فهرس الكتاب

الصفحة 2039 من 3028

وفي الشام أيضًا نشط عبد الرحمن الكواكبي في بداية حياته قبل أن يواصل هذا النشاط في مصر، وقد كان «ينتمي إلى مدرسة الأفغاني... التي كانت تفكر في المسائل الطارئة بعقل عصري، فتتدارسها في ضوء العلم والعقل النظري، ثم تنقلها إلى الدين وتربط بينهما برباط قوي متين... لذلك فإن آراء الكواكبي في الإصلاح الديني لا تخرج في جملتها عن آراء الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا... » (3) ، ويشير بعض الكتاب إلى احتمال تأثر الكواكبي بكتاب (مستقبل الإسلام) لبلنت، كما يشيرون إلى وجود دلائل قوية لاقتباسه إطار ـ وبعض أفكار ـ كتابه عن الاستبداد من كتاب (رسالة في الاستبداد) للمفكر الإيطالي في عصر الثورة الفرنسية فيكتور ألفياري (4) ، ومن ثم: فقد ربط الكواكبي ـ متابعًا ألفياري ـ بين الاستبداد والدين، زاعمًا أن الاستبداد في السياسة متولد من الاستبداد في الدين أو مساير له، وإن نفى الكواكبي ذلك عن الإسلام الحقيقي (5) .

ولم يقف تأثر الكواكبي بالفكر الغربي عند حد الاقتباس، بل سعى إلى حركة توفيقية إصلاحية شاملة في الإسلام؛ إذ «يبدو من كلام الكواكبي [في كتابه أم القرى] على لسان المندوب الإنجليزي أنه يهدف إلى تكوين جماعة من المسلمين تنزع في تفكيرها منزع البروتستانت في تفكيرهم» (6) ، ومن هنا لم يجئ طرحه لمبدأ العلمانية في فصل الدين عن الدولة من زاوية إلحادية كما طرحه شبلي الشميل مثلًا، بل جاء طرحًا مناسبًا لـ (عالم ديني كبير) (7) ، فكانت من أقواله ـ مخاطبًا العرب غير المسلمين ـ: « .. دعونا يا هؤلاء نحن ندبر شأننا... دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط! دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي: فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن..» (8) .

وفي تونس كانت مدرسة (الصادقية) التي كان خير الدين التونسي أسسها عام 1875م (1292هـ) لتكون منافسة لجامع الزيتونة ولتعليم اللغات التركية والفرنسية والإيطالية والعلوم الحديثة، فضلًا عن اللغة العربية وعلوم الدين الإسلامي.. كانت قد خرَّجت أجيالًا من الطلاب مزودين بتربية عصرية (9) ، وإضافة إلى مجموعة جريدة (الحاضرة) التي تأسست في أغسطس 1881م (1298هـ) واستمرت حتى عام 1906م (1324هـ) متخذة أفكار خير الدين التونسي نبراسًا لها، إضافة إلى ما تركته من أثر ثقافي وسياسي في البلاد.. أنشئت عام 1896م (1314هـ) ـ بدعم أو حتى بمبادرة من السلطات الفرنسية ـ (1) « (الخلدونية) ، وهي رابطة توخت إطلاع الذين تربوا تربية تقليدية في المدارس القرآنية وفي جامع الزيتونة على العلوم العصرية» (2) ، يعبر عن ذلك المنهج أحد إصلاحييها هو سالم بوحاجب في كلمة افتتاحها معتبرًا «أن العلم نفسه كان سبب استخلاف الله لآدم وبنيه» (3) .

ولكن التوفيقية ارتبطت باسم آخر كان له أكبر الأثر في التنظير لها والمنافحة عنها ثم نشرها في العالم الإسلامي، ألا وهو الشيخ محمد عبده؛ فلقد تزعم محمد عبده اتجاه التوفيق بين الإسلام والغرب وما تبعه من الإصلاح الديني، وهو الاتجاه الذي نادى أصحابه بأن الإسلام هو الأساس الذي يجب أن يقوم عليه الإصلاح، ولكنهم فسروا نصوصه تفسيرًا جديدًا يقبل معه كثيرًا من أساليب الحياة والتفكير الوافدة من الغرب، وعملوا على تقريب الإسلام من الحضارة الغربية والتفكير الغربي الحديث (4) .

اضطلعت المدرسة التوفيقية ـ وعلى رأسها محمد عبده ـ بمهمة ذات شقين: أولًا: إعادة تحديد ماهية الإسلام الحقيقي من وجهة نظرهم، ثانيًا: النظر في مقتضيات هذا الإسلام بالنسبة إلى المجتمع الحديث (5) ، ومن هذا المنطلق نظر محمد عبده إلى التغييرات الاجتماعية التي أحدثها في عهده الخديوي إسماعيل متابعًا جده محمد علي باشا، فلم يأسف لهذه التغييرات وما أحدثته في القوانين والتعليم، بل رأى أن هذا التطور ـ في خطوطه العريضة ـ لا مرد له، وأنه في صالح مصر (6) ، ولكن ـ في الوقت نفسه ـ كان يشغله خطر انقسام المجتمع إلى دائرتين منفصلتين بدون اتصال حقيقي بينهما: دائرة تسودها شرائع الإسلام ومبادئه الخلقية، وهي دائرة آخذة في الانحسار في ذلك الوقت، والدائرة الأخرى في اتساع مضطرد، وهي الدائرة التي قامت على المبادئ المستمدة بالاستنباط العقلي من اعتبارات المصالح الدنيوية (7) ، ومن ثم: عمل عبده ـ وخاصة في آخر أيامه ـ على رتق هذا الانقسام مع عدم إيقاف مجرى هذا التطور الذي بدأه محمد علي، «بل الاعتراف بالحاجة إلى التغيير، وربط هذا التغيير بمبادئ الإسلام، وذلك بإثبات أن هذا التغيير الحاصل ليس مما يجيزه الإسلام فحسب، بل إنما هو من مستلزماته الضرورية إذا فهم على حقيقته» (8) ، وينبغي علينا وضع خط أسفل (حقيقته) .

وعلى خطى الطهطاوي وخير الدين التونسي والأفغاني سار محمد عبده، فكانت رؤوس الموضوعات هي نفسها: الوطنية الإقليمية، والعناية بالتاريخ القديم السابق على الإسلام ـ الدعوة إلى الحرية وإلى الحياة النيابية ـ الدعوة إلى إعادة النظر في وضع المرأة في المجتمع: في الحجاب، والحد من تعدد الزوجات، والحد من حرية الطلاق (9) ... ولكن تلك المفاهيم أخذت بعدًا أعمق على يد محمد عبده ومدرسته من بعده؛ فما قدمه رفاعة في ميدان التجديد كان بمثابة البراعم التي تفتحت على يد محمد عبده ومدرسته (10) ، وعلى الخطى نفسها سار محمد عبده في المنهج الذي اختطه (الرواد) «في التوحيد بين بعض المفاهيم التقليدية للفكر الإسلامي وبين الأفكار السائدة في أوروبا الحديثة، وعلى هذا النهج انقلبت (المصلحة) تدريجيًا إلى المنفعة، و (الشورى) إلى الديمقراطية البرلمانية، و (الإجماع) إلى الرأي العام، وأصبح الإسلام نفسه مرادفًا للتمدن.. ولا شك أنه كان من السهل ـ باتباع هذا النهج ـ تحوير ـ إن لم نقل إبطال ـ المعنى الدقيق للمفاهيم الإسلامية وتناسي ما يميز الإسلام عن غيره من الأديان، لا، بل عن النظرة الإنسانية اللادينية، وهذا ما تنبه له بقلق نقاده المحافظون..» (1) .

وهكذا ولد الإصلاح الديني من رحم (المدرسة التوفيقية) ؛ فعلى أسس التوفيق بين الإسلام والغرب تحددت معالم (الإصلاح) ، وذلك بتضييق نطاق الثابت (الجوهري) في الإسلام الذي لا يقبل التعديل (الاجتهاد) ، وهو الاعتقادات والعبادات (رغم أنها لم تسلم أيضًا من اجتهاداتهم) ، وتوسيع نطاق المتغير (العرضي) الذي سيتماس مع أوجه الحياة؛ لأنه يشمل (المعاملات) ، أو بتعبير الدكتور عزيز العظمة: تضييق مجال الدين وتوسيع نطاق الدنيا (2) .

ولكن المدرسة الإصلاحية إذا تعاملت مع هذه الدائرة الأخيرة بالنظرة الفقهية القديمة نفسها لا تكون قد حققت الغرض المرجو، لذا: كان لا بد من تحييد التراث الفقهي، ولا يتم ذلك إلا بمحاربة التقليد، ثم الدعوة إلى الاجتهاد في هذه المسائل من جديد.. «لقد كان [الأفغاني] يؤمن بالأصول ويترك لعقله الحرية في الفروع، ويصل في ذلك إلى نتائج غريبة عن أذهان الجامدين المتزمتين، فيرمى بالإلحاد، فكان ينفر من التقليد ويدعو إلى الاجتهاد» (3) ؛ فمن ثوابت دعوة الأفغاني «أن باب الاجتهاد لم يغلق، وأنه لمن حق الناس (!) ـ لا، بل من واجبهم ـ أن يطبقوا مبادئ (!) القرآن مجددًا على قضايا زمانهم، وإذا امتنعوا عن القيام بهذا وقعوا في الجمود والتقليد اللذين لا يقلان عداوة عن الدهرية؛ فمحاكاة أقوال الآخرين وأفعالهم تفسد الدين والعقل معًا» (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت