وبـ (تحرير) العقيدة من قيد التقليد أهدت حركة الإصلاح طوق النجاة إلى حركة التحرر العلمانية، أو كما يقول المستشرق جب: «.. كان [محمد عبده] يرفض قبول مبدأ السلطة، أو التقليد بلا مناقشة ـ كما يقال في الإسلام ـ، وكان هذا الرأي بمثابة خشبة إنقاذ للنزعة العلمانية الجديدة» (5) .
وبـ (تحرير) الفقه من القيد نفسه (التقليد) وصلت المدرسة الإصلاحية إلى فتح باب الاجتهاد؛ «لكي يتسنى للعالِم أن يؤول التعاليم الإسلامية تأويلًا جديدًا يتلاءم مع روح العصر» (6) ، وعلى هذا نستطيع فهم الهدف من دعوة هذه المدرسة إلى الرجوع إلى السلف الصالح ـ في بعض جوانبها ـ على أنه: «النفوذ إلى ما وراء النظم الفقهية المتحجرة ـ كما تبدو في المذاهب الأربعة ـ وفتح باب الاجتهاد، لكي يتمكن العالم من تأويل التعاليم الإسلامية تأويلًا جديدًا حرًا» (7) .
ثم تمخض عن فتح باب الاجتهاد على يد هذه المدرسة دعوة عريضة إلى إعادة تفسير الشريعة كلها، فبعد أن كانت الدعوة إلى الاجتهاد التي أطلقها (الإصلاحيون) الأوائل كالطهطاوي والتونسي مقتصدة غاية الاقتصاد تدعو إليه في أضيق الحدود... «أصبحت من بعد على يد محمد عبده ومدرسته ـ ولا سيما رشيد رضا ـ دعوة عامة تهاجم التقليد، وتطالب بإعادة النظر في التشريع الإسلامي كله دون قيد، فانفتح الباب على مصراعيه للقادرين ولغير القادرين، ولأصحاب الورع ولأصحاب الأهواء» (8) ، ولم تتضح ضوابط شرعية واضحة أو حدودًا قصوى لهذه الدعوة عند المدرسة الإصلاحية، بل كان الهدف الثابت هو الوصول إلى التوفيق الذي مر إيضاحه، «فما نفتقر إليه اليوم إنما هو إعادة تفسير الشريعة لنتمكن من اقتباس ما كان صالحًا من الأخلاق الأوروبية، كإلغاء الرق مثلًا، ومنح المساواة أمام القانون للمسيحيين القاطنين البلاد الإسلامية» (9) .
ولكن كيف سيكون الاجتهاد خادمًا لذلك التوجه؟ سيكون ذلك من خلال قاعدة يقوم عليها وأصول تنبثق منها، أما القاعدة فهي: «أن العقل يجب أن يحكَّم كما يحكَّم الدين، فالدين عرف بالعقل، ولا بد من اجتهاد يعتمد على الدين والعقل معًا حتى نستطيع أن نواجه المسائل الجديدة في المدنية الجديدة، ونقتبس منها ما يفيدنا» (1) ، أما أهم الأصول التي تستخدم في هذا الاجتهاد فنستطيع القول إنها تتمثل في:
1-التوافق مع العقل والعلوم الحديثة، وقد مر بنا سابقًا ما يغني عن تكرار الحديث عن هذا الأصل.
2 -تضييق نطاق النصوص الشرعية بالتشكيك في حجية أحاديث الآحاد، وتحييد النصوص القرآنية ظنية الدلالة، ثم تأويل ما تبقى من هذه النصوص إذا بدا (للمجتهد من هذه المدرسة) أن ظاهره مخالف للعقل ـ كما يتصوره ـ، أو للعلوم العقلية ـ في تطورها الآني ـ.
فإذا حوصرت الشريعة في هذا (الحيز الكمي) المحدود فإن ما يتبقى منها ـ على زعمهم ـ هو مبادئ واعتبارات وفضائل عامة تشترك فيها ـ مع الإسلام ـ جميع الأديان والمذاهب المنسوبة إلى السماء أو إلى الأرض، وبذا تتلاشى الفواصل بين الإسلام وغيره، وتذوب معالمه في فضائل إنسانية عامة، يقول الدكتور العظمة: «ولا يخبرنا الإصلاحيون: بأي اعتبار كانت هذه الأمور العامة شرعية إسلامية؟ وما الذي يميزها عن الأصول العامة لجل مجتمعات الدنيا وأسسها الأخلاقية والقانونية؟» (2) .
أما إذا تعارض ظاهر نص مع هذا المنحى فإن المدرسة الإصلاحية تلجأ إلى التأويل (التفسير الرمزي) حتى تتفق مع المعطيات الجديدة.
فبالتأويل يصبح النص مرنًا وفضفاضًا يمكن تشكيله حسب الحاجة، وتصبح الوقائع المحددة التي وردت في النص مجرد تمثيل لأخذ العبرة والحكمة: «إن النقطة المبدئية التي يؤكدها هذا الموقف [تفسير محمد عبده لعموم طوفان نوح ـ عليه السلام ـ أو عدمه] هي إمكانية الانصراف إلى التأويل ـ بل ضرورته ـ إذا قطع بأن الظاهر (غير مراد) : ينسب بذلك مراد العصر إلى عصر النص، أي: إن تأكيد سلطة النص القطعية يجري بإضفاء معنى اليوم عليها مما لا يناسبها بالطبع، فيصبح اليقين والنص صنوين... » (3) .
وهكذا «أصبح النص القرآني ـ وخصوصًا آياته الدالة على الأمور الكونية ـ لا يفهم إلا على أن بعض مفرداته قائمة على شيفرة، مفتاحها المعارف العلمية الحديثة» (4) .
3 -أما في المسائل الفقهية: فقد عمدت المدرسة الإصلاحية إلى التوسع في استخدام بعض الأصول والقواعد الفقهية التي تلبي حاجتها (التجديدية) ، كنظرية العرف، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والمقاصد الشرعية، مع التلفيق بين المذاهب الفقهية وإعادة إبراز الآراء الفقهية الشاذة ـ إن لزم الأمر ـ، للوصول للفتوى التي تطمئن لها عقولهم.
يقول ألبرت حوراني: «فعلى المسلمين اليوم ـ في نظر محمد عبده ـ أن يقوموا بما كان عليهم القيام به دومًا: إعادة تأويل شريعتهم وتكييفها وفقًا لمتطلبات الحياة الحديثة، ولبلوغ هذه الغاية لا بد من الاهتداء بمبدأين سلم بهما الفقهاء وأعطاهما محمد عبده بعدًا جديدًا: الأول: مبدأ المصلحة... كان هذا المبدأ تقليديًّا بمثابة قاعدة لتأويل النصوص.. فيختار [الفقيه] التأويل الذي يحقق هذه الغاية، أما محمد عبده وأتباعه فقد جعلوا من المصلحة قاعدة لاستنباط شرائع خاصة من المبادئ العامة للخلقية الاجتماعية؛ فالله لم ينزل ـ في رأيهم ـ سوى مبادئ عامة، تاركًا للعقل أمر تطبيقها على قضايا المجتمع الخاصة، وبما أن هذه القضايا تتغير توجَّب تغيير تطبيق المبادئ عليها.. أما المبدأ الثاني: فهو مبدأ التلفيق... فدعا، لا إلى الاستعانة بالمذاهب الأخرى في مسائل معينة فحسب، بل إلى مقارنة علمية بين المذاهب الأربعة أيضًا ـ ناهيك بأحكام الفقهاء المستقلين الذين لم يقبلوا أيًا منها ـ بغية وضع (مذهب موحد) يؤلف بين العناصر الصالحة في كل منها، وقد تمكن ـ بوصفه مفتي مصر ـ من وضع هذه الدعوة موضع التنفيذ» (5) ، وكانت المصلحة هي الأصل عند تلميذه رشيد رضا الذي توسع كما ذكر ـ من قبل ـ في المرونة (الاجتهادية) أكثر من شيخه، «فالعمل بموجب الحديث الصحيح عند السيد رشيد رضا أمر واجب إن لم ينافِ المصلحة، وإذا نافى المصلحة فإنه سيعتبر ـ حكمًا ـ أنه معارض الأصول العامة المؤيدة بالكتاب والسنة، ولأن لا بد له إذن إلا أن يكون من أحاديث الآحاد التي لا تفيد إلا الظن دون اليقين أو الإلزام، فترفض بذلك الأحاديث لاعتبارات نفعية دون الإلماع إلى نواقصها التاريخية [علم الجرح والتعديل] » (1) .
4 -ومن الملحوظات في أسلوب عرض أصحاب المدرسة الإصلاحية لآرائهم: الجزم واليقين عندما تكون هذه الآراء متسقة مع منهجهم الجامع بين الإسلام والمعطيات العقلية والعلمية الحديثة وعندما يكون إمرارها بين الناس محتملًا، أما عندما يختل نظم هذا المنهج أو يصعب إمرار الرأي الذي خرجت به فإن التشكيك، أو التفويض و (اللاأدرية) ، أو العرض في صورة المحتملات أو الحكاية.. هو الأسلوب المناسب.
وهكذا عمدت المدرسة الإصلاحية إلى إيجاد منظومة من الآراء الجديدة (الفكرية والفقهية) تشمل مجالات الحياة المختلفة، تتسق مع مفاهيمهم العقلية ومعطيات الحياة الغربية، لتشغل الفراغ الكبير في الساحة الفكرية الموجود آنذاك (2) ، محاولة رتق الشِّق البادي في توجهات المجتمع.