ولكن لم يكن النصارى وحدهم الدعاة إلى هذه الأفكار الجديدة في الشام، بل كان هناك بعض (علماء المسلمين) الذين تأثروا بهذه الدعوة، وعلى رأس هؤلاء برز في هذه المرحلة: عبد الرحمن الكواكبي (1265ـ1320هـ/1848 ـ1902م) الذي أخذ على عاتقه الدعوة إلى (الوحدة الوطنية) وفصل الدين عن الدولة، فكان ـ كما يقول حفيده سعد زغلول الكواكبي عنه ـ: «أول رائد لفلسفة العلمانية مجاهرًا بها بين المسلمين» (4) .
الجزائر (5) :
يعد الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة (1246هـ/1830م) ، نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة، وقد كان لهذا الاحتلال عوامل دينية وعمرانية (حضارية) لا تخفى، عبَّر عن هذا بورمون قائد الحملة على الجزائر عندما أقام صلاة الشكر احتفالًا بالنصر، وبعث للملك الفرنسي وصفًا لهذا الاحتفال قال في نهايته: «مولاي! لقد فتحت بهذا العمل بابًا للمسيحية على شاطئ إفريقيا، ورجاؤنا أن يكون هذا العمل بداية لازدهار الحضارة التي اندثرت في تلك البلاد» ، ولم يُخف المؤرخون المحدثون هذه الحقيقة، فوصف إدوارد يور المؤرخ الفرنسي المعروف حادث الاستيلاء على الجزائر بأنه: «كان أول إسفين دُقَّ في ظهر الإسلام» (1) .
وفي هذه الفترة المبكرة وبعد أن استقرت أقدامهم عمل الاحتلال الفرنسي على مصادرة الأوقاف وإغلاق مراكز التعليم بالمساجد والكتاتيب، وإذا ما سمحوا بالتعليم ورخصوا بالكتاتيب ـ على قلة ذلك ـ «فمن شروط الترخيص ألا يُدرَّس تفسير القرآن، أو تاريخ الجزائر... » (2) .
وفي القضاء انتزع الفرنسيون تدريجيًا اختصاصات المحاكم الشرعية وحولوها إلى محاكمهم المدنية.
كما عمل (جنرالات الجيش الفرنسي) وسياسيوه بالتعاون مع (رجال الدين المسيحي) على استنبات بذور تغريبية جزائرية النسب وفرنسية الولاء، فاستمالوا في هذه المرحلة المبكرة بعض مشايخ الطرق الصوفية ورجال الزوايا والأعيان وأشباه الفقهاء ممن أنابهم الاحتلال عنه، فشرع الاحتلال ينظم لهم الرحلات إلى فرنسا، وربما أقدم على تسريب الفتيات الفرنسيات زوجات لبعضهم مؤثِّرات وجاسوسات، فتحولت بعض هذه الزوايا وأصحابها إلى بؤر لترويج التغريب وتشويه الدين ومسالمة الاستعمار معتبرة إياه (قضاءً وقدرًا) ؛ حيث أفتى بعضهم بقبول الاحتلال كقدر.
أما من جهة المقاومة: فقد بايعت بعض القبائل عام 1832م (1248هـ) الأمير عبد القادر على الأساس الديني (للجهاد ضد الكفار) فاتخذ لقب أمير المؤمنين ودعا القبائل لطاعته بدافع الدين، وأطلق على الأراضي المحتلة اسم (دار الكفر) وعلى البلاد التابعة له (دار الإسلام) .
ولكن في الوقت نفسه استعان عبد القادر بالأوروبيين من مختلف الجنسيات لتدريب الجيش ولإقامة مصانع للذخيرة، وقرّب بعضهم، وقد اشتهر من بين هؤلاء المستشرق الفرنسي (!) ليون روش الذي اتخذه الأمير مستشارًا له بعد أن اعتنق الإسلام، فأقام عنده نحو أربع سنوات، وعندما انقطع الصلح بين الأمير وجيش الاحتلال سنة 1839م (1255هـ) رفض روش اتِّباع الأمير في استئناف القتال، واعترف له بأنه تظاهر باعتناق الإسلام، ومع ذلك فقد أخلى سبيله، ثم تبين بعد ذلك أنه كان جاسوسًا.
ويقدم لنا الأمير عبد القادر الجزائري نموذجًا واضحًا لأثر العوامل المساعدة التي ذكرناها سابقًا (كالهزيمة النفسية وانحراف مفهوم القضاء والقدر، إضافة إلى البعثات والرحلات المنظمة والمقصودة) في التحول نحو القبول والميل تجاه التغريب والعلمنة، فهذا الأمير الذي قضى من عمره خمسة عشر عامًا في (جهاد الكفار) حدث له تحول كبير بعد ذلك؛ فبعد هزيمته العسكرية في آخر سنة 1847م (1263هـ) التي أعقبها إيقافه للقتال ثم غدر الفرنسيين به وأسره وترحيله إلى فرنسا.. أطلقه نابليون الثالث من الأسر «وأمر بنقله إلى (بروسة) من أملاك الدولة العثمانية، وأثناء مروره بباريس قدم تعهدًا كتابيًا بألا يفعل شيئًا ضد فرنسا.
ومنذ ذلك الوقت أصبح يسوده شعور بالعرفان بالجميل نحو نابليون ونحو فرنسا بصفة عامة! حتى إنه طلب الاشتراك في الاقتراع على الإمبراطورية في نوفمبر 1852م [1269هـ] (لأن الأخوَّة تجعلنا مواطنين فرنسيين!) .. كذلك ساد الأمير شعور بالتفاوت الحضاري وتفوق قوة فرنسا المادية، وأصبح مقتنعًا (بأن الله هو الذي أراد هزيمة المسلمين لأنهم انحرفوا عن دينهم، وعليهم أن يقبلوا بالمصير الذي انتهوا إليه) .. بل إنه أظهر في مناسبات كثيرة تعاونه مع فرنسا، كما اشتهر بإنقاذه للمسيحيين في أحداث سنة (1276هـ/1860م) بدمشق» (3) ، ولا غرابة في ذلك إذا عرفنا أن الأمير عبد القادر كان راسخ القدم في التصوف (4) ، كما أنه شايع الماسونية بعد انتقاله إلى سورية (5) .
(u) هذه المقالات مقتطفات مختصرة من كتاب يُعِدُّه الأخ الكاتب عن تاريخ العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي، وقد آثر - جزاه الله خيرًا - مجلة البيان بنشر هذه المقالات قبل نشره للكتاب. ـ ^ ـ
(1) جزء من حديث أخرجه الطبراني في الكبير (20/90) والصغير (1/264) ، وذكره ابن حجر في المطالب العالية (4348) .
(1) انظر على سبيل المثال: إرشاد الفحول للشوكاني، ج 1، ص 329، المسودة لآل تيمية، ج 1، ص 202، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، ج 4، ص 517، الإحكام للآمدي، ج 3، ص 9، أصول السرخسي، ج 2، ص 66، المستصفى للغزالي، ج 1، ص 262، شرح مختصر الروضة لنجم الدين الطوفي، ج3، ص 748 .
(1) انظر ـ في التحذير من ذلك ـ على سبيل المثال: كلام الإمام الشافعي في (الرسالة) مع تعليق أحمد شاكر، ص 110، 505.
(2) مات بالطاعون في تونس أثناء حملته الثامنة سنة (669هـ/1270م) .
(3) انظر: العلمانية، للدكتور سفر بن عبد الرحمن، ص 536، وفي الغزو الفكري، د. أحمد عبد الرحيم السايح، ص 47.
(1) انظر: تاريخ الدراسات العربية في فرنسا، د. محمود المقداد، ص 58.
(2) السابق، ص 56 ـ 57.
(3) تاريخ الجبرتي، أحداث شهر محرم سنة 1213هـ.
(4) انظر: بونابرت في مصر، لكرستوفر هيرولد، ترجمة: فؤاد أندراوس، ص 251.
(5) انظر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص 124، ومصر: ولع فرنسي، لروبير سوليه ص 37.
(1) تاريخ الجبرتي، أحداث شهر ربيع الآخر.
(2) انظر مناقشتهم لأحكام الميراث في تاريخ الجبرتي، أحداث شهر جمادى الأولى من سنة 1213هـ.
(3) انظر: تاريخ الجبرتي، أحداث شهر ربيع الأول سنة 1213هـ.
(4) على سبيل المثال: يمكن مراجعة الصفحات رقم: 15،20، 28، 29، 36، 61، 82، 105، 106، 231، 264... من الجزء الثالث من تاريخ الجبرتي، طبعة الأنوار المحمدية، القاهرة.
(5) انظر على سبيل المثال: ص55، 60، 71، 98، 110، 230، 231، 272... من المصدر السابق.
(6) السابق، أحداث شهر ربيع الثاني، 1213هـ.
(7) انظر: ص20، 31، 32، 25، 45-48، 56، 58، 72، 162، 190،... من المصدر السابق ذكره.
(1) انظر مثلًا: ص 11، 12، 34،48، 52، 79، 80، 112، 127، 137، من المصدر السابق، وانظر أيضًا: مصر: ولع فرنسي، ص 38 ـ 39.
(2) نقل الرسالة الشيخ محمود محمد شاكر، في (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) ، ص 108، عن كتاب أحمد حافظ عوض: (فتح مصر الحديث) ، وقد ذكر أن أصل هذه الرسالة محفوظ في وزارة الحربية الفرنسية، وثيقة رقم 4374.
(3) انظر: في الفكر المصري الحديث، د. عزت قرني، ص 164.
(4) تقرير الحالة الدينية في مصر، الصادر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، سنة 1995م، ص 32.