فهرس الكتاب

الصفحة 2038 من 3028

تتفق هذه النظرة مع نظرة (الشيخ) محمد عبده التي عبر عنها بقوله: «أنفس المصريين أُشربت الانقياد إلى الدين حتى صار طبعًا فيها؛ فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذرًا غير صالح للتربة التي أودعه فيها، فلا ينبت، ويضيع تعبه، ويخفق سعيه، وأكبر شاهد على ذلك: ما شوهد من أثر التربية التي يسمونها أدبية من عهد محمد علي إلى اليوم» (4) ، وقد عبر عن هذه النظرة مرة أخرى ـ عقب عودته من منفاه ـ في نصيحة أسداها ضمن مذكرته المقدمة إلى اللورد كرومر؛ حيث نبه الإنجليز إلى أهمية الدين عند المصريين، فقال: إن «أعظم فاعل في نفوسهم [المصريين] (وأغلبهم مسلمون ) أن يقال: إن صاحب هذه المنفعة ليس من دينكم، وأنكم مأمورون ببغضه...» (5) .

وكما التقت النظرة في (المثير المانع) من التغيير، التقت أيضًا في منهجية هذا التغيير؛ فقد كان من أقوال محمد عبده التي سطرها لتوضيح هذه المنهجية ـ معترضًا أيضًا على طريقة محمد علي في الإصلاح رغم تقبله لإنجازاتها ـ: « ... ولو أنه [أي صاحب الفكر الرفيع الذي يريد كمال أمة] أراد تحويل أفكار شخص واحد وهو في سن الرجولة، هل يمكنه أن يبدلها بغيرها بمجرد إلقاء القول عليه؟ كلا، إن الذي تمكن في العقل أزمانًا لا يفارقه إلا في أزمان، فلا بد لصاحب الفكر أن يجتهد أولًا في إزالة الشبه التي تمسك بها ذلك الشخص في اعتقاداته، وذلك لا يكون في آن واحد، ولا بعبارة واحدة... فما ظنك بحال أمة من الأمم... وإنما الحكمة: أن تحفظ لها عوائدها الكلية المقررة في عقول أفرادها، ثم يطلب بعض تحسينات فيها، لا تبعد منها بالمرة، فإذا اعتادوها طلب منهم ما هو أرقى بالتدريج، حتى لا يمضي زمن طويل إلا وقد انخلعوا عن عاداتهم وأفكارهم المنحطة إلى ما هو أرقى وأعلى من حيث لا يشعرون...» (6) .

ويبدو أن الإنجليز استفادوا بالفعل من هذه النصائح؛ يقول الدكتور سامي عزيز: «واتبع الإنجليز الوسيلة التي كان ينادي بها محمد عبده بشأن محاولة تغيير المجتمع...» (1) ، فيمكن القول: إن نظرية (الإصلاح) القريب المتدرج والمتصاعد التي آمن بها محمد عبده اتفقت مع أهداف الإنجليز وطباعهم، وإن كنا نمسك عن الخوض في الحديث عن إشكالية الدوافع لكلا الفريقين.

ثم بالإلحاح والإصرار و (التعليم) و (الفن) سينشأ الجيل الجديد، الذي «يجب أن يجد من الإغراء أو الإرغام ما يجعله يمتص الروح الحقيقية للحضارة الأوروبية» (2) .

«وهكذا، فإن الاحتلال لن يأتي بشعب جديد إلى مصر؛ ولكنه يعمل في صبر على تغيير الأسس التي تقوم عليها مقومات الشعب، وفي الوقت نفسه وضع كرومر نصب عينيه أن يكون دخول المدنية الأوروبية دون زعزعة كيان المجتمع ثورياًّ» (3) .

لم يكن هذا النهج وجهة نظر آنية، بل كان مخططًا مدروسًا أصبح فيما بعد أساس التغيير العلماني التغريبي في معظم العالم الإسلامي، حتى إن مؤتمر الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة المنعقد في برنستون عام 1953م (1372هـ) جاء في كتاب أبحاثه: أن «.. هذه المشاكلة لا تقوم إلا بتقارب القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهذه القيم لا تتقارب ما دامت الشعوب الإسلامية تعيش على قيم ثابتة تخالف قيم الغرب، وهي قيم الإسلام. فلا بد إذن من أحد حلين:

إما أن يمحى هذا الإسلام بتشكيك الناس فيه، وفي قيمه، وفي الأسس التي يستند إليها، ويحاصر بحيث لا يتجاوز نفوذه المسجد، وبحيث يفقد سيطرته على مسلك الأفراد وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وذلك عن طريق إقناع الناس بأن الدين شيء ومشاكل الحياة شيء آخر.

وإما أن يخضع هذا الإسلام للتطوير بحيث يصبح أداة لتبرير القيم الغربية، ولتقريب ما بين الشعوب الإسلامية وبين الغرب . وهذا الطريق الأخير يكشف عن قوة هائلة لا يغني غَناءَها شيءٌ، إذا أمكن استخدامها كأداة لتحقيق الأهداف الاستعمارية في إقامة علاقة ثابتة من الود والتفاهم. ذلك هو ما ينبه له جوستاف فون جرونباوم أستاذ اللغة العربية في جامعة شيكاغو، حيث يقول: (إن الدين الجديد ـ ويقصد به التأويلات الإسلامية العصرية ـ سيدخل أو يسمح بإدخال أسئلة جديدة تتطلب أجوبة مناسبة، وسيقترح أجوبة جديدة لأسئلة قديمة، أو يخلع صفة الشرعية على أجوبة كانت في النظام المعدول عنه تعتبر أسئلة هدامة أو غير مقبولة) ص 192» (4) .

فالحل الأول هو العلمانية الصريحة، والتي كانت تركيا محلًا لتطبيقها، وقد تشاركها في هذا الوصف إندونيسيا وتونس وإيران رضا بهلوي، إضافة إلى تجربة أمان الله خان في أفغانستان، وهي التي أنشأ كرومر كلية فيكتوريا لتفريخ قادتها، أما الحل الآخر: فهو التوفيقية وما يصاحبها من (إصلاح ديني) ، وهو ما طبق في مصر على نطاق واسع وكثير من البلدان الإسلامية الأخرى.

لذا: ينبغي لكي نعي مسيرة العلمانية جيدًا أن ندرس (التوفيقية) و (الإصلاح الديني) .

التوفيقية:

كان التوفيق بين القيم الغربية والإسلام واقعًا في النشاط الفكري في هذه المرحلة، وتعود جذور هذا المنحى إلى رفاعة الطهطاوي في مصر وخير الدين التونسي في تونس، وأحمد خان في الهند، وقد ساهم الأفغاني ـ أيضًا ـ في هذا المنحنى بنصيب.

وقد أشار الأفغاني إجمالًا إلى طرف من منهجية هذه الحركة التجديدية في الدين بقوله: «إن الدين لا يصح أن يخالف الحقائق العلمية، فإن كان ظاهره المخالفة وجب تأويله!» (5) ، وقد يكون بين الاعتماد على حقائق العلم (التجريبي) والقول بـ (المادية) فارق دقيق يصعب المحافظة عليه والتنبه له، ولكن التوفيقية في المرحلة التي نتحدث عنها أخذت بعدًا أكبر وأثرًا أعمق من ذي قبل.

وفي المرحلة التي نحن بصددها رأينا أكثر من اسم لامع، ومن هذه الأسماء: الشيخ اللبناني المولد الأزهري التعلم حسين الجسر (1845م ـ 1909م/ 1261هـ ـ 1327هـ ) الذي «أسس (المدرسة الإسلامية الوطنية) في مسقط رأسه طرابلس، وكان منهج هذه المدرسة يشتمل على تعليم اللغات العربية والفرنسية والتركية، والعلوم الدينية، والمنطق، والرياضيات، والعلوم الطبيعية الأوروبية الحديثة» (1) ، ومن جهود الشيخ في هذا المجال كتابه (الرسالة المحمدية في حقيقة الديانة الإسلامية وحقيَّة الشريعة المحمدية) حيث نحا في بعض أبحاثه هذا المنحى التوفيقي، فـ «طريقة معالجته لشخصية محمد [صلى الله عليه وسلم] وتعاليمه يمكن اعتبارها نهجًا جديدًا وبالأخص إلحاحه على حق العقل في تفسير القرآن والحديث؛ فهو يدعو إلى تفسيرها حرفياًّ ما لم يتعارض هذا التفسير الحرفي صراحة مع أحد المبادئ العقلية، عندئذ يجب تفسيرها رمزياًّ؛ إذ لا يجوز قبول أي تفسير يتناقض والدليل العقلي القاطع، عندئذ يجب تفسيرها رمزيًا» (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت