أما بالنسبة إلى العلماء فإنه وإن استُعمِل بعضهم جسرًا للعلمانية والتغريب إلا إن آخرين أعلنوا رفضهم لذلك الاتجاه وقاوموه بالوسيلة التي يملكونها: الفتاوى! وفضح أصحاب هذا الاتجاه أمام الأمة؛ ففي تركيا العثمانية «لم يلق الخط الشريف أو الدستور الذي سانده مصطفى رشيد وقلة من المحيطين به ترحيبًا أو تأييدًا من الرأي العام العثماني المسلم، فأعلن رجال الدين! تكفيرهم لرشيد باشا، واعتبروا الخط الشريف منافيًا للقرآن الكريم في مجمله، وبخاصة في مساواته المسيحيين بالمسلمين...» (4) . وعندما أعلن سيد أحمد خان آراءه «هيج الرأي العام ضده، وزاد في هياج الرأي العام المسلم وتشديد النكير عليه من العلماء ـ حتى حكموا بكفره ـ ما قرره في تفسيره من أن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعنى فقط...» (5) .
ولكن أصحاب هذه الأصوات المعارضة ضاعت وسط الزخم العلماني والتغريبي المستند على السلطة النافذة والدعم الغربي آنذاك، كما يبدو أن أصحاب هذه الأصوات المعارضة لم يستطيعوا إدراك مدى المخطط البعيد وشموله في هذه المرحلة المبكرة.
أخطر المراحل وأعقدها (1882م- 1917م) : بعد أن نمت البذور التغريبية والعلمانية في أرض الإسلام بدأت تضرب بجذورها في هذه الأرض، وبدا واضحًا أن هذه الجذور أخرجت نبتة لها ساق مستوٍ وعود مشتد.
وقد تميزت هذه المرحلة بحدوث اضطراب شديد وتحولات فكرية وسياسية واجتماعية كبيرة في البلاد الإسلامية، كما أن التداخل في نشاطات وجهود (الرواد) الإصلاحيين وأثر ذلك على الأقطار المتعددة.. كان سمة بارزة في هذه المرحلة.
ويمكننا في هذا الرصد أن نضع أيدينا على مفاتيح تعيننا على فهم هذه المرحلة التي نحن بصددها، تتمثل في الآتي:
أولًا: تميزت هذه المرحلة بتكثيف انتقال القيم الغربية والعلمانية من مجال الأفكار إلى الواقع، وبذا انتقلت الهجمة التغريبية العلمانية إلى الضرب في العمق؛ فكرًا: بطرق الموضوعات التي تطرحها في صورة أكثر صراحة ووضوحًا وشمولًا، وانتشارًا: بفتح ميدان انتقالها من النخبة المثقفة المحدودة إلى القاعدة الشعبية العامة.
ثانيًا: نتيجة لهذا الضرب المركز في العمق الفكري والاجتماعي تبلور تيار كانت بذوره موجودة في المرحلة السابقة، وكان جل اهتمامه محاولة (التوفيق) بين الإسلام وبين الأفكار والقيم الغربية الوافدة، وقد تعددت (دوافع) هذا التيار و (درجاته) و (صوره) ، ولكنه عمومًا احتل مساحة واسعة في أنشطة هذه المرحلة، كما كان له أثر كبير فيما بعد.
ثالثًا: رغم تعدد ميادين الأنشطة العلمانية والتغريبية و (التوفيقية) في هذه المرحلة إلا أن هناك قاسمًا مشتركًا يجمع بين هذه الأنشطة بدا وكأنه صرعة العصر التي تنطلق منها، ألا وهو: الحرية بمفهومها الغربي الليبرالي؛ فقد تمثل ذلك في الفكر: بطرح كل المسلَّمات (السابقة) على طاولة النقاش، ومن ثم: الرفض أو القبول، وفتح المجال لإدخال أي أفكار والترويج لها باسم حرية الفكر، وفي الإصلاح الديني:
بفتح باب الاجتهاد وإعادة تفسير الإسلام بما يتلاءم مع (روح العصر) ، مما أدى لاحقًا إلى محاولات تطويع الإسلام و (علمنته) ، وفي السياسة: بالدعوة إلى الحرية الدستورية، ومقاومة الاستبداد، والتحرر من الروابط السياسية القديمة، وذلك ما أدى فيما بعد إلى رفض الإطار السياسي للخلافة، وإلى استقرار النيابة البرلمانية بوصفها مصدرًا للسلطات، وفي الاجتماع: بالدعوة إلى حرية المرأة وانعتاقها من قوامة الرجل وأسر الأسرة والتقاليد وتعاليم الدين، وهو ما أدى إلى التفكك الأسري والانحلال الأخلاقي، وفي الاقتصاد: بوضع أطر الاقتصاد الحر والارتباط بالرأسمالية العالمية واقتصاد السوق، ومن ثم: فتح المجال أمام الأفكار والتصورات الاقتصادية المنابذة للدين التي مثلها الحضور المكثف لرأس المال الغربي بما يحمله من احتكارات واستغلال وربا، وفتح المجال أيضًا لنشاطات اقتصادية منافية للإسلام أخلاقيًا واجتماعيًا.
هذه إجمالًا أهم مفاتيح هذه المرحلة، والآن لنعرض بعض تفاصيل تحولات الفكر والثقافة في هذه المرحلة:
دخول الفكر العلماني التغريبي الصريح: مثلما كان الفكر النصراني هو واسطة نقل الفكر الفلسفي اليوناني إلى الفكر الإسلامي في العصر العباسي عبر حركة ترجمة واسعة آنذاك «كان هذا الفكر مؤهلًا أكثر من غيره
لدور الريادة عندما جاءت الموجة (الهيلينية) الجديدة من أوروبا المسيحية ـ العلمانية هذه المرة، ومعها تجربة غير معهودة من قبل في تحديد العلاقة الجدلية بين الدين والعقل، تستند إلى مبدأ الفصل والتمييز والتفريق بينهما» (1) ، وهكذا كان النصارى العرب ـ وإن شاركهم غيرهم ـ رأس الحربة في نقل العلمانية الصريحة.
فبخلاف (المصلحين) المسلمين الذين كانت تؤرقهم محاولات تقديم الأفكار الغربية في صورة لا تتعارض مع الإسلام، مما دفعهم إلى اختيار مسلك التوفيق بينهما... «كان المثقفون المسيحيون يرفضون ربط التطور الاجتماعي بأية عقيدة دينية، ويسعون إلى التحرر من مشكلة الانتماء الديني بالتشديد على النظرة العقلانية إلى الإنسان والمجتمع» (2) ، ومن هنا: أخذوا ينهلون ويتبنون ـ بوضوح وبدون حرج أو حساسية ـ أفكار مفكري عصر التنوير الأوروبي.
وهكذا تمثل التيار العلماني التغريبي الصريح ـ في معظمه ـ في بعض نصارى الشام الذين هاجروا إلى مصر، وأخذوا في بث أفكارهم من خلال عدة طرق، محدثين حركة فكرية ثقافية كبرى داخل قطاعات كبيرة من (المثقفين) استخدمت فيها الصحف والمجلات التي أصدروها على نطاق واسع، مستغلين (حرية النشر) التي كانت توفرها سلطات الاحتلال لمثل تلك الإصدارات، وأيضًا من خلال ترجمة بعض الكتب الأوروبية التي تساير الاتجاه الجديد، وتحقيق وإخراج بعض الكتب الفلسفية والأدبية القديمة التي تخدم توجهاتهم، بإعادة طرح أسئلة كبرى حول الإنسان والكون والحياة، والتي تهدف أيضًا إلى إعادة صياغة العلاقات بين الأفراد والمجتمعات.
فبعد جيل فرنسيس مراش، وبطرس البستاني، وناصيف اليازجي، وفارس الشدياق، أتى جيل آخر يمثله سليم عنحوري، وأديب إسحاق، وشبلي الشميل، وفرح أنطون، وجورجي زيدان، وبشارة وسليم تقلا، وفارس نمر، ويعقوب صرُّوف... وغيرهم، ولا شك أن بينهم فروقًا فكرية، ولكن يجمعهم أنهم جميعًا نصارى ـ على اختلاف مذاهبهم ـ وأنهم ماسونيُّون، كما أن معظمهم درس في الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية) التي أشرنا إليها سابقًا.