فهرس الكتاب

الصفحة 2037 من 3028

يحدثنا أول مندوب سام بريطاني في مصر وأحد أبرز قادة الحملات التغريبية على العالم الإسلامي في العصر الحديث (إفلن بارنج) المعروف بـ (اللورد كرومر) عن أهداف الإنجليز (الحضارية!) فيقول: «المصريون يتمسكون تمسكًا تامًا بالإسلام الذي هو أحد الكلمات المرادفة للوطنية في الشرق، والإنجليز لا يهدفون إلى نشر المسيحية ولكنهم يريدون نشر حضارة تقوم على أساس مسيحي» (1) ، فإذا كان الأمر كذلك، فما مصير (الحضارة الإسلامية) ؟ يوضح الإجابة لنا الدكتور محمد محمد حسين ملخصًا وجهة نظر المستشرق الإنجليزي المتأمرك هاملتون جب، فيقول: «المقصود من الجهود المبذولة لحمل العالم الإسلامي على الحضارة الغربية هو تفتيت وحدة الحضارة الإسلامية التي تقوم عليها وحدة المسلمين؛ لأن كل قطر سيتجه إلى اقتباس ما يلائم ظروفه من هذه الحضارة، وعند ذلك تتعدد أساليب الاقتباس بتعدد البيئات الإسلامية المختلفة، فتفقد الحضارة الإسلامية طابعها الموحد، بل لا يعود هناك شيء اسمه (حضارة إسلامية) » (2) ، وفي مقال: (مصر وغربي آسيا) ضمن كتاب: (وجهة الإسلام) الذي أشرف عليه جب يلفت المستشرق الألماني كامبفماير النظر إلى عوامل وحدة هذه الحضارة حتى يمكن التركيز عليها، ويلخصها الدكتور محمد محمد حسين في ثلاث نقاط: «أولها هي: أهمية الكتلة العربية وخطورتها في نظره، وثانيها هي: أن أهم العوامل التي تستمد منها هذه الكتلة وحدتها هي: اشتراكها في اللغة العربية الفصحى، واشتراكها في العناية بالتراث الإسلامي القديم وتاريخه وأدبه، وثالثها هي: ما يستتر وراء كلامه من أنه يتمنى أن يحدث في مصر ما حدث في تركيا من قطع كل صلة بالماضي الإسلامي واستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية» (1) .

وهنا يتبين أن المعركة الفكرية ستدور حول عدة محاور: الهجوم على اللغة العربية الفصحى لغة القرآن، ويتضمن ذلك: استهداف الحروف العربية التي تعد أداة لوصل الماضي بالحاضر ولربط الشعوب الإسلامية بعضها ببعض، والهجوم على التراث الإسلامي الذي صيغ بهذه اللغة واستنبط من أسس الإسلام وتصوراته ومقوماته لإفساح المجال أمام الثقافة الجديدة بما تحمله من قيم وتصورات مختلفة، أما المعركة السياسية: فتدور حول التفتيت الذي تحدث عنه جب، وبصفة خاصة تفتيت الكتلة العربية المميزة بموقعها المعنوي والجغرافي والتاريخي.

ولكن على أرض الواقع، كيف ستنفذ المخططات التي وضعت لتحقيق هذه الأهداف؟ وكيف سيقضى على العوائق التي تواجه هذا الغزو في ظل وجود خلاف عميق بين الجديد والقديم والغازي والمغزو؟

نعود إلى اللورد كرومر، فقد «لاحظ كرومر وجود هذا الخلاف بين المسلمين وبين المستعمر الغربي في العقائد وفي القيم، وفي التقاليد والعادات، وفي اللغة، وفي الفن، وفي الموسيقى...

لاحظ كرومر في هذا الفصل أن هذه الخلافات هي السبب في انعدام ثقة المسلم بالمستعمر الأوروبي وسوء ظنه به، وهي السبب في وجود هُوَّة واسعة تفصل بينهما، وتجعل مهمة المستعمر محفوفة بالمتاعب. ودعا من أجل ذلك إلى العمل بمختلف الوسائل على بناء قنطرة فوق هذه الهوة.

وقد اتخذت هذه الوسائل طريقين: أحدهما هو تربية جيل من المصريين العصريين الذين ينشَّؤون تنشئة خاصة تقربهم من الأوروبيين ـ ومن الإنجليز على وجه الخصوص ـ في طرائق السلوك والتفكير. ومن أجل ذلك أنشأ كرومر (كلية فكتوريا) ، التي قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي، ليكونوا من بَعْدُ هُم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شؤون المسلمين، وليكونوا في الوقت نفسه على مضي الوقت أدواته في التقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوروبي، وفي نشر الحضارة الغربية (2) ...

أما الوسيلة الأخرى التي اتخذها الاستعمار لإيجاد هذا التفاهم المفقود، وعمل على تنفيذها، فهي أبطأ ثمارًا من الوسيلة الأولى، ولكنها أبقى آثارًا... وهي تتلخص في تطوير الإسلام نفسه وإعادة تفسيره؛ بحيث يبدو متفقًا مع الحضارة الغربية، أو قريبًا منها وغير متعارض معها على الأقل، بدل أن يبدو عدوًا لها معارضًا لقيمها وأساليبها...» (3) ، «ومن ثم عمد رجال الاحتلال إلى العمل على زيادة عدد المصريين الآخذين بنصيب من الحضارة الأوروبية» (4) .

وماذا يتوخى رجال الاحتلال من ذلك؟ يقول كرومر: «... وإذا استمر المضي في هذا الطريق أصبح المصري الآخذ بحضارة أوروبا أقل مصريةً وأكثر ميلًا لأوروبا؛ إذ يصبح المصريون بهذا الفيضان المتدفق من الحضارة الأوروبية أقل إسلامًا، وهم في الوقت نفسه لم يحصلوا بعد على العمود الفقري في الحضارة الأوروبية» (5) ، «أو كما يصفهم في عبارة قصيرة (بأنهم مسلمون وليست فيهم خواص إسلامية، وأوروبيون وليست فيهم خواص أوروبية) » (6) وهو المسخ العلماني التغريبي الذي نراه الآن.

فما الذي حصله هؤلاء إذن؟ يذكرZetland Marquis of. أن الهدف النهائي لهذا المسعى هو: «القضاء على استخدام الأساليب الشرقية الموشاة بمدنية أوروبية زائفة، وأن تستبدل بها مدنية غربية حقيقية تقوم على أساس من مبادئ الأخلاق المسيحية» (1) ، ويجيبنا كرومر نفسه بما يهدف إليه، فيقول: «الشباب المسلم الدائر في تيار الحضارة الأوروبية يفقد إسلامه ـ أو على الأقل يفقد القدر الأكبر من دينه ـ ويحرم نفسه من أهم مبادئ عقيدته، وفي الوقت نفسه: نادرًا ما يتجه هذا الشخص إلى المسيحية... فالحضارة الأوروبية تقضي على دين دون أن تستبدل به غيره ... وهكذا فإنه بحرمان نفسه من عقيدته لن يجد رادعًا أخلاقيًا، وفي الوقت نفسه: يحاول تقليد الأوروبي، ولا يترك هذا المصري عقيدته خلف ظهره فحسب، بل إنه يترفع عنها ويزدريها، وهكذا يندفع ـ مغمض العينين ـ بين أحضان الحضارة الأوروبية غير مدرك لحقيقة هامة، هي أن ما يراه ليس سوى المظهر الخارجي لتلك الحضارة، بينما تستقر المعنويات المسيحية تحت هذا المظهر وتتحكم في تحركاته...» (2) ! يا لك من لورد خبيث!

«ولكن هل يحيا المصريون هكذا دون عقيدة معينة؟... يوضح كرومر أنه (بمرور الوقت سيخلق المسلمون دينًا لا يقوم على الإسلام الأول، إنه سيقوم على مبادئ جديدة. وهكذا فإن المصري المتحضر بالحضارة الأوروبية هو الحجر الأول وليس الأخير في المجتمع الإسلامي المتطور) ، وفي الوقت نفسه ينصح كرومر رجال السياسة الأوروبية بالابتعاد عن كل ما من شأنه أن يعد تحقيرًا للعقيدة الإسلامية (ولندع هؤلاء الذين يقودون دفة الدولة على حذر يدكُّون ـ في مكر ـ الصرح الروحي للمجتمع الإسلامي؛ فإن ازدراء العقيدة الدينية للشعب بأسره أمر على جانب كبير من الخطورة سياسيًا واجتماعيًا) » (3) ، وهذه السياسة تذكرنا بنظرة نابليون بونابرت إلى مكانة الدين عند المصريين، وبسياسته القائمة على ترويض الدين ومواجهته باستخدام لقاح من جنسه ضده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت