفعل يكاد ألا يخلو قطر عربي ممن تربى فيها وتخرج منها ثم تسنم في بلاده مناصب سياسية أو اجتماعية أو ثقافية وتربوية أو إعلامية رفيعة، مما مكنهم من التأثير في تلك البلاد، حتى إن هذه الكلية ( وهي مدرسة من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية ) التي أصبح لها فروع عديدة تفخر بذلك وبأنها يطلق عليها اسم: (مدرسة المشاهير) .
(3) الإسلام والحضارة الغربية، ص 45 - 46. (4) د. سامي عزيز، مصدر سابق، ص 300.
(6) د. سامي عزيز، المصدر السابق.
(3) د. سامي عزيز، مصدر سابق، ص302.
(4) تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده، لمحمد رشيد رضا، ج 2، ص 537.
(5) السابق، ج 2، ص 536.