فهرس الكتاب

الصفحة 2035 من 3028

يرى الدكتور عزيز العظمة أن التيار العلماني الشامل والآخذ بالعلمانية في أسسها المادية ونتائجها الاجتماعية كان «تيارًا صغيرًا... مثَّله أفضل تمثيل شبلي الشميل ثم سلامة موسى، وكان الاثنان قد أسسا سوية مجلة (المستقبل) في القاهرة عام 1914م، كتب فيها موسى مقالًا (كله فجور إلحادي) ، ودعا فيها الشميل إلى المادية والتطورية (دعوة مستقبلية فجة) » (3) .

فقد اعتقد الشميل «بأن العلم هو الدين الجديد للإنسانية جمعاء» (4) ؛ حيث اعتبره «أكثر من طريقة لاكتشاف النظام في ترابط الأشياء؛ إذ كان مفتاحًا لحل لغز الكون، لا، بل نوعًا من العبادة» (5) ، ويرى الشميل «أن دين العلم هو إعلان حرب على الديانات القديمة» (6) ، وعليه: فهو يرى أن: «ليس الحكم الديني والحكم الاستبدادي فاسدين فحسب، بل هما غير طبيعيين وغير صحيحين» (7) .

«وكان الكثيرون من الكتاب العرب المسيحيين من معاصري الشميل يبشرون بتلك الأفكار ويستنتجون منها وجوب وجود وحدة قومية تتعدى الفروق الدينية، لكن الشميل نفسه ذهب أبعد من ذلك في استنتاجه؛ فهو لم يحاول الاستعاضة عن التضامن الديني بالتضامن القومي فحسب، بل راح أيضًا يعلن أن لجميع أنواع التضامن الجزئي خطر التضامن الديني؛ لأنها تجزئ المجتمع البشري، فالتعصب القومي الأعمى لا يقل شرًا عن التعصب الديني الأعمى، لذلك لا بد أن تَحل ـ عاجلًا أو آجلًا ـ الوطنية العالمية محل الولاء للوطن المحدود» (8) ، ولعل هذا كان سببًا لأن راقته فكرة الاشتراكية حيث الدعوة إلى الأممية العالمية، فكان «أول من نشر بالعربية فكرة الاشتراكية، وإن لم يكن أول من سماها بهذا الاسم» (9) وهكذا انبثق الولاء للعالمية من الرؤية العلمية العلمانية! ولدين الشميل الجديد مستلزمات اجتماعية وسياسية واسعة أيضًا «فالعلوم الطبيعية هي أساس العلوم الإنسانية، ولا تستمد الشرائع إلا من العلوم الإنسانية الصحيحة» (10) .

وعلى رأس العلوم الصحيحة عند الشميل: الداروينية، لذا: كان «أول داعية للأفكار الداروينية والفلسفات المادية في العالم العربي، تحت تأثير فلسفة سبنسر الذي جعل من الداروينية مبدأً فلسفيًا لا ينازع» (11) ، و «أضاف الشميل بذلك على غيره من العلمانيين نظرة مادية في الدين، وجعل من الداروينية نموذجًا عامًا لقانون تطوري يشمل نشوء وترقي الإنسان واللغة والشرائع، وقال بالتالي بأن تاريخية المجتمع كتاريخية الطبيعة، وقال أيضًا بنسبية الأخلاق ومفاهيم الخير والشر» (12) .

«ويترتب على نظرية التطور أيضًا أن القوانين السارية في كل مجتمع ليست شرائع أبدية معصومة، بل يجب أن تتطور بالتدرج وفق حاجات الإنسان وقضاياه، وقد تصبح الثورة ضرورية (!) إذا تحجرت تلك الشرائع ومنعت ذلك التطور» (13) .

وهكذا يتضح بجلاء أن العلمانية في صورتها الغائية الصريحة هي منظومة فلسفية كلية، تنبثق منها تصورات شاملة عن الإنسان والكون والحياة، كما تنبثق منها النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعبر عن هذه التصورات لتحل محل الدين والنظم المنبثقة عنه.

فرح أنطون ( 1874-1922م / 1291-1340هـ ) :

وبمثل هذا الوضوح والسفور كان فرح أنطون، «ففي الوقت الذي حاول فيه من سبقه التوفيق بين الحضارة الغربية والحضارة العربية، والتمسك بإحياء التراث العربي القديم باعتباره الحل المثالي لتقدم مجتمعهم، كان فرح أنطون يدين بالولاء الكامل للحضارة الغربية وأفكارها، وينقل عنها في مجلته (الجامعة) مذاهبها في الإصلاح الاجتماعي، ويناقش الأفكار الاشتراكية والشيوعية في هذا الوقت المبكر حين كان المجتمع غير مستعد بأي صورة من الصور لتقبل مثل هذه الأفكار» (1) ، فكان فرح أنطون «أول من كتب بالعربية عن بوذا وكونفوشيوس، وعرَّف بفلسفة تولستوي وشرائع حامورابي وأفكار روسو وفلسفة أوجست كونت» (2) ، وهو يرى أن لا فرق بين الأديان «فإذا تفحصنا مجموعة المبادئ [الجوهرية] وجدنا أنها واحدة في جميع الأديان... كذلك إذا تفحصنا مجموعة الشرائع لوجدنا أن غايتها الوحيدة إنما هي حث الناس على الفضيلة؛ فالثابت فيها هو إذن المبدأ الخلقي الكامن وراءها، ويجب أن نفسرها تفسيرًا يسمح لها بالقيام بوظيفتها، حتى لو اقتضى ذلك تأويلها، وبعبارة أخرى: إن جميع الأديان إنما هي دين واحد يعلِّم بعض المبادئ العامة، أما الشرائع الدينية فلا قيمة لها بحد ذاتها؛ إذ ما هي إلا وسائل لغاية» (3) .

وأنطون يرى من هذا المنطلق أن المفاضلة بين دين ودين «من القضايا المتحدرة من القرون الوسطى، التي لا تتصل لا من قريب ولا من بعيد بمفاهيم العلم الحديث» (4) ، وبنى على ذلك أيضًا موقع الدين في الحياة، فهو يهدي كتابه عن ابن رشد إلى «النبت الجديد في الشرق» ويعني بهم: «أولئك العقلاء في كل ملة وكل دين في الشرق، الذين عرفوا مضار مزج الدنيا بالدين في عصر كهذا العصر، فصاروا يطلبون وضع أديانهم جانبًا في مكان مقدس محترم! ليتمكنوا من الاتحاد اتحادًا حقيقيًا ومجاراة التمدن الأوروبي الجديد لمزاحمة أهله، وإلا جرفهم جميعًا وجعلهم مسخرين لغيرهم» (5) .

وهذا الكلام يتضمن نقطتين مهمتين: فصل الدين عن الدولة، وضرورة الاتحاد على أساس المواطنة لا الدين؛ «فالوحدة تتم بخلق الولاء القومي والفصل بين السلطة المدنية والسلطة الدينية، وفي هذا قوله: (فلا مدنية حقيقية ولا تساهل ولا عدل ولا مساواة ولا أمن ولا ألفة ولا حرية ولا علم ولا فلسفة ولا تقدم في الداخل إلا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية) » (6) ، ومن ثم: «أصبحت الدولة الدينية (دولة الضعفاء والجبناء والكسالى في الأمة) » (7) ، وعندها «تصبح الاشتراكية إنما هي (دين الإنسانية) ، وهي آخذة في الحلول محل الأديان المنزلة» (8) .

(* هذه المقالات مقتطفات مختصرة من كتاب يعده الأخ الكاتب عن تاريخ العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي، وقد آثر ـ جزاه الله خيرًا ـ مجلة البيان بنشر هذه المقالات قبل نشره للكتاب. ـ ^ ـ

(1) انظر: د. صلاح العقاد، المغرب العربي ـ دراسة في تاريخه الحديث وأوضاعه المعاصرة، ص 161، د. إسماعيل أحمد ياغي، الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامي الحديث، ص 171، د. عزت قرني، العدالة والحرية في فجر النهضة العربية الحديثة، ص 305، علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، ص 604، أحمد أمين، زعماء الإصلاح في العصر الحديث، ص 146، ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، 93 -103.

(2) باي: لقب عثماني، معناه: ممثل السلطان.

(1) زعماء الإصلاح في العصر الحديث، أحمد أمين، ص 156.

(2) عن: الرحالة العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة، د. نازك سابا يارد، ص 24. (3) المصدر السابق، ص 28.

(4) انظر: السالك إلى أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك لخير الدين التونسي، وهو دراسة بين يدي مقدمة أقوم المسالك، قام بها الدكتور رحاب خضر عكاوي، والكلام المنقول من المقدمة نفسها، ص 91، وانظر: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، ص 162.

(5) الرحالة العرب وحضارة الغرب..، ص 90، وانظر: العدالة والحرية في فجر النهضة العربية الحديثة، ص 24.

(6) انظر: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، ص 168 ـ 169، والفكر العربي في عصر النهضة، ص 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت