فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 3028

غير أن جل الدراسات الميدانية للحالة الاجتماعية في العالم الإسلامي تفيد- للأسف- بأن هذه الثروة الشبابية تعاني من مشكلات متعددة ومتفاوتة التعقد تعرقل فاعليتها و تحد من طموحاتها و إبداعاتها في شتى الميادين .

و إذا وصف الشباب بأنه"شعبة من الجنون"وهو وصف يبدو في ظاهره قاسيا إلى حد ما فانه لا يعني بذلك أدنى إشارة إلى المس من مداره العقلية كما يشم عادة من ظاهر الجنون إذا أضيف إلى شيء ما... إنما المراد من هذه الصيغة في- تقديري- هو التعبير عن حماسة الاندفاع وروح المبادرة وقوة الجرأة لدى الشباب عامة. و الشباب الإسلامي خاصة -بحكم عقيدته الحية والموجهة وبحكم مثله العليا الثابتة-هو من أثرى شباب العالم طموحا ومن أحكمه مبادرة و اندفاعا- نحو كل ما هو صالح- و أشده حيوية ومن أقدره- إذا فسح له المجال- على الفاعلية ومن أحسنه آثارا وأشرقه بصمات في الإبداع... و في التاريخ شواهد صادقة على كل ذلك ليس هنا مجال ذكرها .

فمن أين يستمد الشباب الإسلامي فاعليته أو بالأحرى ما هي أهم مصادر فاعلية هذا الشباب..

مصادر فاعلية الشباب الإسلامي

(أ) إن المثل العليا و الثابتة التي يتبناها الشباب المسلم- في إطار معتقده و دينه الحنيف الرباني- لا تسمح له بالقعود و الركود ولا بالخمول أو الكسل ولا تمنحه فرصة للتقاعس أو التقاعد عن العمل الصالح.. بل هي تدعوه ملحة و جادة.. مرغبة ومرهبة إلى الكدح المتواصل والإبداع اللامحدود و إلى التسابق والتنافس النظيف و المخلص في كل مجالات الخلق و التجديد والابتكار. و الشواهد القرآنية و الحديثية كثيرة و متنوعة..

قال الله تعالى"و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون" (التوبة 105) و قال أيضا"سارعوا إلى مغفرة من ربكم عرضها السماوات و الأرض أعدت للمتقين" (آل عمران 133) وقال سبحانه"سابقوا إلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها كعرض السماء و الأرض أعدت للذين آمنوا بالله و رسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" ( الحديد 21) . وقال الرسول صلى الله عليه وسلم"بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا و يمسي كافرا و يمسي مؤمنا و يصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا" ( رواه مسلم عن أبي هريرة) و قال صلى الله عليه وسلم أيضا"اغتنم خمسا قبل خمس.. حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك و شبابك قبل هرمك و غناك قبل فقرك" (رواه احمد عن ابن عباس) .

و قال الله تعالى"يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه" (الانشقاق 5) .

و الإنسانية بمجموعها تكدح نحو الله سبحانه .. و الكدح هنا بمعنى السير المستمر بالمعاناة والجهد والمجاهدة- لأن هذا السير ليس سيرا عاديا اعتياديا بل هو سير ارتقائي.. هو تصاعد وتكامل.. هو سير تسلق.. و الإنسانية حينما تكدح نحو الله سبحانه فإنما هي تتسلق إلى قمم كمالها و تكاملها و تطورها إلى الأفضل باستمرار- (مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن 148)

ذلك أن الطبيعة الإنسانية إذا أهملت رعايتها الجدية و تركت للهوى و الشيطان مالت إلى الانحدار و السقوط ومن هنا ندرك مدى الحاجة الماسة إلى العقيدة الصحيحة و المثل العليا السامية والى الدين القيم لحفظ الإنسانية من السقوط والتردي و حملها في الوقت نفسه على الارتقاء والصعود إذ النفس الإنسانية لا ترنو إلى القمة ولا تواظب على سيرها نحو الكمال إلا بالردع الدائم والجاد والتوجيه الواعي الخالص.. الذي يمثله الدين الحنيف بتعاليمه وشعائره.

(ب) ثم إن عقيدة التوحيد الخالصة التي يلتزم بها الشباب الإسلامي و يحيا على نورها و توجيهاتها ... تعلمه التعامل الصحيح و التفاعل الهادف مع صفات الله تعالى وما أمر به من خلق كريم باعتبارها هدفا ساميا و رائدا عمليا في طريق رحلة الكدح والجهاد نحو الله سبحانه.

(ج) ثم يأتي دور الأسوة الحسنة و المتمثلة في القيادة النبوية المعصومة وهي مصدر واقعي ملموس و حي لفاعلية شبابنا الإسلامي فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو القدوة العملية والرائدة لكل أعمالنا و أفعالنا و أقوالنا... لم يسترح يوما من الكد و الجد ولم يتخل لحظة عن حث المسلمين على الإبداع والتفكير و العمل الصالح والجاد...

فتلك القيادة النبوية المشرقة.. الواقفة في الصفوف الأمامية من ساحة الجهاد والمتحملة لأتعاب الهجرة وظمأ النفير والمشاركة في كل نشاطات المجتمع.. لهي خير مثال و خير رائد وأمتن مصدر لفاعلية هذا الشباب الرباني.

إلا أن كل تلك المصادر التي ذكرنا لن تؤتي أكلا ولن تحرك ساكنا و لن تغير شيئا ما لم يتشبث الشباب بتعاليم قيادته المؤمنة و يلتزم الالتزام الصادق المستمر بأوامر دينه و توجيهات عقيدته وما لم يتبع آثار رسوله صلى الله عليه و سلم ويسير على سنته ومنهاجه.

فإذا حقق ذلك فانه يصبح- كما تحقق في أسلافه الصالحين- قوة فاعلة ومؤثرة وروحا حية خلاقة ويدا محركة وفكرا مبدعا. ذلك أن الشباب المسلم يملك الطموح ويملك الطاقات وهذان شرطان رئيسان لتحقيق الفاعلية على ارض الواقع . فالفاعلية لا تنطلق من فراغ و لا تقوم على الخمول والكسل.. لا بد من طاقة تزودها و تغذيها و تحفظ توازنها ولا بد أيضا من طموح يقودها ويدفعها ويحدوها. وههنا يتبادر سؤال ملح وصريح .. إذا كان الشباب يملك الشرطين الأساسيين للفاعلية أي لديه الطموح والطاقة فأين أثر هذه الفاعلية في الواقع المعاش..

الحقيقة أن فاعلية الإسلاميين في عصرنا الحاضر تقف أمام تحققها عوائق متعددة من أهمها..

(أ) الاستبداد السياسي الذي يوفر مناخا مختنقا توصد فيه أبواب الحريات وتكمم فيه أفواه الصادعين والمنادين بالحق والخير ذلك"أن الاستبداد على مر التاريخ حينما يتحكم في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان يستهدف تمزيق طاقات المجتمع و تشتيت فئاته و بعثرة إمكاناته ومن الواضح أن تشتيتا وتفتيتا وتجزئة من هذا القبيل ...لا يمكن لأفراد المجتمع أن يحشدوا قواهم الحقيقية لتسخير الطبيعة" (مقدمات في التفسير الموضوعي-190-)

(ب) غياب العدالة الاجتماعية وتقلص بل اضمحلال ظل الأمن والضمان الاجتماعي مما يضطر الفرد إلى حشد اهتماماته الكبرى في توفير ما يسد الرمق ويحفظ الكرامة والعرض ولا يجد الوقت ولا الدافع لاستغلال واستخدام مواهبه في الإبداع والابتكار. وللشيخ الغزالي كلام صريح وواقعي في هذا الصدد"...لنعلم أن الرجل مع مواهبه كالقائد مع جيشه. إذا اضطر إلى الحرب في جبهات عديدة أخطأه التوفيق في أكثرها أو في جميعها .ومواهب الرجال عندما توزع على غير ميدان من ميادين الحياة المتشعبة فهي لا تعطى فرصة الانسجام التي تعينها على هضم الحياة والابتكار فيها وإجادة العظيم المنتج من فنونها" (الإسلام والمناهج الاشتراكية) .

(ج) السياسات التعليمية والطرق الغوغائية (البيداغوجية) المتبعة في التربية والتعليم بمدارسنا والتي تغفل التوجيه الجاد والهادف وتهمل اكتشاف المواهب وصقلها و رعاية الطاقات ولا تشجع على الإبداع إلا في حدود ضيقة جدا.. فكم من طاقة تذوي أمام المدرس ولا يعيرها اهتماما خاصا وكم من إبداعات تطفو على الساحة الاجتماعية ثم تذوي وتموت لأنها لا تجد الرعاية الحانية والتوجيه الصالح.

(د) والعائق الرابع في وجه فاعلية الشباب هو غياب القيادات المعاصرة المبدعة في الوقت نفسه.. المتواضعة في علاقاتها الاجتماعية..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت