كانت الصحافة أحد أهم أنشطتهم التي روجوا من خلالها أفكارهم بطرق ملتوية ومخادعة؛ فقد كان بعضهم يتعمد أن يتضمن اسم مطبوعته دلالة رمزية قد تخفى على بعض القراء: ففارس نمر يوضح أنه بعد رفض وزارة الداخلية المصرية الموافقة على إصدار جريدته الجديدة باسم (الإصلاح!) اختار هو وشركاؤه اسم (المقطم) ، يقول: «ولما سئلت عن السبب في اختيار هذا الاسم بالذات، قلت: لأنه الجبل الذي بنيت من حجارته الأهرام الثلاثة» (1) ، وكذلك جورجي زيدان أطلق على مجلته اسم (الهلال) مستغلًا ما يشاع بين الناس من أن الهلال رمز إسلامي، والحقيقة أنه أحد رموز الماسونية، ومن المعروف أن زيدان كان ماسونيًا، كما أن (جامعة) فرح أنطون كانت باسم (الجامعة العثمانية) ، وهذا الاسم وإن كان ظاهره يناصر الدولة العثمانية، إلا أنه يطرح بصفته بديلًا عن (الجامعة الإسلامية) ، وهذا الطرح كان دعوة لها أنصارها في ذلك الوقت، وهو يعني التجمع حول آصرة الجنسية العثمانية التي تضم أديانًا وأعراقًا شتى، بدل آصرة الإسلام، وهو يعني بمعنى آخر العمل على الدعاية لعلمانية الدولة في الانتماء والولاء.
وكما عمدوا إلى المداورة والخداع في الأسماء والعناوين عمدوا إليها أيضًا في المحتوى والموضوعات؛ فمجلة المقتطف «إذا أخذنا العدد الصادر [منها] في كانون الثاني 1896م على سبيل المثال، لوجدنا أنه يشتمل على مقالات في الأمراض السارية، والميكروبات في الهواء، والفروق بين الرجال والنساء، وتحليل فلسفي لمركز الإنسان بين الحيوانات... أما مؤسس الهلال... فقد كان ذا تركيب ذهني مختلف، فأعار العلوم الطبيعية في مجلته اهتمامًا أقل، موجهًا جل عنايته إلى علم الاجتماع، وأدب النفس، والسياسات العالمية، والجغرافيا والتاريخ، واللغة والأدب، وآثار العرب...» (2) ، ويعلق ألبرت حوراني على هذه الموضوعات قائلًا: «قد تبدو المواضيع التي كانت تعالجها هاتان المجلتان عديمة المغزى، خصوصًا وأنهما كانتا تتحاشيان كل ما يتعلق مباشرة بالسياسات المحلية أو بالدين أو بما شأنه أن يثير ضدهما العداء، غير أن وراء هذه المواضيع ووراء غيرها من هذا النوع كانت تكمن بعض الأفكار المعينة الدائرة حول: ما هي الحقيقة؟ وكيفية البحث عنها؟» (3) وبهذه الطريقة أصبحت مجلة كالمقتطف «أهم المجلات التي أخذت تدعو إلى التحلل من الدين» (4) .
وإلى جانب الصحافة ـ التي كانت تعمل على تشكيل الرأي العام ـ سلك طلائع العلمانية
مسالك أخرى لتبديل البيئة الفكرية لمثقفي الأمة؛ ففي هذه المرحلة التاريخية نشطت
حركة إحياء كتابات فلسفية قديمة، مع اهتمام خاص بفلسفة ابن رشد.
فعلى سبيل المثال: أصدر فرح أنطون سنة 1901م كتاب (ابن رشد وفلسفته) الذي أحدث جلبة كبيرة أدت إلى سجالات عديدة؛ حيث ادعى أنطون أن الإسلام قضى على الروح الفلسفية واضطهد العلم، وأن حل (النزاع) بين العلم والدين يتم بتحديد الحقل الخاص بكل منهما؛ بحيث لا يتجاوز أحدهما حدود الآخر، مؤكدًا أن الأنبياء فلاسفة، وأن الحقيقة واحدة يسربلها الأنبياء بالرموز الدينية من أجل العامة بينما تفقهها النخبة مباشرة (1) ؛ فأهمية الكتاب ترجع إلى أنه «لم يستهل المباحث الفلسفية الجديدة في مطلع القرن العشرين وحسب، بل فتح الباب أمام مساجلات فكرية هامة بين أقطاب الفكر في مصر... حول مسائل الخلق والأزلية والسببية، وسواها من القضايا الفلسفية الكبرى» (2) . وتوازى مع ذلك النشاط حركة ترجمة واسعة لكتب منتقاة تعبر عن الفكر (التنويري) الغربي، وبعد أن كانت حركة الترجمة في المرحلة السابقة تتم برعاية الدولة ومرتبطة بمصالحها وتوجيهاتها الحديثة، نجد أن الترجمة في هذه المرحلة أخذت بعدًا جديدًا بانتقال معظم نشاطها إلى أفراد أصحاب توجهات تغريبية واضحة ومقصودة، عملوا على تجاوز ترجماتهم تحديث أجهزة الدولة نحو تحديث أفكار المجتمع وثقافته، حيث بدأت حركة نشطة لترجمة أمهات الكتب الفلسفية والاقتصادية والسياسية والأدبية والاجتماعية إلى اللغة العربية.
فكرتان وشخصيتان:
ولا يفوتنا في هذا المقام الحديث عن شخصيتين وفكرتين كانتا ذا أثر كبير في الحركة الفكرية في هذه المرحلة، باعتبارهما نموذجين للأفكار والشخصيات التي تمثل هذا الاتجاه في ذلك الوقت، ونعني بالشخصيتين: شبلي الشميل، وفرح أنطون، وأما الفكرتان: فالداروينية والاشتراكية.
فلقد أعطى تيار العلمانية الصريحة الاشتراكية بعدًا هو أقرب إلى حقيقتها، مخالفين النهج التوفيقي الذي سبقهم الأفغاني باستعماله عند حديثه عن الاشتراكية، ففي «أوائل التسعينات من القرن التاسع عشر بدأت صحف اللبنانيين الدورية الصادرة في مصر تتعرض للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والنظريات الأوروبية بشأنها، ومن بينها التعاليم الاشتراكية، وكان يعقوب صرُّوف في مجلته (المقتطف) ، وجورجي زيدان في (الهلال) ، وفرح أنطون في (الجامعة) من أوائل العارضين والمحللين لتلك التعاليم» (3) ، وهكذا «ظلت الأفكار الاشتراكية حتى قبيل الحرب العالمية الأولى محصورة بشكل رئيسي في نطاق العلمانيين المسيحيين، وأصدر سلامة موسى في عام 1913م [1331هـ] كتابه (الاشتراكية) » (4) ، وفي العام نفسه نشر المدرس المصري مصطفى حسنين المنصوري كتابه (تاريخ المذاهب الاشتراكية) وضمنه شروحات ميسرة للأفكار الاشتراكية، وهو يعد من أوائل من عرضوا مبادئ الفكر الاشتراكي والماركسي (5) .
وإذا كان يعقوب صرُّوف وجورجي زيدان ظلا في نطاق التحليل الوصفي للاشتراكية دون الالتزام بها سياسيًّا، فإن الشميل وأنطون كانا أول الداعين إليها باعتبارها التزامًا سياسيًا اجتماعيًا؛ حيث كان الشميل «يؤمن بحتمية الوصول إلى الاشتراكية مهما طال الزمن؛ لأنها ذات نواميس طبيعية تدعو إليها» (6) ، بينما ذهب فرح أنطون إلى أبعد من ذلك، فدعا إلى تأميم وسائل الإنتاج وإلغاء الملكية الخاصة، كما «كان يعتقد بأن على المرء ألا يكتفي بالتبشير بالاشتراكية إذا أراد تحقيقها، بل عليه أن يسعى إلى هذا التطبيق ولو بالقوة والثورة، وبالتالي يصبح من الضروري غرس فكر الثورة والعنف في عقول الطلاب منذ الصغر» (7) ، وهكذا شقت الاشتراكية طريقها في الفكر العربي المعاصر، لتتمثل بعد ذلك في نظم سياسية تتبناها وتدعو إليها.
أما الداروينية ـ أو مذهب النشوء والارتقاء كما عُرفت آنذاك ـ فكانت «أحد المجالات الأساسية للصراع ضد العلمانية... فكانت الداروينية في أواخر القرن التاسع عشر من ضروب النظرية التطورية التي شكلت عصب فكر القرن التاسع عشر، ومن المسلَّمات التي أخذ بها الغربيون والشرقيون معًا» (1) وقد أثارت الداروينية موجة قوية من الإلحاد؛ حيث طغى في هذا العصر مذهب المادية «القائل بأن العالم له أساس واحد هو المادة، ولا شيء وراءها، وكل شيء في الحياة مظهر من مظاهرها حتى الفكر والعاطفة، والمادة لا تتجدد ولا تفنى، وقوانينها قديمة أزلية أبدية، وليس في هذا العالم شيء يعتريه الفناء، وإنما تتغير الأشكال، وبناءًا على ذلك: فلا نفس ولا روح ولا دين ولا إله!» (2) ، وهكذا خطت (العلمانية) خطوة نوعية كبرى في مهاجمة الدين بمحاولة تحطيم أسسه الأولية.
شبلي الشميل (1850م ـ 1917م / 1266هـ ـ 1335هـ) :