وفي عام (1282هـ/1865م) وفي ظل الحماية التي وفَّرها مدحت باشا (تلميذ رشيد باشا) للتيار التغريبي قامت مجموعة صغيرة (6 أفراد) من العناصر العثمانية ذوي الميول الليبرالية بعقد اجتماع سري اتفق فيه على تأسيس (جمعية شباب العثمانيين) (6) على غرار جمعية إيطالية أقرب إلى الماسونية العسكرية، هي جمعية الكاربوناري (إيطاليا الفتاة) ، وقد أطلق الأوروبيون على (جمعية شباب العثمانيين) اسم: (تركيا الفتاة) ، وكان من أبرز أعضائها: الشاعر نامق كمال، وضياء باشا، وآية الله بك، وإبراهيم شناسي، وقد اصطبغ نشاطها في البداية بالصبغة الأدبية الثقافية، باعتبارها حركة تهدف إلى الدعوة لإصلاح الدولة العثمانية من منظور غربي علماني، وتجلت أهدافها في أربعة مبادئ: الحرية الفردية، وقيام النظام الدستوري، والقضاء على الإقطاع، والتحرر من السيطرة الأجنبية.
وقد تلاقت أفكار هذه الجمعية مع أفكار دعاة (الإصلاح) المتنفذين في الحكم ـ وعلى رأسهم مدحت باشا ـ فكوَّنوا تيارًا قويًا يرى أن الإصلاح الذي يجب أن يسود الدولة العثمانية هو الحكم الديموقراطي على نمط الحكم في إنجلترا وفرنسا، ومظهر هذا الحكم هو الدستور وإنشاء المجالس النيابية، واستطاع هذا التيار التحكم في السلطان عبد العزيز ودفعه إلى هذا السبيل، فتابع (الإصلاحات) السابقة.
بلاد الشام (1) :
أما في الشام ـ التي كانت خاضعة آنذاك للدولة العثمانية ـ فقد نشطت الإرساليات التنصيرية الأجنبية فيها، ومدت جسورًا من التواصل والتعاون مع نصارى المنطقة منذ حُكم إبراهيم باشا بن محمد علي أثناء احتلاله للشام. وبعد عهد التنظيمات في الدولة العثمانية بدأ التغلغل الصليبي يزداد في الشام مستفيدًا من الامتيازات والتسهيلات الجديدة، ومستغلًا إمكاناته المالية والبشرية الهائلة وغطاء حماية الدول الأوروبية؛ حيث كانت كل من هذه الدول تدَّعي حماية الأقلية النصرانية التابعة لمذهبها (فرنسا للكاثوليك، وروسيا للأرثوذكس، وأمريكا وإنجلترا للبروتستانت) ، وتنفذ من خلال ذلك مخططاتها التغريبية والاستعمارية التي كان هدفها العلمانية والتغريب ووسيلتها الثقافة والتعليم.
ففي عام (1263هـ/1847م) تشكلت تحت رعاية الإرساليات (التبشيرية) الأمريكية (جمعية العلوم والفنون) ، ومن مؤسسيها بطرس البستاني وناصيف اليازجي ـ وكانا ماسونيين على صلة بهذه الإرساليات الأمريكية ـ وضمت أيضًا بعض (المبشرين) الأمريكيين من هذه الإرسالية، مثل: فان دايك، وإيلي سميث، وكان هدفها: نشر العلوم الغربية والدعاية لدول أوروبا! ولكن لم ينضم إلى هذه الجمعية خلال عامين سوى خمسين عضوًا كلهم من نصارى الشام، وتعد هذه الجمعية البذرة الأولى للقومية العربية العلمانية.
وفي عام (1273هـ/1857م) ـ وهي السنة التالية لصدور منشور التنظيمات الخيرية العثماني الذي ساوى بين أصحاب جميع الديانات في الولايات العثمانية ـ حدث تطور مهم على النشاط التغريبي العلماني في الشام؛ فعلى إثر حل الجمعية السابقة ـ مع صنوتها الكاثولكية (الجمعية الشرقية) ـ تكونت بدلًا منهما جمعية أكبر باسم: (الجمعية العلمية السورية) ، كانت غاياتها ووسائلها وقانونها وأنظمتها كلها على غرار جمعية العلوم والفنون أيضًا، ولكنها ضمت لأول مرة بين أعضائها الخمسين والمئة: دروزًا، ومسلمين، إضافة إلى النصارى من جميع الطوائف، كان يجمعهم اهتمامهم بتقدم البلاد على أساس (الوحدة الوطنية) ، كما أن جميع أعضائها كانوا من العرب، ولذا: أصبح الرباط الذي يؤلف بينهم هو اعتزازهم بالتراث العربي.
ولم تأت سنة (1275هـ/1858م) إلا وكانت الإرسالية الأمريكية قد افتتحت أكثرمن ثلاثين مدرسة ودار طباعة تنشر مبادئها وثقافتها من خلالها.
وفي عام (1276هـ/1860م) حدثت فتنة كبرى بين الموارنة والدروز أَوقَفت ـ إلى حين ـ تصاعد المد القومي وحفزت في الوقت نفسه جهود الداعين إليه، وبعد هذه الفتنة أصدر بطرس البستاني صحيفة سياسية أسبوعية باسم (نفير سوريا) ، « ودعا فيها إلى الاتحاد والتعاون بين أبناء الطوائف المختلفة، وإلى ضرورة فصل الدين عن الدولة، وإحلال الشعور القومي العربي مكان التعصب الطائفي» (2) .
وفي عام (1281هـ/1862م) حدث تطور آخر مهم؛ إذ افتتحت (الكلية السورية الإنجيلية) في بيروت، التي عرفت فيما بعد باسم: (الجامعة الأمريكية) لتكون بديلًا محليًا عن البعثات الخارجية التي كانت لا تؤتي الثمار المطلوبة، ولتلعب دورًا كبيرًا في مجريات الأحداث فيما بعد، حيث كانت معقلًا من معاقل الحركة القومية العلمانية وموئلًا ضم الداعين إلى العلمانية والتغريب في الشام.
وفي سنة 1863م (1282 هـ) أنشأ بطرس البستاني (المدرسة الوطنية) على أساس وطني لا ديني.
ثم في سنة (1285هـ/1868م) نالت الجمعية العلمية السورية اعتراف الحكومة بها، وفسحت المجال للاشتراك فيها حتى ضمت أعضاءً كثيرين بارزين من الذين كانوا يقطنون خارج البلاد، وخاصة في إستانبول والقاهرة، وتحسنت الصلات بين بعض الساسة من أوروبا وأعضاء فيها، وفي هذه الجمعية ظهر أول صوت يدعو بوضوح وصراحة لحركة القومية العربية، وذلك عندما ألقى إبراهيم بن ناصيف اليازجي على ثمانية من أعضائها قصيدة اتخذت صورة النشيد الوطني، وَرَد فيها تحريض للعرب على الثورة على الترك، وفخر بأمجاد العرب وأدبهم، وقد ذاعت هذه القصيدة ذيوعًا واسعًا.
وفي سنة 1870م (1287هـ) أصدر بطرس البستاني صحيفة (الجنان) ـ وهي صحيفة سياسية أدبية ـ دعا فيها إلى أن ازدهار الشرق يقوم على «الحكم الصالح الذي لا يمكن أن يقوم إلا بفضل اشتراك الجميع فيه، وفصل الدين عن السياسة، وقبل كل شيء: إقامة العدل والاتحاد بين أبناء الأديان المختلفة، وتقوية الشعور الوطني الموحد بين جميع المواطنين العثمانيين» (1) ، وقد جعل شعار صحيفته: (حب الوطن من الإيمان) ، وهو شعار لم يكن يعرفه العالم العربي حتى ذلك الزمن، وهكذا بات الطريق مفتوحًا أمام الجيل الأول من دعاة الوطنية الذين ينادون صراحة بأن الولاء الديني لا يصلح أساسًا للحياة السياسية.
وفي سنة 1875م (1292هـ) أسَّس خمسة شبان تلقوا العلم في الكلية السورية الإنجيلية في بيروت ـ وهم جميعًا نصارى من مريدي اليازجي والبستاني، ومن أبرزهم: إبراهيم اليازجي والدكتور فارس نمر (2) ـ أسَّسوا جمعية سرية قامت على أساس قومي هي (جمعية بيروت) »، وهي تعد أول حزب سياسي في هذه البلاد، فعادت العثمانيين وسمَّت دولتهم باسم تركيا، وكان من أهم مبادئها: فصل الدين عن الدولة واعتبار الجنس العربي هو الأساس، والغريب من تلك الجمعية اتهامها الدولة العثمانية باغتصاب الخلافة الإسلامية من العرب والتفريط في الدين، مع العلم أن أعضاءها المؤسسين ليسوا بمسلمين كما ذكر سابقًا، و أن من انضم إليها لاحقًا كان قوميًا علمانيًا، بل إن كاهنًا كاثوليكيًا كان يدعو في جريدته (النحلة) في الفترة نفسها إلى «الإصلاح الديني [الإسلامي] بلهجة العربي القومي، وهاجم عبد الحميد واصفًا إياه (بمغتصب لقب الخليفة) » (3) .
وإضافة إلى الاهتمام بالتعليم وتكوين الجمعيات السرية والعلنية، نشط نصارى الشام في نشر أفكارهم المتمثلة في العلمانية والقومية العربية عن طريق إصدار الصحف والمجلات التي كانت الوسيلة الإعلامية العامة الوحيدة آنذاك.