لقد كان الأثر المباشر الواضح لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو محاربة البدع والخرافات والأوهام والقضاء على شرك القبور والأضرحة، ولكنها أيضًا أصَّلت وجوب رد الأمر كله إلى الكتاب والسنة وهو ما يناقض فصل الدين عن الحياة الذي هو جوهر العلمانية، إضافة إلى أنها رسخت مفهوم الولاء والبراء على أساس الدين والعقيدة، وهو ما يناقض مفهوم الوطنية والقومية العلمانيين.
نعود إلى بذور العلمانية:
لم يكتف الغارسون باستيراد بذور علمانية أوروبية صرفة، بل دأبوا على تصنيع بذور هجين من العالم الإسلامي نفسه، واستخدموا في هذا التصنيع كافة أساليب الهندسة الفكرية.
فقد شرع محمد علي أيضًا في تنفيذ ما طلبه نابليون من خليفته كليبر ولم يمتد به الأجل لتنفيذه، ولكن محمد علي استطاع تنفيذه بصورة أدق وأخطر مما اقترحه نابليون نفسه، فقد انتقى بعض الشباب المختارين بعناية ثم أرسلهم في بعثات إلى أوروبا وخاصة فرنسا؛ ليكونوا في باريس تحت إشراف أحد أعضاء المعهد العلمي الذي أسسه نابليون في مصر من قبل، ويدعى: جومار.
وعندما فتح محمد علي ودعاة النهضة المدارس والمعاهد وأرسلت البعوث إلى أوروبا بهدف اللحاق بنهضتها.. كان بدهيًا أن تُمَد هذه المدارس «بالأساتذة الأوروبيين أو بالمتعلمين في أوروبا، ورغبوا بطبيعة الحال في أن يدرِّبوا أساتذة من عندهم، وبهذا أوسعوا المجال للمؤثرات التي كانوا يرجون تجنبها وزادوا في قوتها، فليس هناك طالب ذكي يقضي ثلاث أو أربع سنين في عاصمة أوروبية مختلطًا بأهلها كل يوم وقارئًا ما يكتبون خيره وشره من غير أن يشرب في نفسه شيئًا أكثر من قشور المدنية الغربية، ثم عاد الطلبة أفرادًا وبعوثًا، لا بدراسات فنية بحسب، ولكن بجراثيم الأفكار السياسية، بل بجراثيم العادات الاجتماعية أحيانًا، مما كان متضاربًا مع تقاليدهم الموروثة، وقد كان الأثر في مجموعه ضعيفًا في الجيل الأول، ولكنه تضاعف في الجيل الثاني، وظل يتضاعف باطراد» (1) .
كان من أبرز المتأثرين في هذه البعثات والمؤثرين في غيرهم: الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي الذي ذهب إلى باريس ـ بترشيح من أستاذه الشيخ حسن العطار ـ سنة (1241هـ/1826م) مع بعثة كبرى ليقيم الصلاة في أعضائها، فكان سبَّاقًا إلى قراءة كتب آباء الثورة الفرنسية! كجان روسو ودومونتسكيو وفولتير، كما نهل من كبار المستشرقين الفرنسيين وعاين الحياة الفرنسية (بحلوها ومرها) .
وبعد رجوعه إلى مصر أثَّر الطهطاوي في الحركة الفكرية لدى قطاعات كثيرة من مثقفي الشعب المصري، بل نستطيع القول: إن القسم الأكبر من المصريين الذين دخلوا المدارس الحديثة بين عامي (1831م و1880م) (1246هـ ـ 1297هـ) هم من تلاميذ رفاعة المباشرين أو غير المباشرين عن طريق من تخرجوا على يديه، هذا إذا لم نأخذ في حسابنا قراءه خارج هذه الحلقة، ولا شك أنهم كانوا كثيرين (2) .
وإضافة إلى كونه أول الداعين إلى (تحرير المرأة) وإلى استعمال العامية لغة للكتابة والتصنيف، ساهم الطهطاوي في تحبيذ بزوغ وعي وطني مصري بمفهوم تغريبي، فـ «كان هو الأول في تمييز (الوطن) عن (الأمة الإسلامية) ... وها هو كل شيء يبدو في صورة جديدة: لقد بدَّد ابن طهطا ظلمات القرون الوسطى التي غمرت الجماعة الإسلامية واستعاد جذوره الفرعونية... » (3) .
وهكذا لم يرحل الطهطاوي عن الدنيا عام 1873م (1290هـ) إلا وقد ترك مصر واقعة في شَرَك العلمانية والتغريب:
ففي مجال التعليم: عمل محمد علي على (إصلاح) التعليم بما يخدم أهدافه (الإصلاحية) والتوسعية، فنحَّى الأزهر جانبًا، وشرع في تأسيس المدارس النظامية والمعاهد المتخصصة التي يقوم عليها أوروبيون.
وفي مقابل تهميش الثقافة الإسلامية وتنحية الأزهر عن مكانته في قيادة العملية التعليمية والجور على أوقافه التي كانت تكفل له الكفاية والاستقلال المادي، وفي موازاة لعمل البعثات التعليمية الخارجية.. توسع التعليم الذي أسسه محمد علي، وانتشرت مدارسه ـ وخاصة في عهد الخديوي إسماعيل ـ.
وفي الوقت نفسه: فتح المجال لمدارس الأقباط ومدارس الإرساليات (التبشيرية) ، بل كانت بعض هذه المدارس تتلقى الدعم المادي من الخديوي نفسه أحيانًا (4) ، «وعلى الرغم من أن فرنسا كانت تسودها روح الإلحاد فإنها شجعت رجال الدين الذين ينشرون الثقافة الفرنسية في الخارج، وأرسلت البعثات (العلمانية) إلى مصر، فأسست عددًا من المدارس» (5) ، فكان الهدف الظاهر لهذه البعثات نَشْر الدين الكاثوليكي، ولكنها عملت على خدمة الاستعمار الفرنسي والتمكين لنفوذ فرنسا الفكري والأدبي في مصر (6) هذا في مجال التعليم.
أما في مجال القضاء والتشريع: فـ «مع بناء الدولة الحديثة في مصر، سعى محمد علي لتقليص نفوذ القضاء الشرعي، حتى يحقق هدفه في التحديث، عن طريق استيراد المدنية الغربية والتقرب للقوانين الأوروبية من ناحية، والعمل على تخفيف سيطرة الدولة العثمانية التي ارتبط بها القضاء الشرعي من ناحية أخرى» (1) .
تركيا (2) :
في هذه المرحلة الزمنية نفسها (1830ـ 1881م) خرج من سلطان الدولة العثمانية بعض البلدان؛ مما عمق إحساس الدولة العثمانية بالانكسار والهزيمة، ودفعها إلى إجراء مزيد من (الإصلاحات) في الجيش ونظم الحكم، ولكن الدولة كانت تهوي في الحقيقة إلى هاوية التبعية والتغريب بتشجيع الغرب؛ فقد زود السفير الإنجليزي (ستراتفورد كاننج) بتعليمات من وزير خارجيته اللورد (إبردين) خلال سفارته الثانية لدى الباب العالي عام 1842م (1258 هـ) لتأييد الإصلاحات الحكيمة التي درست دراسة جيدة «مما يوفر لحكومة السلطان الاستقرار والثبات اللازمين لها» (3) ، وهذا السفير نفسه كان يعتقد أن «الإمبراطورية التركية تحث الخطا نحو تفككها بصورة واضحة، والفرصة الوحيدة التي تمكنها من البقاء متماسكة لأي فترة زمنية أطول يتيحها لها تقربها من حضارة العالم المسيحي» (4) .
وفي هذا الإطار وبذريعة (الإصلاح) صدرت (التنظيمات) ، «وقد استندت حركة (التنظيمات) إلى مرسومين سلطانيين صدرا خلال عهد السلطان عبد المجيد.. أولهما في عام 1839م (خط شريف همايوني) ، المشهور بـ (منشور كُلْخانة) الذي وضعه [الصدر الأعظم ] مصطفى رشيد باشا تلميذ المستشرق [الفرنسي] سلفستر دي ساس، ووزير الخارجية [محمد أمين عالي باشا ] في مطلع عهد عبد المجيد.
وقد كفلت [هذه] (التنظيمات) مساواة المسلمين والذميين من الرعايا العثمانيين أمام القانون، مقابل الحفاظ على كيان الدولة العثمانية بعد أن هددها محمد علي [في الفترة] (1839 ـ 1841م) بموجب معاهدة لندن.
وثانيهما في عام 1856م (خط شريف همايوني) الذي عرف بـ (منشور التنظيمات الخيرية) ، وقد صدر عقب حرب القرم (1854-1856م) .. فكان ثمن هذه الهزيمة أيضًا منشور التنظيمات الخيرية الذي أكد ـ كسابقه ـ المساواة في ذلك بالضرائب (إلغاء الجزية) وتمثيل الطوائف غير الإسلامية بمجالس محلية وفي مجلس القضاء الأعلى» (5) .
وقد كان وراء هذه التنظيمات رشيد باشا الصدر الأعظم للسلطان الشاب عبد المجيد، أكبر شخصية ماسونية في وقته، ومن ثم: احتضن الماسونيين العثمانيين، ووجه أجهزة الدولة نحو التمسك بتمثل أوروبا والبعد عن التوجه الإسلامي.